التمذهب القومي والطائفي في زمن البائد صدام
زهير كاظم عبود
(*)
صحيفة السياسة الكويتية،
3/12/2003
ثمة إرباك في رؤية المشهد العراقي من وجهة نظر البعيد عن هذا المشهد وخاصة الاخوة العرب الذين يستندون في تصوراتهم لقواعد واسس لاتمت لحقيقة مايكونه العراقي ومايتكون منه او ماتحتويه الحقيقة ويتطابق مع الواقع المعاش، اضافة الى احتمال او عدم احتمال انطباق تجارب اخرى على التجربة العراقية .
والارباك الحاصل قد يصدر احيانا بقصد متعمد او دون قصد، وقد يكون الكاتب مدفوعا بحسن النية او سوء القصد، ولكن في كل الاحوال يبقى القصور في تصور المشهد العراقي والذي يستند على افكار وطروحات غير واقعية وغير دقيقة مما يوجب ان يكون واضحا وصريحا للجميع بما فيها المجموعات المندفعة بتأثير حسن النية والحرص على العراق او من الذين يريدون للعراق غير مايريده .
العراق من البلدان التي لاتجد لها مثيلا في المنطقة من الناحية الاثنية، ففي هذا البلد امتزجت الاديان العديدة كلها والقوميات المتعددة كلها والتناقضات المختلفة كلها، ومع كل هذا بقي العراق مسرحا لحياة مثالية منسجمة ومتآخية ومتفاهمة بين كل هذه الاديان والقوميات والمذاهب والتناقضات من خلال قيم اجتماعية واسس رسختها الاجيال التي ذهبت قبل ان يكتشف العراق انه بلد يقوم فوق بحر من الثروات النفطية والمعدنية والزراعية، حتى لايذكر التاريخ اية حروب طائفية او دينية او مذهبية او قومية وقعت في هذا البلد خلال تاريخه الاقدم بين الامم .
في العراق يعيش المسلمون الجعفرية الامامية من الشيعة والحنفية والحنابلة والمالكية والشافعية من السنة ويعيش ايضا اليهود الموسوية والمسيحيين باشكال كنائسهم كافة في العالم والتي وجدت لها ارضية ومريدين واتباعا في العراق من كاثوليك وبروتستانت وارثوذكس ولوثرية وسبتية، اضافة الى وجود اديان قديمة وموغلة في القدم هما الصابئة المندائية والايزيدية، مع عدم اغفال بعض الطوائف والملل بين تلك الديانات كالكائية والعلي اللهية على سبيل المثال.
اما القوميات في العراق فتتشكل من العرب والاكراد والتركمان والاشوريين والكلدان والفرس والبلوش والافغان وبقايا باكستانيين واتراك وشركس وارمن .
ومع كل هذا التنوع الذي لايماثله بلد في المنطقة كانت مسألة التمايز الديني او القومي او المذهبي غائبة كليا عن بال وتفكير العراق على الرغم من كونها موجودة فعلا على ارض الواقع لكنها لاتشكل مشكلة .
فلم يكن احد من العراقيين يكترث اذا كان وزير المالية في العهد الملكي حسقيل ساسون او صبحي الدفتري او ان يكون روفائي بطي المسيحي وزيرا او نائبا، ولم يكن احد يكترث لو صار السيد الصدر رئيسا لمجلس الاعيان او النواب وان يصير رئيس الوزراء نوري السعيد السني المذهب والاسلامي الدين والتركي الاصل، ولن يكترث احد حين يصير رئيس الوزراء صالح جبر المسلم الشيعي او ارشد العمري المسلم السني الموصلي او ان عبد المهدي المنتفكي او الشيخ محمد باقر الشبيبي نائبين في البرلمان عن الناصرية وان يصير غازي الداغستاني وزيرا للدفاع او رئيسا لاركان الجيش .
كما لم تكن هذه الحسابات من الامور التي تركز عليها الاحزاب السياسية او يهتم بها الشارع العراقي .
لم يكن المواطن العراقي يعير اية اهمية كون (يوسف سلمان فهد) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي في الثلاثينات كان مسيحيا، او ان كامل الجادرجي مؤسس الحزب الوطني الديمقراطي كان مسلما سنيا، او ان يكون فؤاد الركابي امين سر القيادة القطرية لحزب البعث بعد قيام الجمهورية شيعيا من الناصرية، مثلما لم نكن نعرف نحن الجيل الذي عايش مرحلة قيام الجمهورية ان الشهيد عبد الكريم قاسم كان من والد سني وام شيعية .
ولهذا كانت هذه الامور خارج اهتمام العمل السياسي او الثقافي بين الناس، فقد كان الانسجام يطغى على كل تفاصيل هذه الاختلافات، وكانت المدن العراقية تجسد هذه الحياة المنسجمة والتآخي الذي يرتفع فيه العراقي على اختلافاته القومية او المذهبية او الدينية .
وعلى الرغم من عدم تمذهب الدولة طيلة الحكم الملكي وبدايات العهد الجمهوري، الا ان بدايات عملية تمذهب الدولة قوميا بدا مع انقلاب فبراير 1963 حين سيطر حزب البعث على مقاليد السلطة للمرة الاولى في العراق فاتحا صفحة من الدم والموت والرعب بين اوساط المجتمع العراقي، ومع ان الحركات القومية لاتتقيد بالاديان والمذاهب الا ان الدولة القومية وظفت الدين في تلك المرحلة لخدمة اهدافها واغراضها ومن اجل ذبح خصومها السياسيين، ومالت سياسة الدولة القومية الى التمذهب الطائفي في اقصاء عناصر الشيعة عن مراكز السلطة والنفوذ بشكل غير محسوس او ملحوظ فسيطرت مكونة كتلة طائفية منسجمة غير معلنة، و على الرغم من كون الدستور الموقت ينص على ان المواطنين سواسية ويجب ضمان المساواة، لكن هذا الكلام كان مجرد حبر على الورق وعكست السلطة حينها تناقضاتها والتزامها بعملية تمذهب الدولة على حساب الوضع الانساني للشعب العراقي .
وبالتأكيد ينسحب هذا التمذهب على الجيش الذي بدأ يعاني من مسألة التمذهب القومي والطائفي والذي كان منعكسا بشكل ملحوظ في نسبة القبول في الكليات العسكرية والشرطة ودورات القوات المسلحة الخاصة حين اخذت تتوضح يوما بعد يوم دون امكانية سترها او تبريرها .
ومن خلال مطالعة لتاريخ الوزارات العراقية يتضح ان الوزراء من السنة العرب كان يتم تكليفهم بتشكيل الوزارات لاكثر من مرة (عبد الرحمن النقيب 3 السعدون 4 العسكري 4 الهاشمي 2 السويدي 3 الكيلاني 4 المدفعي 7 الايوبي 3 .... الخ ) .
اما في العهد الجمهوري فلم تعهد الوزارة منذ بداية الحكم الجمهوري وحتى سقوط العهد الصدامي البغيض الا للسنة العرب باستثناء فترة قصيرة لناجي طالب (عبد الكريم قاسم والبكر ثم طاهر يحيى والبزاز وعارف عبد الرزاق الكبيسي وصدام حسين) .
كما ليس مصادفة ان يكون جميع رؤساء العراق في العهد الجمهوري من السنة ذلك انه يعني ان التمذهب الطائفي وصل بموازاة التمذهب القومي في عمل السلطة .
ومع كل ماتقدم بقيت الناس و على الرغم من معاناتها من عملية تمذهب الدولة القومي والطائفي الموظف لاغراض سياسية تعاني وتشكو من تردي القيم وانحطاط المعايير وفق هذه المعادلة التي لاتليق بالعراق، حتى صارت السمة العامة التي تميز سلطتي الاخوين عارف انهما من السلطات الطائفية المقيتة التي اضرت بالعراق، وحين تم تسليم السلطة على طبق من ذهب الى المقبور سيء الذكر احمد حسن البكر وصدام حسين بالاتفاق مع عناصر خائنة، بدأ مخطط جديد يمرر من خلال تمذهب الدولة وطائفيتها تحت اطر جديدة وستائر تخفي بشاعة الهدف اكثر من السابق .
وحين تسنى للطاغية صدام ان يستلم السلطة و ينهي البكرمن الواجهة بدأ في عملية تطبيق عملي لتمذهب السلطة القومي والطائفي وانعكس في ممارسته سياسة تقريب جهة ما والضرب بقسوة على جهة اخرى ليستطيع بعدها العودة الى الساند لانهائه بعد ان يتفرد في الساحة، وبدأ بعملية توظيف كل مفاصل السلطة وامكاناتها وثرواتها لصالح تفتيت الحركة الوطنية في العراق وضرب الشخصيات العراقية الوطنية الفاعلة وتشتيت مفاصل الشيعة واضعاف صوت المرجعية الدينية والطرق بقسوة على الاحزاب الدينية منها .حيث بدا بتحريم طقوسهم الدينية ومنعهم من اداء شعائرهم وضيق على علماء الدين وحاربهم واقدم على اغتيال الكثير منهم، ومن ثم اطبق على التنظيمات الدينية الفاعلة في الساحة العراقية ليصدر قرارات يقضي بموجبها على حياة العراقي عند الانتماء الى حزب سياسي ديني كحزب الدعوة او المجلس الاعلى للثورة الاسلامية وغيرها او لمجرد الاشتباه في الانتماء احيانا، ثم طالت هذه الاحكام التنظيمات الاسلامية غير الشيعة فأوغل في اصدار قراراته بتصفية علماء الدين ورجالات السنة ومراجعها الدينية التي تصدت له او التي لم تنسجم مع طبيعة سياسته ورغباته، بعدها اختلطت الامور على صدام حسين فلم يعد يفرق بين سني او شيعي فكل العراقيين اعداء وهم يتحينون الفرص للقضاء عليه لذا كان يفترض انه يجب ان يحارب الجميع .
ويخطىء من يظن ان صدام حسين كان يمثل السنة المسلمين في العراق حين كان يوظف قدراته وسلطته لذبح الشيعة واعدام القوافل التي لم يضمها ارشيف ولاعرفها العالم من اعداد الشباب الذين تم اعدامهم لاسباب طائفية، ويخطىء من يظن ان صدام حسين كان يمكن ان يتعكز على السنة في سلطته، فقد كان يذبح كل من يقف او يرمش عينه في طريقه، ولهذا مارس افعال يندى لها الجبين من الخسة والوقاحة بحق اهالي الرمادي والموصل وتكريت ولم يكن يكترث مطلقا لمذهب الشخص او قوميته او دينه .
ولم تفت صدام حسين مسألة الضغط والطرق على بقية المذاهب والاديان فلم يسلم الصابئة المندائيون منه ولااستطاع الايزيدية ان يتخلصوا من سطوته ورقابته فمنعهم حتى من زيارة قبر الشيخ عدي بن مسافر وتأدية طقوسهم الدينية في المرقد وحاول تفريق شملهم وتعريبهم، كما هاجر الكثير من الاخوة المسيحيين هربا من ضغط السلطة وعدم اعطائها لابسط حقوق المواطنة التي ينادي بها الدستور الموقت بالمساواة بصرف النظر عن الدين والقومية والمذهب وكانت طقوسهم تتم بخوف ورهبة في ظل سلطة الموت .
وامام النحر القومي والطائفي الذي كان يمارسه صدام ضد ابناء العراق والتي طالت جميع الاديان والمذاهب والملل والقوميات، لم يكن بمقدور احد ان يحسب صدام على جهة دينية او قومية، فكراهيته للعربي تبدا من خلال كراهيته لشعب العراق وتنكيله به وتدميره طيلة الحقبة الزمنية التي تسلط بها على الحكم، وكراهيته للكرد تكمن في نظرته الشوفينية وعدم اعتقاده بحقهم ومشاركتهم في الوطن ونزوعه نحو قتالهم ومحاربتهم واستعمال الاجهزة الامنية القمعية وتهجيرهم وتهديم قراهم وضربهم بالسلاح الكيماوي وعقد المعاهدات الاقليمية المشينة من اجل اضعاف مطالبتهم بحقوقهم، واحتقاره بقية القوميات ينبع من خلل نفسي يسيطر على عقائده وطموحه حين تطغى نظرية المؤامرة على شخصيته فيتصور ان كل هذه الملل والعقائد تقف معادية له وتحاربه وتحاول ان تسلب منه السلطة .
وصدام البائد لم يكن يكترث لاحتلال العراق او استباحة سيادته وكرامته من قبل قوات التحالف فكل همه النفاذ بجلده والمطالبة بعرش العراق واستعادة السلطة باي ثمن ومهما كانت القيمة، ولهذا عمل منذ فترة قبل سقوط سلطته على اخفاء الطائرات والاسلحة المحمولة والمتفجرات والالغام جميعها في داخل اوكار وخارج المدن مع توفير مئات البلايين من الدولارات كلها من اجل توظيفها لاستعادة السلطة .
وصدام البائد لن يضيره اذا احترقت الفلوجة او مسحت تكريت او تضررت الموصل او ديالى فالحقيقة التي ينبغي على الاخوة العرب والمحللين الذين يريدون رصد المشكلة العراقية بحسن نية ان لا وجود لمثلث سني في العراق، مثلما لا وجود لمناطق شيعية وان هذه التقسيمات التي اوجدها صدام ومن يلعب لعبته لصالح استعادة سلطته والتي كررها كل من وزير العلوج الصحاف والسفير الهارب محمد الدوري ان سلطة صدام انتهت والى الابد وانتهى دوره المرسوم في اللعبة الدولية .
كما ان مايحدث في الفلوجة او الرمادي او ديالى او الموصل ليس حبا بسواد عيون صدام وليس انسجاما من الترهات التي يرسلها عبر كاسيتات يقوم بتسجيلها من سيارة تسير في طرق ريفية وتحت جنح الظلام، وانما كلها نتائج لرد الفعل تجاه الاخطاء والسلبيات التي ترتكبها قوات التحالف، اضافة الى وجود عناصر من تنظيمات ارهابية دولية وجدت الساحة مفتوحة في العراق لتصفية حساباتها مع الاميركان على حساب الشعب العراقي، اضافة الى وجود مشاعر متطرفة لاتقتنع بالتواجد الاجنبي والاميركي في العراق .
وظف صدام البائد كل ما استطاع ان يستحوذ عليه من ثروة الشعب العراقي في شراء بعض الناس من مشاريع بيع الجسد والضمير ليوظفهم في عمليات الارهاب والقتل والتخريب وبث اليأس من الحياة دون صدام، كما وظف صدام عناصر بائدة ومرعوبة من مصيرها على يد الشعب اضافة الى انقطاع رزقها ومواردها فلجأت الى صدام لتنتهي معه اينما صار .
ومهما يكن الامر فان صدام اتخذ من التمذهب القومي على الرغم من شوفينيته المقيتة غطاء لسيطرة حديدية ابدية وثابته لاولاده واحفاده من بعده، كما اعتمد على مشورة خاله المقبور خير الله طلفاح في ضرورة محاربة الشيعة والطرق بيد من حديد فوق رؤوسهم لتطبيق الحكم الاستبدادي الشمولي الذي يليق بالعراق والذي يتناسب مع حالة الرفض المتجذرة في نفوس العراقيين، ولذا ترى الاحزاب الاسلامية كافة (سنة وشيعة) ان ماقام به صدام يخالف سنة الله ورسوله في تفريق الامة والامعان في القتل وتهديم البيوت وبعثرة الثروات ولهذا فهو لايصلح للسلطة وينبغي عزله والعمل على الاطاحة به، وهو ما لم يقتنع به الطاغية ولايقبل به مطلقا باعتبار ان عقله يملي عليه بأحقيته في ملك العراق والسيطرة عليه بالقوة .
لذا لايمكن ان يتم تطبيق المعادلة الطائفية على حكم الطاغية لانه وان كان يعتمد على نماذج تمثل انتساب الى طائفة او جهة معينة الا انه ليس بالضرورة يعتمدها كقواعد للعمل معه، كما لايطمئن لها انما يوظفها موقتا لينهيها حالما ينتهي العمل معها، وبذا يكون الطاغية لاينتسب لقومية ولا لدين ولمذهب معين، وحين تتبرىء منه القوميات والمذاهب والاديان والطوائف في العراق يصير مسخا لاقيمة له وان كان يملك البلايين من الدولارات.
(*) كاتب وقاض عراقي سابق