علة السنة في العراق

لا تستطيع إلا أن تتفهم غضب السنة من الحكومة، لأنها تسمح بميلشيات شيعية مسلحة صريحة العداء للعراقيين السنة، ولا تستطيع إلا أن تتفق مع مطلب السنة بالتمثيل العادل في الحكومة، لأنه لا يمكن أن تكون حكومة للعراقيين وتغفل فئة كبيرة كالسنة. إنما عندما تقرأ تصريحات أحد زعماء المعارضة، مثل الشيخ حارث الضاري، لا تملك إلا أن تذهل من تناقضاتها، وخطورتها على العراقيين السنة أولا، وعدا على أنها بعيدة عن المنطق، ولا تقدم حلا لأوضاع خطيرة قائمة، فإنها أيضا تدعو لديمومة الفوضى التي تضرر منها السنة أكثر من غيرهم. أي أن الشيخ الضاري يدعو إلى مواقف لا أعتقد انه هو نفسه يفهم أبعادها رغم وضوح الصورة مما سببته مواقفه السابقة لهم على مدى ثلاث سنوات.

وحتى نفهم الإشكال السني لا بد أولا من رسم خريطة لمواقفهم السياسية. منذ نحو أربع سنوات تشكلت أصوات مختلفة داخل المجتمع السني العراقي حيال التعامل مع الوضع الجديد، وانقسمت إلى خمس فرق مختلفة. فريق قال وقام بحمل السلاح رافضا كل شيء، ويمثل هؤلاء بعثيون وأصوليون، ولم يقدموا حلا عمليا إلا شعارا هلاميا تحت عنوان عريض اسمه دحر المحتل. لم تطرح هذه الفئة المتطرفة صيغة للتعامل مع الشيعة والكرد الذين قبلوا وساندوا الوضع الجديد مما سيؤدي إلى حرب أهلية معهم. الفئة الثانية عارضت بعنف كل الوضع القائم، لكنها لم تحمل السلاح، مثل هيئة علماء المسلمين، ومنهم الشيخ الضاري، وتتهم بأنها أصولية تريد إقامة حكومة دينية. الفئة الثالثة عارضت وفي نفس الوقت انخرطت في العمل المؤسسي. عملت في البرلمان وعادت الحكومة، مثل صالح المطلك وخلف العليان وعدنان الدليمي. ثم الفئة السنية الرابعة التي عملت في كل النظام، الحكومة والبرلمان، ويمثلها الحزب الإسلامي السني وعنه طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية. والفئة الخامسة تلك التي عملت من اجل النظام العراقي الجديد قبل سقوط نظام صدام وشاركت بعده، إلا أنها لم تحقق كثيرا على الأرض، وأبرزهم السياسي المخضرم عدنان الباجه جي.

والسنة ليسوا وحدهم مجزئين، بل الشيعة أيضا يمرون بنفس الحالة التي تتزايد تفككا مع اقتراب حسم الوضع السياسي وتزايد التدخلات الخارجية.

لكن المشكلة السنية تكمن في أنها بلا قيادة كبيرة، والسبب الرئيسي يعود لقياداتها المعارضة التي لا تملك نفوذا ولا تقدم حلولا عملية بديلة؛ فالشيخ الضاري يقول بالمقاطعة دون ان يدل الناس كيف يتدبرون حياتهم اليومية. والمفارقة انه يقول بمحاربة المحتل في حين ان الفريق النشط ميدانيا هو تنظيم القاعدة الذي يحمل مشروعا اقليميا معاديا للنظم السنية في المنطقة، ويمول من قبل إيران وعن طريق سورية. اما الفريق البعثي فهو يريد السماح له بالعودة للمشاركة في الحكم، وحينها سينقلب على الضاري وغيره، كما انقلب حلفاؤه الصدريون عليه. الشيخ الضاري الآن يحاول إفشال دعوة الحكومة لتشكيل قوى مسلحة من العشائر السنية تدافع عن مناطقها ضد الجماعات السنية المتطرفة، ويتهمها بأنها مخلب قط للنظام والاحتلال، لكن الحقيقة أن هذه العشائر شكلت قوتها رغما عن الحكومة في محاربة الاصوليين المتطرفين، وقد فرضت نفسها على الحكومة وليس كما يقول الضاري.

هذا المشهد المخزي بدعوات المعارضة السنية الرافضة للمشاركة جعل السنة يتامى وشرد منهم نحو مليونين، لماذا؟ لأنهم أولا بلا تمثيل سياسي كاف في البرلمان، بسبب نصائح الضاري والبقية التي دعت لمقاطعة الانتخابات ورفض الدستور، فصاروا مهمشين.

اليوم ما الحل الذي يقدمه الرافضون؟ لا شيء مجرد الجلوس على الهامش في المخيمات في انتظار الحرب الأهلية المقبلة. فيا له من تفكير جاهل وتدميري!

عبد الرحمن الراشد
alrashed@asharqalawsat.com

المصدر: جريدة الشرق الاوسط، 14/8/2007