ثورة ايلول عام 1961 انطلاقة حقيقية نحو التحرر
من البديهي هناك العشرات بل المئات من الثورات في العالم. وكانت كلها تنطلق من اطار مبدأي واحد، الا وهو التخلص من واقع مزري اثقل كاهل تلك الشعوب نحو واقع اكثر اشراقا يضمن كرامة و حقوق ابنائها والامل ببناء مستقبل تسوده العدالة والمساواة بين عموم افراد المجتمع بعيدا عن الغبن والتفرقة على اساس العنصر او الجنس او الدين والطائفة او القومية.. والشعب الكوردي المكافح قد ناضل على مدى اكثر من قرن من اجل نيل حقوقه القومية المشروعة، وانتفض في الكثير من الثورات، ابتداءا من ثورة عبيدالله النهري وثورة سعيد بيران وشيخ محمود الحفيد وثورات بارزان، وثورة ايلول التحررية، حيث كانت اهداف تلك الثورات تنبع من منطلق الانعتاق من ربق العبودية وخلق كيان مشروع للشعب الكوردي اسوة بباقي الشعوب في العالم..
وقدخضعت ثورة أيلول لقراءات عدة ، كان قسم منها ينصب ضمن اطار موضوعي منصف، نابع من منطق الرؤية العقلانية، للتطلعات المشروعة للملايين من جماهير شعبنا نحو الحرية والاستقلال، وقراءات اخرى غير منصفة اجحفت الى حد كبير تطلعات تلك الجماهير ، انطلاقا من مواقف سياسية جاهزة حتى وصل الأمر ببعض الأطراف السياسية الى اعتبارها حركة رجعية اقطاعية ، ويمكننا ان نرجع هذه الأشكالية الى النقلة التاريخية الكبيرة التي احدثتها ثورة 14 تموز الوطنية عام 1958 وما أفرزتها من خارطة سياسية معقدة ، فالفئات السياسية المتضررة سلكت طرقا ملتوية من اجل اجهاض الثورة التموزية بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، وتشابكت فيما بينها ومع القوى الأجنبية لأستغلال الثغرات والأخطاء التي كانت تعاني منها الحكومة. وفي هذه الاجواء كانت سياسة الحركة التحررية الكوردية تسعى من اجل، تحفيز الحكم الوطني على اتباع سياسة متوازية تجاه حقوق الشعب الكوردي، وفي الوقت نفسه تؤمن لنفسها(الحكومة) قاعدة شعبية قوية لأسنادها وديومتها، وقد كانت لعودة الملا مصطفى البارزاني الخالد من الأتحاد السوفيتى( السابق) عام 1958وتأييده للثورة بأعتبارها ثورة وطنية جاءت لخدمة مصالح الشعب العراقي بعربه وكورده وأقلياته القومية الأخرى بعد عهد طويل من الأستبداد التابع للأجنبي.
اندلعت ثورة ايلول ضمن مسار ماتواجهها حركة التحرر الكوردية من تطورات سياسية ، ومواقف الحكومات العراقية المتعاقبة على دست الحكم أزاء قضية الحقوق القومية المشروعة ، فقد طرحت القضية الكوردية بداية منذ أوائل القرن العشرين، عشية تفكك السلطة العثمانية المقيتة، وقامت آنذاك العديد من الثورات والانتفاضات الشعبية ، فبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى قامت عدة ثورات وأنتفاضات منها،حركة الشيخ محمود الحفيد وتشكيله حكومة كوردستان، وحركة الشيخ عبد السلام البارزاني، وبينما أقرت معاهدة (سيفر) عام 1920 بحق الشعب الكوردي اقامة كيانهم السياسي المستقل،وحقهم في تقرير المصير، جاءت اتفاقية لوزان بعد ثلاث سنوات لتؤسس خارطة سياسية جديدة للشرق الأوسط على حساب الحقوق الكوردية المشروعة، وكان للنفط دور رئيس في ذلك.
غير ان مقاومة الشعب الكوردي لم تتوقف فأستمرت الأنتفاضات والوثبات الشعبية في السليمانية وبارزان ومناطق اخرى من العراق خلال الفترة 1927 - 1932 بقيادة الشيخ محمود الحفيد والشيخ احمد البارزاني وثورتي بارزان في الأعوام 1941 و 45 - 1946 بقيادة الأب الروحي للأمة الكوردية البارزاني الخالد. ان هذه البانورما الموجزة للثورات والانتفاضات الكوردية خلال النصف الأول من القرن الماضي ، تشير الى الروح التحررية الراسخة لدى شعبنا وتطلعاته الثابتة نحو الحرية ، وقد كانت للظروف السياسية المحلية والدولية دورها في توقيت اعلان تلك الوثبات. الا أن تلك الثورات والأنتفاضات كانت ضمن اطار ضيق.
وقد نبعت ثورة ايلول التحررية من العمق التاريخي للثورات الكوردية المتتالية، الا انها كانت تتميز بشمولية جماهيرية وتكامل العناصر المبدئية لروح الثورة بكل ماتحويه من اركان اساسية، منها وجود قائد ذي شخصية فذة قادر على الهاب الحماس الجماهيري، والمتمثل بشخص البارزاني الخالد، ومشهود له في المواقف الثورية ، فضلا عن وجود قضية عادلة ومشروعية النضال من اجلها، بالأضافة الى وجود ايمان راسخ لدى قاعدة عريضة من الجماهير المؤمنة بتلك القضية، اضف الى ذلك نضوج وتكامل الأطار الفكري والطبقي والوعي القومي في تلك القاعدة، والتي تمخضت من خلال وجود حزب طليعي وثوري والمتمثل بالحزب الديمقراطي الكوردستاني و يضم تحت لوائه كافة شرائح المجتمع الكوردي ويحمل راية الحرية والنضال المشروع، فقد كان لرؤساء العشائروالفلاحين في القرى والأرياف الكوردستانية دور مشرف في الثورة بالأضافة الى قطاعات واسعة من المجتمع الكردستاني وخارجه، كالطلبة والكسبة والعمال والموظفين والمعلمين، ورجال الدين، وافراد الشرطة وخصوصا في المخافر التي كانت متواجدة على ارض كوردستان،فضلا عن الدور الذي لعبة جمعية الطلبة الكورد في اوربا في مناصرة ثورة شعبهم، ويقينا ان ثورة ايلول التحررية هي ثورة قومية شاملة، فقد كان للحزب الديمقراطي الكوردستاني الأيراني دور مشرف في مساندة الحركة بالأضافة الى الأحزاب الديمقراطية الكوردية في سوريا،الذين شاركوا في ادق تفاصيلها، ولا ننسى الدور المؤيد لشعبنا الكوردي في كوردستان تركيا في تلك المنازلة والوثبة القومية، وعليه فأن ثورة ايلول ماهي الا ثورة شعب مظلوم بكل ماتعنيه من مضامين ودلائل، وأن اهدافها لاتتجاوز سوى اعادة الحقوق المشروعة للكورد على اساس الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان في حينه، واعادة التوازن لحقوق المواطنة المشتركة بين القوميتين العربية والكوردية، والتي انبثقت عن ثورة 14 تموز عام 1958 بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، ونتيجة للظروف السياسية الذاتية والموضوعية في تلك الفترة ، اخذت الحكومة تغض النظر عن جوانب جوهرية في ما وعدت به تجاه شعبنا الكوردي، خلافا لما جاء في المادة الثالثة من الدستور العراقي المؤقت، الذي نص على شراكة الشعبين العربي والكوردي في الوطن العراقي، ومن جهة اخرى كانت قوى الثورة المضادة وبعض عناصرها تعشش في اجهزة الحكم من العهد السابق كالأمن والمخابرات، والتي كانت لها ارتباطات سابقة مع الدوائر الغربية وبعض التيارات القومية، والتي كانت من القوة ما مكنتها من توجيه الأحداث وفق ما مرسوم لها من قبل تلك الدوائر، بالأضافة الى دور التيارات السياسية المناهضة لتطلعات القوميات الأخرى، وتأثيرات بعض القوى الأقليمية، ناهيك عن عدم قدرة العسكريين على أدارة دفة الحكم، بالأضافة الى الصراع السياسي الداخلي، الذي كان عاملا مساعدا لتنفيذ المخططات التي أعدها الأعداء ،(وهذا لا يعني بأن الزعيم قاسم لم يكن وطنيا بل كان عراقيا وطنيا وكرديا فيليا ومن المذهب الشيعي) فيما كانت أغلب القوى السياسية الوطنية العراقية في تلك الفترة كانت تفتقد للرؤية السياسية الواضحة، ومن هنا بدأ التمهيد لتأزيم العلاقة بين حكومة قاسم والقيادة الكوردية،بالأضافة الى عوامل اخرى،ساهمت هي الأخرى في تدهور العلاقات، ففي 15/تشرين الأول/1960 قام البارزاني الخالد وبدعوة رسمية من الحكومة السوفيتية بزيارة موسكو لغرض المشاركة في احتفالات ثورة اكتوبر لذلك العام،وقد كانت لتلك الزيارة انعكاس سلبي لدى حكومة قاسم، وبعد عودته الى بغداد، آثر البارزاني الخالد عدم البقاء فيها حيث توجه في آذار/ 1961 الى منطقة بارزان، نتيجة قيام الحكومة وأجهزتها الأمنية ببعض الأعمال الأستفزازية، منها الشروع بملاحقة وأعتقال وحجز بعض القياديين وكوادر الحزب في مناطق كوردستان والعاصمة بغداد ومناطق أخرى، فقد تم حجز السيد صالح اليوسفي في الموصل، والسيد حبيب محمد كريم في الناصرية وأبعاد السيد عمر مصطفى والملقب ب(عمر دبابة) الى أحدى المحافظات الجنوبية، والشروع بغلق جريدة الحزب المركزية ( خبات)، ومن جانب آخر فقد عمدت الحكومة الى تحريض وتجنيد بعض رؤساء العشائر الكوردية وتأليبهم ضد القيادة الكوردية وبالأخص ضد البارزاني الخالد، وبتاريخ 30/7/1961 قدمت القيادة الكوردية مذكرة الى حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم تحذر من خلاله الى المخاطر السياسية الخاطئة التي تتبعها تجاه الشعب الكوردي وقيادته، وحذر من مغبة الأستمرار بهذه السياسة وزيادة تردي العلاقة بين الجانبين ، وقام الحزب في بغداد في حينه بتوزيع هذه المذكرة على المنظمات السياسية والجهات الحكومية وغيرها ، وعلى أثر ذلك وأثناء توزيعنا لتلك المذكرة فقد تم القاء القبض علينا ( أنا والسيد عبدالحسين علي الفيلي ) والملقب ب(عبدالحسين علوشي) عضو اللجنة المركزية امام المقر الرئيسي للحزب في منطقة البتاوين في بغداد، من قبل الاجهزة الأمنية ،وتم اطلاق سراحنا فيما بعد، وعلى الرغم من كل تلك الضغوطات الأ ان القيادة الكوردية لم تبادر بأي تحرك عسكري او القيام بعمل تخريبي،، وفي تلك الفترة وبتوجيه من البارزاني الخالد فقد تم عقد اجنماع طارئ و استثنائي للمكتب السياسي وهيئة الرقابة والتفتيش العليا للحزب في بغداد وبطلب من الاخ مام جلال الطالباني الذي كان قد التقى برئيس الحزب البارزاني الخالد قبل ذلك في منطقة بارزان، وذلك لمناقشة ودراسة الوضع المتأزم، وقد عقد الأجتماع في منزل الدكتور مراد عزيز عضو المكتب السياسي،في منطقة الكرادة الشرقية في بغداد وحضرها كل من السادة أبراهيم احمد سكرتير الحزب ونوري شاويس و د. عزيز شمزيني و د. مراد عزيز والاخ مام جلال الطالباني اعضاء المكتب السياسي وحضرت أنا بدوري ممثلا عن هيئة الرقابة والتفتيش العليا للحزب، وكانت التوجيهات في ذلك الأجتماع تنص على تهيئة وتقوية التنظيمات في كل مناطق كوردستان وغيرها، بالأضافة الى دراسة امكانيات الحزب المادية والعسكرية والأعلامية وعدم اللجوء الى اي عمل عسكري من قبلنا، على ان تبقى تلك العمليات مرهونة بتحركات الحكومة فيما اذا قامت القطعات العسكرية بالتعرض اوالقيام بأعمال عسكرية في مناطق كوردستان، وكنا على يقين بأن الحكومة ستقوم بعمل عسكري ،كما تم التأكيد على أخذ الحيطة والحذر،و تم في الأجتماع توزيع المهام والواجبات على الأعضاء، وحسب ترتيب مسؤوليات المناطق في كوردستان، فقد تم الأتفاق على ان نقوم انا والاخ مام جلال الطالباني بزيارة منطقة بشدر كونه مسؤول الفرع الرابع في تلك الفترة ،من اجل الاجتماع برؤساء العشائر في المنطقة المذكورة وكسب تأييدهم والتهيوء لذلك اذا ما قامت الحكومة بأي عمل عسكري،وقد وضع تحت تصرفنا سيارة جيب وعلى ما أتذكر انها كانت تعود للأخ(بابا طاهر شيخ جلال الحفيد أو شيخ أحمد شيخ رؤوف النقيب) لأن امكانية الحزب المادية كانت غير مؤهلة لأمتلاك سيارة ،بالاضافة الى سوء الحالة الاقتصادية السائدة في مناطق كوردستان بسبب سياسة الحكومة المتعمدة تجاه ابناء المنطقة، وبالفعل فقد التقينا بالسيد اسماعيل سوار آغا في منطقة جوارقرنة ثم مع السيد عباس مامند آغا والشيخ حسين بوسكين وآخرين في منطقة رانية،وأثناء عودتنا رافقنا كل من الشيخ حسين بوسكين والشيخ عباس مامند آغا الى منطقة جوارقورنه، واجتمعنا مرة اخرى سوية مع الاخ اسماعيل سوار آغا،وبعدها عدنا الى مدينة السليمانية، أما مناطق بهدينان وأربيل وراوندوز فكانت ضمن مسؤولية البارزاني الخالد ورفاقه، وقد ابدت رؤساء تلك العشائر استعدادا تاما بالوقوف مع الحركة وقيادة الحزب والبارزاني الخالد ، وقد كانت حالة من التوتر والقلاقل تحيط بالسكان في منطقة خلكان في تلك الفترة ، نتيجة للأجراءات التعسفية التي اتخذتها الحكومة نتيجة لوقوع اراضيهم ضمن منطقة حوض دوكان،وعدم معالجتها لتلك المشكلة أو تعويضم عن الأضرار الني نجمت على اثر ذلك، وكان دورنا يتركز على تهدئة الوضع ومحاولة كسب ود ابنائها بالأنضمام الى الثورة فكانت النتائج ايجابية في جميع لقاءاتنا مع رؤساء العشائر،اما الوضع التنظيمي للحزب في بغداد ومناطق اخرى من كوردستان فكانت تشوبه حالة من الترقب والحذر الشديدين ، وفي صبيحة يوم 11/9/1961 قامت القوات البرية الحكومية بالتحرك من محورين ، الاول محور جلولاء - السليمانية والتي اصطدمت بقوات البيشمركة في منطقة دربنديخان، فتصدت لهم عشائر منطقة كرميان ببسالة، فضلا عن الوية( هيزي خبات وهيزي رزكاري وبمو) المتواجدة في تلك المنطقة،والتي تشكلت فيما بعد فيما كان المحور الثاني من كركوك - دربنديبازيان، قرب السليمانية، اما الطائرات الحكومية فقد قامت بقصف جوي لمناطق متعددة من كوردستان،فقد تعرضت كل من منطقة بارزان و خلكان وكاني وتمان ودربنديبازيان ودربنديخان ومناطق أخرى الى قصف شديد بالطائرات، ثم شملت الثورة فيما بعد كافة مناطق كوردستان ، فقد قامت قوات البيشمركة بالسيطرة على مناطق الأرياف الجبلية ثم انتقلت الثورة الى داخل المدن والقصبات ومناطق كرميان ،وأنتقلت شرارة الثورة الى كل بقعة من ارض كوردستان، وقد التحق بالثورة الالاف من ابناء شعبنا الكوردي الى المناطق والقصبات المحررة ، وقد تمكنت قيادة الحزب من تأسيس مقرات رئيسة منها مقر المكتب السياسي في منطقة (جه مي ريزان ) قرب كركوك وبعدها انتقل الى منطقة (ماوت ) وتم تشكيل عدة الوية للبيشمركة مثل (هيزى خبات ورزكاري وبمو وقوات اخرى في منطقة بهدينان) فضلا عن تشكيل قوة ضاربة للمهمات الخاصة في مقر البارزاني الخالد والمكتب السياسي في منطقة كلالة بأسم قوة (هلكورد).. وقد باشرت بعض الأطراف السياسية المتعاطفة مع حكومة قاسم في تلك الفترة بأتباع حرب نفسية ضد قيادة ثورة ايلول والبارزاني الخالد، فقد تم بث الاشاعات حول، ان البارزاني الخالد قام بترك منطقة بارزان وتوجه نحو منطقة بهدينان، تمهيدا للجوءه الى الأتحاد السوفيتي مرة اخرى، الا ان تلك الأشاعات كانت تنصب ضمن اطار الحرب النفسية، وكان يراد من خلاله التأثير على الحالة المعنوية للشعب الكوردي المنتفض، ومحاولة زرع الشكوك بينها وبين قيادتها الثورية،الأ ان تلك المحاولات الخائبة باءت بالفشل الذريع، نتيجة التلاحم الصميمي بين الجماهير وقيادته المخلصة، فضلا عن ايمانه الراسخ بعدالة قضيته المشروعة...
وكما اسلفنا سابقا بأن الحالة المادية للحزب كانت تمر بظروف صعبة جدا، فكان من الحري بنا الأعتماد على القدرات الذاتية للحزب وبعض المساعدات المحدودة، وخصوصا عندما عزمنا العقد على انشاء اول اذاعة ناطقة بأسم الثورة الكوردية، حيث قمنا بعدة محاولات ، منها ماقمنا به في تحوير جهاز لاسلكي ، تم الحصول عليه من خلال تنظيمات الحزب العسكرية، الا ان السلطات الأمنية في تلك الفترة القت القبض على الأشخاص المكلفين بتحوير الجهاز في دار احدهم في مدينة بغداد، وقد حكم عليهم بالحبس لمدة خمسة عشر سنة، و قمنا بمحاولات أخرى بهذا الصدد الا اننا لم نوفق فيها، وبعدها ومن خلال بعض اصدقاء الحزب والمتعاطفين مع القضية الكوردية، قمنا بأجراء اتصالات عديدة بغية تأمين جهاز أذاعي متطور، فكانت مساعينا في هذه الخطوة موفقة، وتمكنا من الحصول على جهاز الماني حديث ومتطور، وتمكنا من ايصاله الى المنطقة المحررة في كوردستان، وقد تم تنصيبه في منطقة ماوت على جبل(كرده ره ش)، من قبل مجموعة من الفنيين من اعضاء الحزب،ضمن تنظيمات مدينة بغداد من الكورد الفيليين، وهم كل من، عباس مصطفى(ميكانيكي) و أسطة توفيق ، وداود حسين(كهربائي) وجواد كاظم( كهربائي) وأسطة كريم(ميكانيكي، ومسلم (ميكانيكي)، والمهندس توفيق،وبمعاونة احد المهندسين الألمان، حيث تمت العمليات الفنية لتنصيب الجهاز بنجاح وصار بالأمكان توصيل صوت الثورة الكوردية الى كل بقعة من ارض العراق.تحت اسم أذاعة صوت كوردستان. بيد ان تفاعل ابناء الشريحة الفيلية مع قضيتهم القومية المشروعة قد نبعت من عمق احساسهم وانتمائهم للامة الكوردية المناضلة، وكان لهم حضورهم في ادق تفاصيل الثورة ودورهم الفاعل في المكتب السياسي والعسكري واللجنة المركزية والمنظمات الجماهيرية التابعةللحزب وقد اعطوا الكثير من التضحيات والشهداء في هذا السبيل المقدس، ورفدوا الثورة ماديا ومعنويا وبشريا،واعطوا الكثير من الشهداء ولايزال مصير (16) ستة عشر الف من خيرة شبابهم مجهولي المصير لحد الان. فكان الحري بالحكومة العراقية الحالية ان تعتبرهم شهداء الحركة التحررية العراقية اسوة بغيرهم من الشهداء العراقيين،الا انه وفي ظل الوضع السياسي المستجد على الساحة العراقية لم يتحقق الجزء اليسير من مطاليبهم المشروعة بل لم تبادر اية جهة الى اعادة حقوقهم الوطنية المستلبة وانصافهم بما يتوافق مع حقوق المواطنة الحقة من اعادة الجنسية والممتلكات التي صودرت منهم عنوة وبدون وجه حق، ولم يتطرق مسودة الدستور العراقي الجديد الى تلك التجاووزات التي مورست ضد ابناء هذه الشريحة المضطهدة، بل والشيء الغريب فيما اقرته الجمعية الوطنية العراقية، هو وضع جدول زمني محدد بسنتين لغرض النظر في مشاكل الملكية العائدة لابناء الشريحة الفيليه، بينما نجد النقيض من ذلك ممتلكات اليهود ومنذ تسفيرهم في عام 1948 ولحد هذه اللحظة لم تجرأ الحكومات العراقية المتتالية من المس بتلك الملكيات بل اكتفوا بتجميدها، والشيء الاغرب في الموضوع ان الهيئة المكلفة بأعادة الملكية للكورد الفيليين هم من عناصر البعث، وكان لهم مواقع قيادية كأعضاء فرق او شعبة او فرع او مم كانوا ضمن الاجهزة القمعية للامن والمخابرات. زمن المستفيدين من ممتلكات الكورد الفيليين، فهل يمكن لهكذا عناصر ان تعيد الملكية للكورد الفيليين وخصوصا اذا كان الحاكم هو الخصم. وتأمل هذه الشريحة المظلومة من القيادة السياسية الكوردستانية والحكومة العراقية المنتخبة والجمعية الوطنية العراقية،ان يأخذوا بنظر الاعتبار الغبن والمظلومية التي اصابت ابناءها من جراء السياسات العنجهية والشوفينية للحكومات العراقية السابقة على اعتبار ان الشريحة الكوردية جزء لا يتجزأ من الجسد الكوردي والامة الكوردية.. ومن الجدير بالذكر أن بعد انقلاب شباط الاسود للبعث البائد عام 1963 اصبحت كوردستان ملاذا لكل الوطنيين العراقيين، لان ثورة ايلول كانت ثورة عراقية ووطنية بصورة عامة وللشعب الكوردي بصورة خاصة.
يقينا ان ماينعم به اليوم شعبنا الكوردي من مكاسب وانجازات، على ارض الواقع ، و تأسيس برلمان وحكومة اقليم كوردستان، هي ثمرة جهود ونضال وتضحيات الالاف من الشهداء والمناضلين والمخلصين من ابناء شعبنا الكوردي الذين قادوا العديد من الثورات والانتفاضات ، وستبقى ثورة ايلول علامة مضيئة في سفر النضال البطولي لأبناء شعبنا في كل بقعة من ارض العراق الذي قاده البارزاني الخالد وحزبنا الديمقراطي الكوردستاني وجماهير شعبنا الذي حمل راية الحركة التحررية الكوردية نحو الحرية والديمقراطية والفيدرالية، وقد بات واضحا للقاصي والداني، عبر قرن من الزمان بأن حقوقنا حقيقة ماثلة، ولامناص من تجاهلها، وكانت مصير الحكومات العراقية المتعاقبة على المحك ومرهونة بمدى تعاطيها السلبي او الايجابي مع هذه القضية، وعليه فأن على الحكومة العراقية الحالية واللاحقة ان تأخذ بنظر الأعتبار كل تلك المعطيات، وان تنظر الى المطاليب المشروعة للكورد بكل جدية وصدق، وحقه في الفيدرالية ضمن أطار عراق ديمقراطي فيدرالي موحد.. وبالرغم من المصادقة على مسودة الدستور من قبل الجمعية والوطنية العراقية والاطراف والكتل السياسية العراقية المختلفة، الا ان مجمل الحقوق القومية لشعبنا الكوردي ومطاليبه المشروعة لم تتحقق بالمستوى المطلوب والموازية لحجم تضحياته على مدى عشرات السنين الماضية،ونضاله وبسالة قيادته السياسية، ابتداء من ثورة ايلول وكولان التحرريتين وانتهاء بسقوط الصنم العراقي الذي جثم على صدور العراقيين على مدى اربعين عاما.
فألف تحية لارواح شهداء الحركة التحررية الكوردية والعراقية والمناضلين،وتحية للأب الروحي للأمة الكوردية الملا مصطفى البارزاني، والشهيد الخالد الأخ ادريس البارزاني، في الذكرى(44) لأندلاع ثورة ايلول المباركة.
يدالله كريم
مجلة فيلي
التاريخ: Friday، February 24
المصدر: مؤسسة شفق