هل من ردع لحراك الأصنام الجديدة؟
الفيروس السياسي " المحاصصة " الذي جاء به بريمر من خلال تشكيله مجلس الحكم، وإصابة الكتل السياسية وزعماءها بدائه، خلق بيئة مريحة لولادة أصنام جديدة كبديل ملموس غير مرئي عن " الصنم " الساقط. ومنذ السقوط، الذي لم ولن يكون هدفا بحد ذاته ( خلاص الشعب من النظام الديكتاتوري وإقامة الديمقراطية )، بل وسيلة لتحريك أصنام جدد من صناعتهم، قادرين على قيام نظام صدامي جديد دون صدام، وذلك وفقا لإيقاع ما خططه ويخططه العقل الإستراتيجي في الإدارة الأمريكية بجناحيها الجمهوري والديمقراطي عبر تناوبية مدروسة لحكام العراق الحقيقيين، بدءا من حاكم العراق الأول جي ګارنر، ومرورا بالسياسي، التاجر، الثعلب، صاحب نظرية " فرق تسد " الجديدة بريمر، ليمد بزاده الطائفي إلى خليل زاد، فاتحين ( أي الحكام الحقيقيون ) آفاقا أوسع للمنارة السياسية تمهيدا للقضاء على كامل منجزات واستحقاقات العملية السياسية بالمضمون الذي يتناغم وأهدافهم من سقوط بغداد. ومن نافلة القول أن من حصيلة السقوط ( تدمير الدولة بكل ركائزها وبنيتها الأمنية والاقتصادية ونسيجها الاجتماعي )، يمكن استشراف أهدافا لم تتكشف بعد ملامحها كاملةً، ناهيك عن أبعادها التي تندرج في أجندة أمريكية يعمل على تفعيلها خليفة الحكام الحقيقيين للعراق والخبير بمزاج وهوايات العرب السياسية ( الوصول إلى سدة الحكم ) السفير كروكر. لقد توصلت الإدارة الأمريكية من خلال مناوراتها السياسية في العراق إلى نتائج ملموسة لم تكن متيقنة من تحقيقها. في مقدمة النتائج هذه، جاء كسبهم الرهان على موضوعة الفرقة الطائفية، وتعميق الخلافات بين أطراف المعارضة سابقا والمشاركين في الحكم لاحقا، ومن ثم تعميق هذه الخلافات عن طريق الكيل بمكايل متعددة ومواقف سياسية متناقضة إزاء هذه الإطراف وسلوكياتهم اليومية على الساحة السياسية في العراق وصولا إلى حالة الاقتتال وتوسيع رقعة القتل والعنف الطائفي - السياسي المتبادل. واستكمالا لما نستشفه من النهج الأمريكي ومسار الأحداث ( الفراغ السياسي وسفك الدماء الطائفي في العراق ) هناك أيضا هدف آخر هو التواجد العسكري لفترة زمنية يمكن من خلالها تحقيق مآرب جيوسياسية – جيواقتصادية في المنطقة على المدى المتوسط والطويل، وذلك بحجة الحرب على الإرهاب كوسيلة لتواجد القوات المسلحة الأمريكية لأطول فترة وبقبول كل أطراف الطيف السياسي والطائفي ( هذا ما حصل، حيث اقتنعت الكتل السنية بذلك بعد رفض قاطع ). وبما أن الإدارة الأمريكية غير معنية بقضايا التنمية الاقتصادية في العراق طالما بقت الشركات الأمريكية بعيدة " مؤقتا " عن التحكم بمقدرات العراق النفطية ( المصادقة على قانون النفط )، لذا نجد أن معركتها لم تنتهي بسقوط بغداد، بل تشمل أنسب الطرق والوسائل للوقوف بوجه المد " الشيعي " الآخذ بالانتشار عراقيا والمدعوم إيرانيا ... وهنا بيت القصيد. فالمعركة الأمريكية في العراق بدأت حاليا تسلك أكثر من مسار. فالمسار على الصعيد العراقي يكمن في ديمومة الوضع السياسي الحالي ( الفراغ السياسي ) وتوسيع رقعة الاقتتال والعنف الطائفي، تواجد عسكري شبه دائم، تحييد المد الشيعي ونفوذه السياسي، واستغلال الكتل السياسية والدينية الراديكالية السنية لخلق حالة من التوازن السياسي في العراق بما ينسجم مع الأمن القومي الأمريكي وطموحاتها الجيوسياسية في المنطقة مع الاحتفاظ على حق سحقها لاحقا. أما المسار الثاني وعلى الصعيد الإقليمي، فانه، من حيث الهدف، يختلف بآليات تطبيقها عن المسار السابق. فالإدارة الأمريكية تمتلك هنا خيارات عدة منها: تهميش دور ونفوذ إيران الشيعية سياسيا عن طريق التهديد بالعقوبات الاقتصادية على خلفية البرامج النووية الإيرانية. وها يمكن الإشارة إلى المباحثات السرية والعلنية بين الطرفين، الجارية منذ سنوات، لطمأنة الإيرانيين بالنوايا الحسنة وصولا إلى الحد من تدخلاتها في الشأن العراقي (الكيل بمكيالين)، أما عسكريا فالأمر لا يحتاج إلى كثير جهد لمعرفة الهدف من تسليح دول الخليج بالمعدات العسكرية المتطورة والبالغة قيمتها ما يقرب من 100 مليار دولار بغية خلق نوع من التوازن في ميزان القوة العسكرية. أن ما يلفت النظر إليه هو النشاط المحموم للخارجية الأمريكية في كل من الأردن ولبنان ومصر والخليج لبث روح الهلع من العمليات الإرهابية لجماعة القاعدة، وهي صناعة أمريكية بالأصل، باعتبارها تهديدا لسلطاتها وسلطانها، ومواصلة اجتماعات غير منقطعة مع القادة العرب " المعتدلين " لغرس روح الخوف من المد " الشيعي " الإيراني أو من تعنت سوريا وتدخلاتها في الشأن اللبناني والعراقي تمهيدا لضرب النظامين معا، ووصولا إلى خلق حالة من التبعية التامة للمنطقة وجعلها تابعا آخر في فلكها السياسي والعسكري والاقتصادي. ما الذي يمكن من القيام به عراقيا للحفاظ على المصالح الوطنية والخلاص من المأزق الذي يعيشه المواطن والسياسي العراقي، وما هو الطريق الحكيم إلى إجلاء قوات الاحتلال؟!!! ذكرنا مرارا فيما يتعلق بالمحاصصة باعتبارها أداة أمريكية لخلق حالة من الفراغ السياسي المستديم. كما أشرنا إلى وجوب التحكم إلى الاستحقاق الانتخابي والرجوع إلى الدستور هو الطريق الأنسب والأسهل لتحقيق النظام الديمقراطي دون استشارات من هنا أو هناك، وأن مثل هذا الاحتكام يتطلب تقديم بعض من التضحية السياسية ( الابتعاد عن الولاءات الدينية المتطرفة وغير الكفوءة لإدارة شؤون البلاد السياسة والاقتصادية والمدنية )، كما أن تهميش دور المستقلين والتكنوقراط الموالين للعملية السياسية والداعمين التحولات السياسية في البلاد قد يخلق مناخات مريحة للمتصيدين بالماء العكر والجاهدين في عودة العراق إلى سابق عهده ليظهر أكثر من صنم على الساحة السياسية في العراق. وما على المالكي ( أو غيره ) إلا المضي وبشكل حاسم وجسور في استخدام صلاحياته الدستورية، وتاسيسا على الاستحقاقات الانتخابية وبالتعاون مع الكورد والكتل السياسية ذات القاعدة الشعبية الواسعة ( نؤكد على القاعدة الشعبية الواسعة)، عليه الإقدام على تغير سياسي جدي، جذري وتام من خلال حكومة جديدة تحظي بقبول المجلس الوطني والضرب بقوة على يد العناصر الإرهابية ومن يقف وراءهم من الأصنام الجدد. وفي حالة الإخفاق التام أو التلكؤ في تحقيق ما ذكرنا، فعلى المالكي المضي في طريق إعداد مستلزمات إجراء انتخابات جديدة في عموم البلاد.
الدكتور خليل شمه كاكه لي
دبلوماسي وأكاديمي
khalilshamma@yahoo.com
المصدر: صوت العراق، 8/8/2007