نص كلمة العراق امام الجمعية العامة للامم المتحدة التي ألقاها رئيس الوزراء المالكي

بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الامين العام
السيد رئيس الدورة الـ(62)
السيدات والسادة المندوبون
يشرفني ان اخاطبكم بصفتي اول رئيس حكومة دستورية دائمة تمثل العراق وشعبه وتطلعاته لترسيخ دعائم الديمقراطية والسلام والحرية والتعاون مع المجتمع الدولي، جئتكم حاملا هموم شعب وادي الرافدين والذي بنى اقدم الحضارات ودون اول القوانين، وهو يقدم اليوم للانسانية مثالا في صنع الحياة ومواجهة التحديات والعزم على حماية تجربته الديمقراطية الفتية.

لقد عاش الشعب العراقي في ظل الدكتاتورية على مدى (35) عاما معزولا عن العالم، فلا حرية للرأي والعقيدة، ولا تعددية حزبية ولا انتخابات حرة ولا مؤسسات ديمقراطية ولا انظمة اتصالات ولا وسائل اعلام سوى تلك التي تشرف عليها اجهزة المخابرات الحكومية، وتكبد العراق خلال هذه الحقبة ملايين الضحايا في حروب ومغامرات ضد الدولتين الجارتين ايران والكويت وحملات ابادة جماعية داخل العراق، كما حدث في جرائم الانفال وحلبجة والمقابر الجماعية وفي اقبية السجون والمعتقلات الرهيبة الى جانب الدمار الهائل الذي لحق بالبنى التحتية في مختلف مؤسسات الدولة.

في العراق الجديد توجد اليوم مئات الاحزاب التي تنشط ضمن (20) تكتلا سياسيا وما يزيد على (6000) منظمة مجتمع مدني ومئات الصحف والمجلات و(40) قناة تلفزيونية فضائية ومحلية فضلا عن مكاتب مراسلي وسائل الاعلام الاجنبية من مختلف دول العالم يعملون دون قيد او شرط.

العراق الجديد ايها السادة والسيدات هو المستهدف اليوم، فالارهاب يقتل المدنيين والصحفيين والفنانين والادباء واصحاب الكفاءات ويضرب الجامعات والاسواق والمكتبات ويفجر المساجد والكنائس ويدمر البنى التحتية لمؤسسات الدولة، ان الارهاب الذي نعده امتدادا لنهج النظام الدكتاتوري البائد مع اختلاف صوره والجماعات التي تنفذه، يهدف الى اجهاض العملية السياسية واشعال الفتنة الطائفية تمهيدا لارجاع العراق الى عهود الاستبداد والقمع والتخلف.

ان تفجير السيارات المفخخة والاحزمة الناسفة في الاماكن العامة وقطع الرؤوس وعرضها على شاشات التلفزيون هي رسائل تهديد ووعيد يوجهها الارهاب لدول العالم ونفذ فصولا دموية منها في الجزائر واسبانيا وبريطانيا وفرنسا ولبنان وتركيا وهنا في نيويورك.

نحن عازمون على دحر الارهاب في العراق حتى لا ينتشر في دول العالم وتتكرر المأساة، وان العراق الذي يتحمل العبء الاكبر في مواجهة الارهاب يدعو دول العالم الى مساندته وتوحيد الجهود في التصدي لهذه الآفة، ان معركتنا هي من اجل تثبيت الامن والاستقرار وتحقيق الازدهار وحماية تجربتنا الديمقراطية واننا مصممون على الانتصار في هذه المعركة التي ستكون نصرا حتميا للبشرية.

الهجمة الارهابية الشرسة التي يتعرض لها العراق منذ سقوط الاستبداد لم تثن شعبنا وعبر ثلاث ملاحم انتخابية ان يؤسس لتجربة ديمقراطية فريدة في تاريخ العراق والمنطقة، حيث تم التصويت على الدستور الدائم وانتخاب مجلس للنواب وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

العراق الجديد الذي يعيش تجربة ديمقراطية فتية وتحكمه مؤسسات دستورية وتحترم فيه حرية الرأي

والمعتقد والتعبير، لن يتراجع عن خياره الديمقراطي الذي دفع شعبنا من اجله ثمنا باهظا وهو موقف يستدعي من دول العالم مساندة ودعما ليتمكن من بناء دولة عصرية تكفل العدالة والمساواة واحترام التعددية الدينية والفكرية والقومية والمذهبية.

ان شعبنا الذي تذوق طعم الحرية بعد عهود الاستبداد والطغيان سيواصل الطريق في بناء دولة المؤسسات وتعزيز سلطة القانون واحترام حقوق الانسان ومشاركة المرأة في جميع المجالات.

ان مبادرة المصالحة الوطنية والحوار التي اطلقناها اثر تسلمنا مسؤولية رئاسة حكومة الوحدة الوطنية، لم تنطلق من فراغ، تستمد قوتها من الارث الحضاري للشعب العراقي الذي قدم خدمات كبيرة للبشرية، فقد تعايش العراقيون باخاء ومحبة وتسامح منذ فجر التاريخ وكان تنوعهم الديني والمذهبي والقومي والطائفي عامل قوة في تعزيز الوحدة الوطنية، اننا ننظر الى المصالحة الوطنية باعتبارها قارب نجاة ومشروع سلام دائم وحاضنة للعملية السياسية والتجربة الديمقراطية، كما نعتقد ان المصالحة الوطنية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، انما هي مسؤولية تضامنية تتحملها القوى السياسية وقادة الرأي وعلماء الدين والمثقفون ومنظمات المجتمع المدني وجميع القوى الفاعلة على الساحة العراقية.

المصالحة الوطنية هي خيارنا الاستراتيجي الذي منع انزلاق البلاد الى هاوية الحرب الطائفية التي خطط لها اعداء الحرية والديمقراطية بعد تفجير مرقد الامامين العسكريين في سامراء.

سيداتي سادتي...

ان المصالحة الوطنية ليست حفلة عشاء بين متخاصمين او جرعة دواء كما يتصورها البعض، بل هي رؤية واقعية تعالج التركة الثقيلة التي خلفها النظام البائد في المجالات كافة وتؤسس للتقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والامني المنشود وتثبيت مبادئ النظام السياسي الجديد.

المصالحة الوطنية غصن زيتون اثمر عن تشكيل مجالس اسناد في عدد من المحافظات والمدن العراقية التي كانت ساخنة، نجحت في ضم حوالي (28) الفا من ابناء العشائر العراقية الى جهودنا العسكرية في مكافحة الارهاب، وادت الى اعادة الامن الى مدننا وقرانا ومنها محافظة الانبار التي تحررت من قبضة تنظيم القاعدة الارهابي وفر الارهابيون منها ليواجهوا الهزيمة هذه المرة في محافظة ديالى وهكذا تفقد القاعدة ملاذاتها الآمنة الواحدة تلو الاخرى.

المصالحة الوطنية اقوى من سلاح الارهاب، حيث نجحت في استيعاب اكثر من (14) الفا ممن كانوا اعضاء في الجماعات المسلحة التي انشق بعضها عن تنظيم القاعدة، لقد اصطف هؤلاء المقاتلون جنبا الى جنب مع قواتنا المسلحة والقوات المتعددة الجنسيات في محاربة تنظيم القاعدة ووجهوا له ضربات قاصمة.

ان ما تحقق من انجازات على ارض الواقع من خلال عملية تفعيل دائمة للمصالحة الوطنية يعد نجاحا مهما مقارنة بالتحديات الكبيرة التي تواجه العراق وقراءة لتجارب الشعوب التي عانت من الانظمة الدكتاتورية والحروب الاهلية والطائفية.

نؤكد لكم ايها السيدات والسادة، ان اعمال العنف الطائفي في العراق ليست بين مكونات المجتمع، انما بين متشددين ومتطرفين من هذا الفريق او ذاك وقد نجحنا في تطويق هذه المشكلة بدرجة كبيرة، حيث انخفضت معدلات القتل الطائفي وعاد الاستقرار والامن الى العديد من المناطق الساخنة مما ساعد في عودة الآلاف من العوائل المهجرة الى منازلها.

اننا مصممون على محاربة جميع الخارجين عن القانون دون النظر الى انتماءاتهم المذهبية والسياسية وقد حرصت قواتنا المسلحة على فرض سلطة القانون وبسط هيبة الدولة في الكثير من المحافظات التي تتنوع فيها الانتماءات الدينية والمذهبية والقومية، ولقد شهدت اجهزتنا الامنية والعسكرية تناميا متسارعا في قدراتها وكفاءتها في التصدي للمنظمات الارهابية والميليشيات وعصابات الجريمة المنظمة وهي ماتزال في حاجة الى المزيد من التطور والتطوير لتتمكن بسرعة من تسلم المسؤولية الامنية في جميع انحاء العراق من القوات المتعددة الجنسيات بعد ان اثبتت قدرتها بتسلم الملف الامني في ثماني محافظات عراقية ونحن تواقون لاستلام كامل المسؤولية الامنية وبأسرع وقت ممكن دفاعا عن المكتسبات الديمقراطية لشعبنا ونعمل بجد على ان يكون اداء قواتنا المسلحة مهنيا وولاؤها للوطن اولا وليس للحزب او الطائفة او القومية.

الى جانب هذه الانجازات باشرت حكومة الوحدة الوطنية عملية اعادة البناء، حيث تم التصويت على اكبر ميزانية في تاريخ العراق الحديث، كما تم وبالتعاون مع مجلس النواب اقرار قانون الاستثمار الذي يعد خطوة متقدمة للنهوض بالاقتصاد العراقي والانتقال من الاقتصاد المركزي الى اقتصاد السوق وبما يساعد في تحقيق متطلبات التنمية والرفاهية والازدهار لشعبنا.

كما انجزت الحكومة مشروع قانون النفط والغاز الذي من شأن المصادقة عليه في مجلس النواب ضمان توزيع عادل للثروات باعتبار النفط ملكا لجميع العراقيين، وتواصل الحكومة العمل على استكمال مشاريع قوانين اخرى في مختلف المجالات الى جانب الاجراءات العملية التي اتخذناها لتحسين المستوى المعاشي للمواطنين وزيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين ومكافحة البطالة وتوسيع نشاط شبكة الرعاية الاجتماعية.

وعقدت الحكومة العزم على ان يكون العام المقبل عام النهوض بقطاع الخدمات بما يخفف من معاناة الموطنين وندرك ان هذه الخطوات الواعدة لا تلبي كامل طموحاتنا وان الطريق ما يزال طويلا لتحقيق اهدافنا في عراق آمن مستقر ومزدهر ونأمل من المجتمع الدولي دعم العراق ومساعدته في تحقيق هذه الاهداف النبيلة.

الحضور الكرام...

اننا نؤمن ان الامن منظومة متكاملة، فالعراق الآمن والمستقر سيكون في مصلحة دول المنطقة والعالم وقد حذرنا جميع دول المنطقة من ان استمرار تدفق الاموال والاسلحة والانتحاريين ونشر فتاوى القتل والكراهية سترتد آثارها المدمرة على شعوب ودول المنطقة والعالم.

لقد بادرنا منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لتحسين علاقات العراق مع دول الجوار مع حرص شديد على تحويل حدودنا المشتركة الى مناطق سلام ورخاء اقتصادي، فالعراق الجديد يعتمد في سياسته الخارجية على الدستور الدائم الذي لا يسمح باستخدام اراضيه ضد جيرانه كما يرفض التدخل في شؤونه الداخلية.

اننا نشعر اليوم بتفاؤل بان دول المنطقة اصبحت تدرك خطورة الهجمة الارهابية التي يتعرض لها العراق، وان ليس في مصلحتها ان تكون العراق ضعيفا، فالعراق القوي الديمقراطي سيكون ضمانة للامن والاستقرار في المنطقة واصبح العراق بفضل سياسته الجديدة نقطة التقاء وحوار بين المتخاصمين الاقليميين والدوليين وسنمضي قدما في تعزيز هذا الدور الايجابي وتبني سياسة تقوم على تنقية الاجواء ونزع فتيل الهجمات وابعاد شبح الحروب والنزاعات عن المنطقة لاعتقادنا ان حالة التوتر وعدم الاستقرار تلقي بظلالها على الاوضاع الامنية ليس في العراق فقط بل في عموم المنطقة والعالم، والعراق الذي كان على مدى العقود الماضية بؤرة توتر في المنطقة، مؤهل اليوم وبفضل امكاناته المادية والبشرية ان يتحول الى محطة تعاون اقتصادي اقليمي دولي تسهم في اقامة منظومة اقتصادية تحقق التنمية والازدهار لشعوب ودول المنطقة، كما نؤكد رغبتنا الصادقة في اقامة احسن العلاقات مع المجتمع الدولي لشعورنا بحاجة العراق الى الانفتاح على جميع الدول وتطوير العلاقات معها والاستفادة من تجارب الانظمة الديمقراطية فيها.

اجد من الضروري وانا اقف امام ممثلي دول العالم التذكير بان الشعب العراقي ما يزال يدفع ثمن تبعات السياسات الطائشة التي انتهجها النظام البائد وآثار القرارات الدولية وخاصة ما ترتب على برنامجه التسليحي وغزوه لدولة الكويت الشقيقة، لقد ادت هذه القرارات التي استغلها النظام السابق لتحقيق مكاسب سياسية الى الحاق اضرار جسيمة بالبنى التحتية وقطاع الخدمات والنظامين التعليمي والصحي وان شعبنا يتطلع الى مساعدة المجتمع الدولي لازالة آثار الدمار وتخليصه من فاتورة الديون والتعويضات الثقيلة وسيتذكر الشعب العراقي الدول التي وقفت الى جانبه في اسقاط النظام الدكتاتوري وقدمت التضحيات وساعدته في مرحلة التحول نحو النظام الديمقراطي التعددي الاتحادي كما ينظر شعبنا باحترام وتقدير للدول والحكومات التي تدعم العملية السياسية وتساهم في عملية اعادة البناء.

ان مسعانا لتحقيق النهضة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية بالشراكة مع المجتمع الدولي يتكلل بالنجاح عبر التوقيع على وثيقة العهد الدولي وتنفيذ بنودها وهي الوثيقة التي مثلت مرحلة جديدة في تأسيس علاقات متوازنة بين العراق ودول العالم ومنطلقا لبناء العراق الديمقراطي الاتحادي التعددي الذي يتساوى فيه جميع ابنائه وينعمون بتوزيع عادل للثروات بعد التخلص من اعباء الديون والبطالة والفساد الاداري والمالي الذي استشرى منذ زمن النظام السابق ونجدد التأكيد على أهمية التزام الدول الموقعة على وثيقة العهد الدولي بتعهداتها مع العراق.

اننا حريصون على ان تقوم الامم المتحدة بتفعيل نشاطها في العراق لان ذلك من شأنه ان يسهم في انفتاح المجتمع الدولي وتنشيط دوره في مجالات البناء والاعمار والتنمية ودعم المصالحة الوطنية والتجربة الديمقراطية.

ان العديد من مشاكل وازمات المنطقة يمكن ان تحل بالحوار الهادف والبناء حفاظا على الامن والسلم وان تبتعد منطقتنا عن نهج الحروب والمغامرات التي اتعبتها والتي تتسبب بمزيد من المعاناة والاذى للشعوب، وفي هذا الاطار ندعو للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني ومساعدته على اقامة دولته المستقلة واعادة الاراضي العربية المحتلة وفق القرارات الدولية، وان اخلاء منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل هو الكفيل بتحقيق السلام العادل والشامل وندعو الى تكثيف الجهود الوطنية والعربية والدولية لمساعدة لبنان وقواه السياسية على تجاوز حالة الانقسام وعدم التدخل في شؤونه الداخلية لكي يستعيد لحمته الوطنية.

سيداتي سادتي...

ان الشراكة وتحقيق السلام والاستقرار والازدهار تستدعي تعزيز مجالات التعاون بين كافة دول العالم والعمل معا لتحقيق الاهداف الخيرة للامم المتحدة وهذا يستدعي علاقات متكافئة بين الدول وتطوير النظام العالمي ليكون اكثر عدالة لمساعدة البلدان الفقيرة والنامية وتقليص الفجوة التنموية بين البلدان الغنية والفقيرة.

نحن مع ان تلعب منظمة الامم المتحدة دورا فاعلا على الساحة الدولية وحل الازمات بالطرق السلمية بعد ان تتهيأ لها كافة العوامل الضرورية وموارد الدعم الكافية التي تؤهلها لاداء هذا الدور المهم وندعو الامم المتحدة الى تبني مبادرات سلمية تساعد في نزع فتيل الازمات وتخليص الشعوب من ويلات الحروب وتثبيت الامن والاستقرار في العالم وضمان حقوق ومصالح جميع البلدان وتعزيز الشراكة والتعاون فيما بينها وتوفير المناخات اللازمة لحل المشاكل والازمات التي يواجهها العالم بشكل عادل.

اود هنا في الختام، باسم شعب العراق ان اهنئ السيد سرجان كريم رئيس الدورة الـ(62)، كما اشكر الامين العام للامم المتحدة السيد بان كي مون الذي قام بدور كبير بتبني الامم المتحدة لوثيقة العهد الدولي لمساعدة العراق في تنفيذ البرامج الاصلاحية في المجالات السياسية والاقتصادية والامنية كما اشكر جميع الدول الموقعة على هذه الوثيقة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

26/09/2007