شباب الكرد الفيلية الذين غيبوا

القاضي زهير كاظم عبود
موقع البرلمان العراقي، 30/10/2003

رسالة وردتني من الأخت العراقية الجليلة (صبيحة الحيدر) أم ظافر وهي من الصابئة المندائية، تتحدث لي عن معاناتها الأنسانية في زياراتها المتعددة لسجون العراق لمقابلة زوجها الضابط الوطني (جبار الحيدر) الذي تنقل بين سجون نقرة السلمان وسجن الحلة وبعقوبة ورقم واحد وأبي غريب ليقضي فترات طويلة من حياته سجينا سياسياً سبب أفكاره.

وليس جديداً على العوائل العراقية هذه المعاناة، الجديد مالفت أنتباهي في الرسالة، انها تقول تم نقل زوجها من ردهة السجن الى المستشفى الخاص بالسجن لأصابته بمرض في المرارة، وقد راجعته فوجدت عينيه تدلان على كثرة بكائه، ولما استفسرت منه عن سبب بكائه، اخبرها أنه ليلة أمس كان ينظر من شباك الغرفة في مستشفى السجن وشاهد سيارات عسكرية تنقل شباب بعمر الورود من (الأكراد الفيلية كانوا عراة الا من الملابس الداخلية وفي عز شهر البرد القارص في العراق شهر شباط، وكانت أياديهم مربوطة الى الخلف، وحين كانوا ينزلون يتعرضون للضرب بالصوندات القاسية على أجسادهم العارية من قبل الحراس، وكانوا يصرخون ويبكون ويشكون ظلمهم الى الله في تلك الساعات الهمجية.

مالفت أنتباهي ليس السيارات العسكرية التي تحمل عراقيين مدنيين، وليس تعريتهم من ملابسهم فلربما صارت هذه سنة من سنن العمل الأمني في العهد الصدامي البغيض.

مالفت أنتباهي أذا كان الشباب من الأكراد الفيلية قد تم أعتقالهم من قبل سلطة صدام بتهمة عراقيتهم وكرديتهم ومذهبهم، وتمت تعريتهم من الملابس في عز فصل الشتاء القارص في العراق، وتم تقييد اياديهم الى الخلف، فلماذا الضرب على اجسادهم وما الذي يبغيه وتريده السلطة منهم؟ أي بمعنى هل للضرب نتيجة؟

فاذا لم تكن للضرب نتيجة أو سبب فهل أن المريض الذي يهوي بسياطه على هذه الأجساد الفتية والعارية يحقق رغبة مريضة مدفونة في عقل الرئيس البائد في كراهيته المقيتة للعراقيين، وأنتقام شاذ من الشرائح الطيبة والعبقة التي ملأت العراق تواصلاً وتفاعلاً وخيراً وتضحية.

وهم من الكرد الفيلية، وتلك جريمة كبيرة يمكن أن تلصق بالأنسان العراقي في العهد الصدامي العاهر، وهم من الكرد الفيلية الشوكة التي تنغرز في عقل وعيون الحاكم البائد، وبالرغم من التغييب الذي صار لألاف الشباب من الكرد الفيلية ، وبالرغم من المحاجر والسجون والحجز والمنافي التي ضمتهم، وبالرغم من الحملة الشعواء التي شنتها السلطة البائدو والنهج المخزي الذي سارت عليه في محاربة الكرد الفيلية، فقد بقي الكرد الفيليون في قلب التاريخ العراقي محاطين بتقدير وأحترام ومحبة وأعتزاز كل العراقيين عرباً وتركماناً وأكراداً وآشوريين وكلدان، وسجلوا أسمهم الناصع بفخر وزهو في سجل التضحيات التي سطرها الشعب العراقي في نضاله ضد الدكتاتورية، وبقي الكرد الفيلية أسماً متوهجاً وعالياً ومتألقاً في حين أنحدر أسم الدكتاتور البغيض الى مزبلة التاريخ مقروناً بلعنة الأنسانية وشتيمة العراقيين مدى الحياة.

شلت يد الجلاد الآلة التي كان يستخدمها الطاغية في ضرب اخوتنا وأحبتنا، وشلت يد الجلاد والطاغية الذي اراد للعراق أن يتشرذم ويتبعثر ويتمزق فبئس ما أراد والعراق يعيد نفسه ويبني ماتهدم من جديد.

ومن هذه المجاميع العراقية التي نفتخر بها من الكرد الفيلية من الطاقات المبدعة والكفاءات العراقية الفريدة في الثقافة والعلم، وقد لاقوا هؤلاء مالم يعجز القلم عن وصفه والوصف أن يشمله من العذاب والمعاناة الأنسانية التي لم ينتبه اليها العالم المتحضر للأسف.

فقد أقترف صدام البائد جريمة أنسانية كبرى من جرائم العصر الحديث، جريمة كبرى يندى لها جبين الأنسانية وتم التعتيم عليها لأسباب لامجال لذكرها.

هذه الجريمة هي الحرب الشعواء التي شنتها السلطة الصدامية البائدة على شريحة أصيلة من شرائح مجتمعنا العراقي وهم الكرد الفيلية.

فقد مارست بحقهم أخس الأساليب وأحقرها حين أقدمت على تفريق العوائل عن بعضها، وسلخ الأطفال من صدور أمهاتهم، ودفن الشباب في مقابر جماعية مجهولة لحد اليوم، وأستعمالهم كحقل للتجارب الكيمياوية ونفي الشيوخ منهم الى صحراء البادية العراقية ونقرة السلمان، ودفع قسم من شبابهم الى حقول الألغام في الحرب مع أيران ليقضوا نحبهم، واعدام العديد منهم، ودفع الالاف الأخرى لمغادرة العراق الى المنافي الغريبة وترك أموالهم وأعمالهم وعقاراتهم في مهب الريح.

نعم أختنا العزيزة أم ظافر حق لزوجك أن يبكي على حال شعب العراق تحت سلطة الطاغية وسياط النمرود، لكن الزمن دوار وقد دار دورته سريعاً في حساب الزمن ليركن الطاغية في مزبلة التاريخ الأنساني يصير أضحوكة العالم ويتألق العراقي من جديد ويزداد تألقاً بالكرد الفيلية.