ثورة عشائر ايلام عام 1929 ، وعلاقتها بثورة كوردستان الجنوبية
مدحي مندلاوي *
![]()
قليلون من ابناء شعبنا الكوردي في اجزاء كوردستان المختلفة لديهم معلومات ، او لنقل
الماما بالوضع السياسي او الاجتماعي ، او حتى تاريخ بني قومهم في اقصى جنوب شرق
بلادهم ، والذين تمتعوا وعلى طول تاريخهم القديم و الحديث بنوع من الاستقلال الذاتي
، واحيانا التام عن مراكز القرار سواء في بغداد او طهران . اذن هي ايلام ، عروس
زاكروس ، والمدينة الكوردية الاصيلة والنقية التي سكنها ، ويسكنها الكورد وحدهم .
ايلام الشعروالغناء الكوردي الاصيل والملاحم والجبال الهيفاء والموسيقى التي تمس
شغاف القلب. ايلام التاريخ والاصالة والتراث والجمال . ايلام العشائرالتي لا تزال
تحتفظ بنقاوتها ، والقها ، وفروسيتها ... واخيرا ايلام ، عشقنا الابدي !
ئيلام هىَ ئيلام ، ئيلام خاسةكةم
ئيلام كوردان كورد شناسةكةم !
لة بان قلَاوا ، تاوى بكةيم سةير
ئيلام نشينةيل يادتان وةخيَر
من خو ئيلامى ، ئيلاميش ديمة
فةرارى لة دةس ناكةسان بيمة !
وياحلاوة الكلمة الكوردية التي تخرج من بين شفاه حسناوات الكوردلية ، والشوهان ،
والملكشاهيه والاركوازية والخزلية والايوانية و.. و !
اندهش ، بل اتعجب حينما يسمينا بعض الاخوة من كتاب كوردنا الفيلية ب( بدبخت ) اي
عديم الحظ . في الوقت الذي نحن نشكل كل الحظ . نحن التاريخ والكبرياء والفروسية ،
والسواعد الحديدية التي كافحت ، والايدي النظيفة ، والقلوب الصافية الابقة التي
علمت الاخرين الحب والتضحية . كلما كبونا ، نهضنا اقوى عودا واكثر صلابة . وكلما
كان جرحنا عميقا ، كلما خرجنا معافين ونتمتع بكامل صحتنا وعافيتنا. هكذا عجنتنا
خطوب الدهر ، لنتعلم على مواجهة الصعاب لاننا من أمة الكورد التي لم تحني هامتها
لاي كان .
والان لنلتفت الى احدى أهم مفاخرنا في التاريخ الحديث ، وهي معركة الرنو ( جةنطى
رنو ) التي دارت رحاها عام 1929 بين العشائر الكوردية الفيلية من جهة وقوات رضا شاه
من جهة اخرى .
ايلام في عهد رضا شاه البهلوي
تولى رضا شاه الحكم في ايران في زمن عصيب ، حيث قامت الثورة البلشفية في روسيا .
ومعها انقلبت موازين القوى في ايران ، وفي المنطقة برمتها . فلاول مرة احست
بريطانيا بان عليها ان توحد ايران تحت راية حكومة قوية للوقوف بوجه الخطر الشيوعي
الذي بات يمتد عبر المناطق الشمالية ليهدد مناطق واسعة من ايران . واذا نظرنا الى
خارطة ايران السياسية في ذلك الوقت نرى ان قبائل سيستان وبلوجستان متحررة تماما تحت
قيادة دوست محمد خان يارانزايي . وكان الاذريون شبه مستقلين في مناطقهم وميرزا كوجك
خان جنكلي يحقق المزيد من الشهرة والانتصارات . اما في كوردستان فقد كان سمكو
الشكاك يسيطر على مناطق واسعة ، فيما كان محمود خان دزلي يتمتع بنفوذ واسع من
كرماشان وحتى مدينة سنندج ونوسود . اما الكورد الكلهور فانهم كانوا يتمتعون
باستقلالهم الذاتي في المناطق الغربية من كرماشان ، من قصر شيرين غربا الى كيلان
غرب ( ئةملَة ) ، وايوان بقيادة اميرهم خانميخان ، وابنه جوامير خان . والى الجنوب
من كرماشان كان الوالي الفيلي يبسط سيطرته على مناطق ايلام ، ويتمتع بقوة عسكرية
قوامها ثلاثون الف مقاتل من ابناء العشائر يسمون (تفةنط ضى ) . ولعل عشيرة
بةيرانةوند الكوردية اللكيه كانت هي الاخرى تتمتع بنفوذ واسع تحت قيادة الثائرة
المعروفة قدم خير . والى الجنوب كان الشيخ خزعل والي المحمرة يتمتع بمركز قوي بين
ابناء شعبه العرب . وكان قد عقد مجموعة من التحالفات مع جيرانه الشماليين وخصوصا مع
الوالي الفيلي غلام رضا خان ( ابو غدارة ) ومع عشائر البختيارية والكوهكيلوية .
والاهم من كل ذلك فانه كان يتمتع بتشجيع ومساندة الانكليز . هكذا كانت خارطة ايران
السياسية قبيل سيطرة رضا خان على الحكم .
كان الشيخ خزعل ( والي المحمرة ) يتمتع بمركز قوي بين ابناء العشائر العربية . لذا
بدأ رضا شاه بهذا الشيخ العنيد الذي لم يفطن الى تغيير اللعبة السياسية ، وتخلي
الانكليز عنه لصالح رضا شاه . وباندحار قواته كسر رضا شاه شوكة جميع الحكومات
المحلية الاخرى . اما الوالي الكوردي الفيلي فقد كان اكثر تفهما للاوضاع الدولية
الجديدة ، وعمق التحولات التي حدثت في المنطقة . وادرك انه وبقوته المحلية المتكونة
من ابناء العشائر لن يستطيع الصمود امام الجيش الحكومي المزود بالمدافع والطائرات ،
والاجهزة الحربية الحديثة في ذلك الوقت . لذلك لم يدخل في معركة غير متكافئة ، كان
يعرف نتيجتها سلفا . وقررالمهادنة بعدما راى ما حدث للشيخ خزعل ، وعشائر البيرانوند
اللكية . وبموازاة ذلك نقل امواله وذخائره ، والكثير من اهل بيته ، والمتنفذين في
امارته الى منطقة ( باخ ساى ) ، وبدرة وجصان ، حيث كان قد اشترى اراض واملاك في تلك
المنطقة تحسبا لمثل هذه الظروف
ودخلت القوات الحكومية ولاول مرة الى ايلام عام 1926 ، وبذلك انتهت حكم الولاة
الفيليين الى الابد. ولم تستطع هذه القوات ان تخضع العشائر الكوردية الصعبة المراس
التي لم تحن جبينها لاي كان . فحتى جزارالتاريخ تيمورلنك ، دفع الجزية لهم عندما
مرعبرمناطقهم . حاول رضا شاه حمل الوالي للعودة الى ايلام ، غير ان الاخير لم يثق
بوعوده. وكان ثلاثة من اولاد الوالي ، وهم علي قولي خان ، وامير قولي خان ، وخليل
الله خان ، ينفذون من الحدود بسهولة ، ويتجولون في انحائها لمعرفة المستجدات التي
تحصل على الارض ، ودفع العشائر الى العصيان والثورة.
اصدرت السلطات الحكومية مجموعة من الفرمانات ، والقرارات المجحفة بحق العشائر
الكوردية ، ليست في ايلام وحدها ، بل في مناطق الكلهور ، ولكستان ايضا . فقد كان
رضا شاه يتشبه بكمال اتاتورك في تركيا ، ويحاول ان يغير المجتمع الكوردي المحافظ ،
والمعتز بشعائره الاجتماعية ، الى مجتمع افرنجي . واصدر مجموعة من القرارات برفع
الحجاب ، وقص شعر النساء . ثم ان الموظفين الحكوميين الجدد التجأوا الى اساليب
قاسية وظالمة لجباية الضرائب ، وسلب ونهب القرويين . علاوة على ظهور بوادرمجاعة
بسبب القحط و قلة الامطاروانتشار الاوبئة والامراض السارية . والادهى من كل ذلك ،
قيام القوات الحكومية بجمع الاسلحة من العشائر التي كانت تشكل جزءا اساسيا من
مكونات حياتهم ، ومبعث فخرهم وفروسيتهم . حتى ان احدى الاغاني الشعبية عندهم تتغنى
بالبندقية ، ويقول مطلعها .. فديتك يا بندقيتي .. فلا حياة لي بدونك !
تفةنط دةردت لة جونم .. تفةنط بى تو نةمونم !!
![]()
انتفاضة العشائر بقيادة شامحمد ياري المعروف ب( شامطة )
تعتبر عشيرة الملكشاهي واحدة من اكبر واهم العشائر الكوردية التي تسكن المناطق
الجنوبية الغربية من محافظة ايلام . ابناء هذه العشيرة يتصفون بالفروسية والشجاعة .
ويتواجدون في المدن الكوردية التابعة للعراق ، مثل خانقين التي تسمى احدى احياءها
بالملكشاي ، ومندلي ، ومناطق بدرة وجصان . وهنالك عشائر كبيرة اخرى في ايلام مثل ،
كَلاواى ، على شةروان ، ئةركةوازى ، خزلَ ، كوردةلى ، بة ولى ، شوهان ، بةيرةى ،
ميشخاس .. الخ . وهؤلاء هم سكان المنطقة الاصليين ، وهم احفاد الميديين والكشيين
الذين حكموا بابل ، والامبراطورية الايلامية التي نشأت في المنطقة .
حاولت الحكومة المركزية ان تفرض ثقافة غريبة ، واخضاع ابناء هذه العشائر المتعلمة
على حرية الحركة والتجوال في الجبال والسهول الفسيحة في ثشتكو مستعينة بقسوة بالغة
عبر اناس غرباء عن المنطقة . ومن الطبيعي ان يتمسك هؤلاء بتقاليدهم وعاداتهم التي
توارثوها جيلا بعد جيل . لذلك رفضوها بكل قوة ، واستطاعوا ان يقتلعوا اركان النظام
الشاهنشاهي البهلوي ، ويقيموا البديل الكوردي ولو الى حين .
كان اعيان العشائر يتحينون الفرص للانقضاض على القوات الحكومية التي تمركزت في
ايلام . وظهر احد الزعماء المحليين ، واسمه شا محمد ياري المعروف بشامكه وهو من
عشيرة الملكشاهي . وكان شامكه قد عمل في بغداد ايام شبابه ، والتقى بالعديد من
الكورد العراقيين ، وعقد معهم صداقات ومودة ، واعجب بثورات الشيخ محمود البرزنجي ،
والتحرك الكوردي في بغداد . كما التقى بالعديد من الناشطين الكورد الفيليين الذين
كانوا يثيرون الحماس لتحقيق الاماني القومية للامة الكوردية . هؤلاء كانوا يتحدثون
بنفس اللهجة التي كان يتكلم بها . وعن طريقهم استطاع ان يؤمن السلاح والعتاد لافراد
العشائرعن طريق خانقين و نوسود . وهذا يدل على عمق العلاقات التي اقامها شامكه .
وايضا وحدة القضية الكوردية في مختلف انحاء كوردستان . ومن المهم ان نذكر هنا ان
مئتي بيشمه ركه من عشيرة الملكشاهي قاتلوا ابان ثورة ايلول في صفوف الثورة الكوردية
. قاد شامطة الثورة ، وسقطت القاعدة العسكرية الحكومية بسرعة . وبذلك حرر
الثوارمدينة ايلام خلال ايام قليلة . وتوجهوا شمالا ليعسكروا على جبل مانيشت ،
وقمته رنو . وفي هذا الوقت انضم ابناء الوالي الى الثوار ، واصبحوا من قادتها
الميدانيين .
من اهم المعارك التي خاضها الثوارهي معركة رنو ، المشهورة لدى الايلاميين ب(جةنطى
رنو) . معركة الرنو ، تعتبر بحق واحدة من اهم المفاخرالتي سيذكرها تاريخ الكورد في
هذه المنطقة على مدى التاريخ . فبالرغم من انها لم تكن معركة متكافئة بكل المقاييس
، الا ان الثوار المتسلحين ببنادق الصيد والسيوف والخناجروالعصي ، قاوموا الطائرات
الحربية ، وقذائف المدفعية ، بصدورهم العارية ، وايمانهم بعدالة قضيتهم ، وبغضهم
للمحتلين والغرباء . ولا يزال ابناء المنطقة يحفظون الاغاني الشعبية والاهازيج التي
اطلقها الثواروهم يتقدمون نحو العدو المدجج بالسلاح . ولعل اروع ما سجله التاريخ في
تلك المعركة هو الهجوم الفدائي المباغت الذي قام به الثوارليلا خلف خطوط العدو ،
وقتلهم للعشرات من الحنود والمراتب الذين لم يتصوروا ابدا مثل هذه العملية الشجاعة
. فقد اختارت كل عشيرة عشرة من رجالها الشجعان للالتحام بالعدو وجها لوجه وداخل
معسكراتهم في سهل جوزرد الذي سمي باخ شا ، وايوان فيما بعد . هجم هؤلاء الفرسان
وعددهم كان مئة فارس ، والقوا الذعروالخوف في قلب القوات الحكومية ، وحطموا
معنوياتها . اما شامكه فقد كان يقاتل ببسالة ، ويقود المقاتلين في معارك بالسلاح
الابيض ، ويعود بهم الى مرتفعات رنو . وبالرغم من شراسة القصف المدفعي ، والطائرات
الحربية التي كانت تحرث معاقل الثوار ، الا انهم كانوا يغنون اغانيهم ، ويصفقون
ويرقصون معها . ومن تلك الماثر الخالدة ، انشودة ئةنار لة باخان .
في هذه الانشودة العذبة يصفق الثوار ، ويغني احدهم قبل ان يبداوا بهجومهم ، وهم
يسخرون من الشاه ، ويقولون بان شامكه الملكشاهي سيزيحه ويصبح شاها بدلا منه .
تقول مقدمة الانشودة ..
ئةنار لة باخان ... بة لى َ
شامطة رةزا خان ... بةلىَ
ولكن استعمال الاسلحة الثقيلة والمتطورة في ذلك الوقت ، وقصف القوات الحكومية
لمدينة ايلام ، ومقتل المئات من الثواربفعل قصف الطائرات ، وانعدام الذخائرالحربية
اللازمة للاستمرار في المواجهة ، والتفاف القوات الحكومية على الثوار من الخلف ،
وايضا بقاء الوالي في الاراضي العراقية وعدم انضمامه للثورة ، كل ذلك ادى الى تقهقر
الثوار . وقد القت قوات الشاه القبض فيما بعد على زعماء العشائروالشخصيات المعروفة
التي شاركت في الثورة ، وانتقمت منهم شر انتقام . فمنهم من اودع السجن ، وكبل
بالحديد حتى مات في سجنه . ومنهم من قتل ، واخرون ابعدوا من مناطقهم .
ولعل المرء يحس بالفرح الغامر وهو يرى الان الاكاديميين والباحثين الكورد في ايلام
وكرماشان وهم يحاولون رفع الغبارعن تاريخ شعبهم عبردراساتهم وابحاثهم العلمية ، وهم
يدركون بانهم ابناء واحفاد اولائك الابطال الذين صنعوا لهم مجدا تفتخر به الامة
الكوردية على مرالزمان .
* وزير الاقليم في حكومة كوردستان