مرة أخرى مع الموقف من حزب البعث !
لا شك في أهمية خوض الحوارات في ما بيننا نحن العراقيين ومناقشة الأفكار التي تطرح بحيوية وموضوعية وهدوء من جهة، وبعيداً عن الاتهامات أو الإساءات أو الأحكام المسبقة من
جهة أخرى. إذ بقدر نفع الأولى، تكون الأخرى مضرة وغير مجدية ولن تقود إلى تفاهم.
ولا شك في أن الموقف من حزب البعث يتحمل الكثير من التباين في وجهات النظر. ويهمني هنا أن أشير إلى بعض المسائل الجوهرية التي من شأنها أن تخلق أرضية صالحة للنقاش
ورؤية واضحة بشأن ما أسعى إليه من جانب وتكون القاعدة الصالحة للنقاش الموضوعي والبناء والهادف من جانب آخر بهدف الخروج بما يخدم الشعب والوطن والسلم الوطني. [وأضع في
نهاية النقاش الملاحظات التي سجلت على ملاحظاتي لكي تكون مناقشتي ملموسة وفي ضوء الاعتراضات والاحتجاجات التي سجلتها السيدة الفاضلة أميرة محسن الركابي والسادة الكرام
الآخرون.]
1. ليس في الغالبية العظمى من الشعب العراقي من ينسى تلك الجرائم التي ارتكبت من حزب البعث وبعض القوى القومية اليمينية المتطرفة في العام 1963، فهي جرائم يندى لها جبين
البشرية كلها وعبرت عن همجية لا مثيل لها، وهي الفترة التي تميزت بصدور البيان رقم 13 عن الحاكم العسكري العام رشيد مصلح وقطار الموت واستشهاد مجموعة كبيرة من بين
أخلص الوطنيين العراقيين تحت التعذيب وفي أقبية الأمن البعثية، وكذلك العذابات التي عانى منها كافة المعتقلات والمعتقلين السياسيين حينذاك. وكتاب طوارق الظلام للصديق والمناضل
توفيق الناشئ يجسد هذه الوقائع، إضافة إلى كتب أخرى كثيرة. فهي إذن في البال ولن تنسى!
2. ليس هناك من لا يعرف فعلته قيادة حزب البعث وجمهرة مكن كوادره ومجلس قيادة الثورة في العراق خلال الفترة الواقع بين 1968-2003. ويمكن لمن يرغب أن يقرأ مقالات كتبتها
ونشرتها حول هذا الموضوع، إضافة إلى كتابي الموسوم "الفاشية التابعة في العراق" الصادر في العراق 2008 والذي نشر أول مرة في العام 1984، وكتاب "الاستبداد والقسوة في العراق"
وكلاهما صدر عن مؤسسة حمدي في السليمانية في العام 2008 و2006، وكلاهما يبحث في واقع العراق والجرائم التي ارتكبها نظام البعث وقياداته في العام 1963 وخلال حكم البعث
الثاني حتى سقوط النظام. وليس أدل على ذلك التفريق بالقوة اجتماع ساحة السباع في العام 1968 في بغداد وقتل وجرح بعض المناضلين واغتيال كوكبة من خير المناضلين منهم محمد
الخضري وشاكر محمود وستار خضير وعبد الأمير سعيد ... وجمهرة من الوطنيين الشيوعيين عبر الدهس بالسيارات أو القتل بالرصاص أو تحت التعذيب، والضربات القاسية التي
وجهت للحزب في 1970/1971 ثم مؤامرة 1975 ضد الحركة الوطنية الكردية وقبل ذاك محاولة اغتيال الراحل الملا مصطفى البارزاني، ثم ضربات 1977 وإعدام 34 مناضلاً من
الشيوعيين والديمقراطيين في العام 1978، إضافة إلى الهجوم الكاسح على الحزب الشيوعي في العام 1978-1980/1981 على سبيل المثال لا الحصر. ثم الضربات التي وجهت للقوى
السياسية الأخرى مثل حزب الدعوة والإعدامات التي طالتهم وطالت الكثير من الناس الأبرياء. وفي الذاكرة الجمعية الحية أيضاً مجازر عمليات الأنفال وكيماوي حلبجة التي ارتكبها النظام
بحق الشعب الكردي ومدينة حلبجة وفي الانتفاضة الشعبية في العام 1991 في جميع أنحاء العراق تقريباً. ولن ننسى أيضاً التهجير القسري الذي نفذ بقسوة بالغة ضد الكُرد الفيلية والتي
شملت عشرات الألوف منهم، إضافة إلى قتل مريع لجمهرة كبيرة جداً من شباب الكُرد الفيلية مع بدء الحرب العراقية-الإيرانية، ومن ثم تهجير العرب الشيعة من الوسط والجنوب وقتل
الكثير منهم بأساليب شتى خلال تلك الفترة. ولن أنسى أيضاً ما حل بأخي الدكتور مهدي حبيب من قبل النظام ووفاته الغامضة في المستشفى بعد أن نقل إليها من قبل الأمن العراقي، ثم
اختطاف وقتل ابن أختي الدكتور عبد الصاحب هادي مهدي في العام 1981 وغيابه نهائياً حتى الآن، أي يمكن أن نعثر عليه في المقابر الجماعية أو ذوب جسمه، و وتهجير جزء من
عائلتي بحجة أن زوج أختي من التبعية الإيرانية وهو مدير مدرسة عراقية لمدة أربعين عاماً ومن اصل عربي أكثر عروبة من كثرة من البعثيين.
3 . ولن ينسى الإنسان العراقي الحروب التي نظمها نظام البعث الصدامي نحو الداخل وضد جيرانه، وسواء أكانت الحرب ضد إيران أم غزو واحتلال الكويت، والضحايا الهائلة والخسائر
البشرية والمادية التي تسبب بها النظام للعراق وجيرانه، ومن ثم النتيجة المنطقية لكل ذلك في وقوع العراق تحت الاحتلال وما عاناه من إرهاب دموي بسبب تلك السياسات التي مارسها
حزب البعث بقيادة صدام.
4. وفي ما عدا ذلك فلن ينسى الإنسان الفكر الشوفيني الذي كرسته قيادة البعث في العراق وممارساتها ضد القوميات الأخرى، ولكنها لم تقصر ضد كل العرب الذين كانوا يحملون موقفاً من
حزب البعث ومن نظامه، وقبل ذاك من صدام حسين، بمن فيهم جمهرة من أهل الموصل والأنبار وصلاح الدين ، وخاصة الضباط وضباط الصف ممن ينحدر من تلك المناطق.
5. ولن ينسى الإنسان نشر قيادة حزب البعث الثقافة الصفراء وتزوير التاريخ والإساءة للعلاقات بين الشعوب التي مارسها حزب البعث في العراق بقيادة أحمد حسن البكر وصدام
حسين.
في هذا كله لا نختلف قطعاً، ولكن أين نختلف كما يبدو لي من تعليقات بعض الأخوة والأخت الفاضلة أميرة محسن الركابي؟
نختلف في ثلاث مسائل جوهرية، أحاول صياغتها على شكل أسئلة، وهي:
1 . ألا يفترض فينا أن نميز بين قيادات وكوادر وأعضاء حزب البعث؟ من جانبي أجد ضرورة في التمييز بين البعثيين، فهم يتوزعون على ثلاث جماعات:
أ. الجماعة التي تشكل قيادة وكوادر البعث المسئولة عن كل أو بعض ما ارتكب في العراق من جرائم، وهم مستعدون لارتكاب ذات الجرائم من جديد إن تسنى لهم ذلك، ومنهم علي حسن
المجيد وعزة الدوري وجمهرة غير قليلة منهم.
ب. مجموعة من الانتهازيين الذين وجدوا في الركض وراء النظام مكسباً لهم في الحصول على امتيازات من خلال الانتماء لحزب البعث. ومثل هؤلاء مستعدون لتأييد كل حاكم ما دام
يتصدق عليهم ببعض الامتيازات، وهؤلاء يشكلون نسبة اكبر ممن المجموعة الأولى.
ج. المجموعة الأكبر والأوسع التي فرض عليها الانتساب لحزب البعث بالعصا وليس حتى بالجزرة.
2 . كيف نتعامل مع هذه المجموعات الثلاث؟ في الوقت الذي يفترض أن تحاسب المجموعة الأولى ويفترض أن يجري التعامل الثقافي أو التثقيفي مع المجموعة الأولى وبالوعي لمشكلات
الانتساب القسري للمجموعة الثالثة.
3. كيف تتم محاسبة هؤلاء؟ هل عبر الانتقام الشخصي والقتل في الشارع ، كما فعلوا هم، أم ينبغي تقديم قوى المجموعة الأولى إلى العدالة لتأخذ حق الأفراد والحق العام منهم وتصدر
أحكامها وفق القانون. هنا يبرز الاختلاف. أنا إلى جانب المحاسبة وفق القانون وليس عبر الانتقام الشخصي والقتل في الشوارع والبيوت والتي يفترض أن يحاسب من يمارس ذلك عبر
المحاكم العراقية.
كان الجواهري الكبير يقول حكمته المعروفة "الدم ينزف دماً". فمن يريد أن يوقف نزيف الدم في العراق ينبغي له الكف عن القتل والانتقام الشخصي، بل يفترض أن يسمح للعدل أن يأخذ
مجراه عبر المحاكم العراقية وليس غير ذلك.
هنا يبدو الخلاف واضحاً مع الذين علقوا على مقالي السابق.
البعض يقول لماذا سميت البعث بحزب البعث العربي الاشتراكي ونسى أن هذا هو اسمه الرسمي سواء قبلنا بذلك أم لم نقبل، وهو حزب بسلوكه العام برهن على أنه ليس اشتراكياً ولم يكن
في ممارساته إنسانياً في كل الأحوال. وكان في العهد الملكي حزب أخر اسمه حزب الأمة الاشتراكي للسياسي العراقي الراحل صالح جبر، وهذا الحزب لم يكن اشتراكياً أيضاً، ولكن هكذا
كان اسمه.
المشكلة التي تواجهنا والتي أتمنى على الأخوة أن يفكروا بها جيداً:
هل يمكن مكافحة أي فكر أو حزب بالقوة والقوانين، وهل لقيت مثل هذه المكافحة نجاحاً في أي بلد مارس مثل هذه الأساليب؟
ينبغي للفكر أن صارع سلمياً الفكر الآخر، ومن حق الفكر الديمقراطي أن يصارع الفكر الشمولي والقوم والشوفيني الذي تجلى كله في سياسات وممارسات حزب البعث الصدامي.
قدم شعب جنوب أفريقيا بقيادة مانديلا نموذجاً ساطعاً للإنسانية الخلاقة وللحضارة الإنسانية حين قدموا المسئولين للمحامة أو المحاسبة عبر لجان معينة ثم عفو عنهم علماً بأن نظام جنوب
افريقيا مارس العبودية والاستغلال والإرهاب ضد الشعب الأفريقي الأسود. فأنا إلى جانب أن نتعلم من هذه التجربة ونضع حداً لنزيف الدم من خلال محاكمات عادلة وكل يتلقى حقه العادل
من خلال محاكمات عادلة.
السيدة أميرة تعتقد بأن على العراقيات والعراقيين في الخارج أن يتركوا الشعب العراقي يصفي حساباته مع هؤلاء الناس وأن نسكت. كم هو بائس هذا الموقف، وكأن العراقيات والعراقيين
في الخارج لم يكونوا في الداخل وناضلوا ضد صدام حسين، وهي تعتقد بأنها الوحيدة مع الداخل من حقها أن تعمل ما تشاء دون أن تعطي الحق للآخرين في الخارج التعبير عن
رأيهم.
أسمح لنفسي أن أقول بأن هذا الرأي لا يختلف عن فكر البعث الصدامي في التصفيات الجسدية وفي تصفية كل من له أراء أخرى تختلف مع رأي السيدة أميرة، وعليه أن يبقى
في الخارج ولا يتدخل في شئون الداخل. كم أتمنى على السيدة أميرة أن تعيد النظر بهذا الموقف رحمة بالعرقيات والعراقيين وإيقاف نزيف الدم. خوفي على الشعب وليس حباً بعيون المجرم
عزت الدوري ومن لف لفهز ولا شك في أن ليس لعزة الدوري مكان في العراق ولا في الساحة السياسية العراقية ولكن لا يمكن أن نمنع البعثيين من العمل السياسي حين يتخذون موقفاً
واضحاً من الجرائم السابقة ومن السلوكيات السابقة ويلتزموا بأسس طرحتها في مقالي السابق وليس من ضرورة في تكرارها في هذا المقال.
أ. د. كاظم حبيب
26/3/2009
المصدر: موقع الاخبار، 27/3/2009