عراق ما بعد صدام.. بناء مؤسسات دولة القانون الفيدرالية وترسيخ ثقافة التسامح وتسهيل عودة العراقيين

الدكتور منذر الفضل
وأخيرا سقط أبشع نظام دكتاتوري عرفته البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحرر العراقيون من القمع والظلم والاضطهاد والجرائم الدولية التي كانوا يتعرضون لها يوميا من أجهزة الطاغية صدام الذي يقبع في الجحور بعد ان كان ينعم بالقصور. هذا النظام الفاشستي جثم على العراقيين قرابة 35 عاما تحكمة مجموعة من التابعين الى نظام الحزب الواحد والقائد الاوحد ، اتخذوا من الفكر النازي العربي ( ثقافة عفلق وساطع الحصري والياس فرح والبيطار) منهجا لهم في قيادة الدولة والمجتمع في بلد شهد اولى الحضارات على أرضه التاريخية المعروفة يتسم بتعدد القوميات والاديان والافكار والمذاهب الدينية والسياسية، وقد كنا نتوقع هذه النهاية منذ عام 2002 ابان اللقاءات والندوات مع الاخوة العراقيين في المنافي بينما كان النظام المقبور يتوهم انه خالد الى الابد وان العراقيين لن يتمكنوا من كسر القيود وصنع الحرية والفجر الجديد. بل ان هذا التغيير كان حتميا بعد الاحداث الاجرامية التي حصلت في 11 سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الامريكية.
حين تنتهي سلطة الطغيان تبدأ سلطة القانون
واذا كان يوم 9 نيسان من عام 2003 هو يوم تاريخي في حياة العراقيين وشعوب المنطقة والانسانية بفعل سقوط النظام المذكور الذي كان مصدرا للخطر وبؤرة للاعمال الارهابية من خلال ممارسات ارهاب الدولة المنظم ، فان الخطوة القادمة توجب على العراقيين اولا ودول العالم ثانيا اعادة بناء دولة العراق التعددية ووفقا للمعايير الحضارية التي تقوم على اساس احترام حقوق الانسان ونبذ ثقافة العنف وترسيخ اسس الحوار والتسامح من خلال دستور دائم ونظام قانوني جديد من أجل ان يستعيد العراق عافيتة ودوره في الحياة.
كيف تبنى مؤسسات دولة القانون وكيف يكتب الدستور الدائم ؟
تبنى مؤسسات دولة القانون من خلال وجود دستور دائم يحدد سلطات وصلاحيات كل طرف ويكشف عن مبدأ الفصل بين السلطات وانشاء محكمة دستورية عليا تراقب تطبيق القوانين وعمل المؤسسات وكذلك انشاء محكمة حقوق الانسان الى جانب تفصيلات اخرى معروفة سبق ان بيناها في مقالات متعددة. غير ان مايهمنا هنا هو كيف يكتب الدستور في العراق ؟ وما هي خطوات بناء دولة القانون ؟
مع كامل احترامنا للرأي القائل بضرورة انتخاب اعضاء لجنة كتابة الدستور الدائم في
العراق ، الا اننا نعتقد تعذر القيام بذلك لسبب جوهري هو عدم وجود احصاء للسكان
العراقيين لمن هم داخل وخارج العراق وهي عملية ليست سهلة ولا بسيطة وانما تحتاج الى
جهود وامكانات عراقية ودولية تمتد الى فترة قد تطول الى اكثر من سنة ولا يعقل بقاء
الدولة العراقية منذ 9 نيسان وحتى تاريخ صدور الدستور الدائم بلا دستور لان للفراغ
الدستوري هذا نتائج خطيرة من النواحي القانونية والدولية.
ولهذا نحن نرى ان الحل السليم هو في تعيين اعضاء لجنة كتابة الدستور من قبل السادة اعضاء مجلس الحكم على ان يكون هؤلاء الاعضاء من الخبراء العراقيين المعروفين بالعدل والعدالة والنزاهة والخبرة العليمة القانونية والسياسية لان عملية كتابة الدستور ليست قضية قانونية بحتة وانما هي عملية قانونية – سياسية ، ونحن نعتقد انه بات من الضروري ان يحسم هذا الامر وان يسد الفراغ الدستوري وان يشترك عدد من اعضاء مجلس الحكم الموقر في لجنة الصياغة تحقيقا للغرض الذي بيناه. وهنا نود ان نؤكد حقيقة مهمة لابد من اخذها بعين الاعتبار ، لكونها تمثل مفتاحا لتامين السلم والاستقرار والامن في العراق ، وهي حل القضية الكوردية حلا عادلا منصفا من خلال احترام خيارات الشعب الكوردي التي اعلن عنها عبر مؤسساته وهي الاقرار بنظام الدولة المركبة بتبنى الفيدرالية حلا لمشكلات العراق ، حيث سبق ان طرحنا مقترح تاسيس ثلاث مناطق في العراق تتوحد في دولة فيدرالية ضمن عراق موحد على ان لا تكون على اساس مذهبي او قومي
وانما على اساس جغرافي تتحدد فيه الحدود الادارية وفقا لما بيناه في مقترح مسودة الدستور الدائم الذي نشرناه في صحيفة المؤتمر العدد 305 من العام الماضي.
والفيدرالية هي الطريق السليم لتوسيع المشاركة السياسية وترسيخ لقواعد الديمقراطية
واشراك كل القوميات واتباع الديانات والمذاهب والافكار السياسية في قيادة الدولة
والمجتمع ومنع التفرد بالحكم والسلطة من قبل شخص او حزب واحد او حركة او قومية
بعينها.
كما نعتقد ان للسادة الافاضل من المرجعيات الدينية الشيعية والسنية ومن الديانات
الاخرى كل الاحترام الا ان الرجوع في تفصيلات ودقائق الامور الى ارائهم سيعطي نفوذا
للدين على حساب الدولة والمجتمع وسيمنح للمرجعيات الدينية نفوذا سياسيا ، بينما
نعتقد ان الصحيح هو فصل الدين عن السياسة وعن الدولة والمجتمع. وهذا لا يعني الغاء
الدين او الانتقاص من اهميته او دوره يعني انتقاص من دور المرجعيات الدينية ، الا اننا لا يمكن ان نؤيد دورا سياسيا للمرجعيات الدينيية لما قد يسببه ذلك من تقاطع وتعارض للأدوار بين هذه المرجعيات وبين دور مجلس الحكم
وعمل الوزراء والمؤسسات الاخرى فضلا عن ان دور المرجعيات الدينية المحترمة يتحدد في الامور الدينية لا القضايا السياسية.
ترسيخ ثقافة التسامح بين العراقيين ( نبذ العنف والتطرف والتعصب)
من المعلوم ان اي نظام حكم شمولي مثل نظام الطاغية المقبور صدام يقوم على ترسيخ ثقافة العنف وعدم الاعتراف بالاخر وتشجيع الاعمال المتطرفة وممارسة الاعمال الاهاربية وهي اسس خطيرة تهدد امن وسلامة واستقرار البلدان والشعوب وجرائم دولية خطرة تزعزع السلام وتعرقل التنمية التي غايتها الانسان. اذ لا يمكن بناء الديمقراطية والمجتمع المدني واحترام حقوق الانسان التي هي من اولى مقومات دولة المؤسسات الدستورية الا بنبذ التعصب والتطرف ومقاومة الارهاب بتجفيف منابعة. ومن ثم اكمال هذه الخطوات بترسيخ ثقافة التسامح والاعتراف بالاخر ورسم ادب الحوار واحترام حق الاختلاف. ومن المؤسف حقا ان يصبح العراق الجريح مسرحا للاعمال الارهابية قبل واثناء شهر رمضان المبارك وما بعد هذا الشهر الفضيل حيث لم تحترم حرمته من المجرمين ايا كان الفاعل من وراء هذه الاعمال الاجرامية التي طالت الابرياء من المدنيين الذين لا ذنب لهم في الصراعات السياسية ولا شك ان الهدف من ورائها زعزعة الامن والاستقرار الذي يحتاجة ابناء العراق اليوم اكثر من اي وقت مضى ومما يؤسف له ان تشير اصابع الاتهام الى بعض دول الجوار التي ساعدت او سهلت دخول المجرمين الى العراق للقيام بهذه الاعمال الاجرامية بينما كنا نامل من جميع الاطراف الاقليمية ودول العالم دعم وتعزيز الامن والسلم في العراق لكي يستعيد العراق عافيته بعد سنوات عجاف.

طفلان من اطفال الكورد الفيليين
ان من المهام الرئيسة على الحكم الجديد تسيهل عودة العراقيين واعادة ممتلكاتهم التي سلبت منهم او جرت مصادرتها خلافا للقانون او حجزت او سرقت وبخاصة العراقيين من المسفرين والمهاجرين والمهجرين والاكراد الفيلية وتشجيع عودة العراقيين ومنهم اصحاب الكفاءات والعقول للاسهام في خدمة العراق.
تسهيل عودة العراقيين من ( المهجرين والمهاجرين واللاجئين)
1. تسهيل عودة العقول العراقية الى العراق
لعل من أهم القواعد الأساسية لتطور المجتمعات والدول وبناء مقومات دولة المؤسسات الدستورية هو احترام الحريات الأكاديمية وصيانتها وعدم تسيس التعليم أو عسكرته. وهذا الموضوع له صله وطيدة مع احترام حقوق الإنسان وخضوع الدولة والأفراد للقانون. والمقصود بالحرية الأكاديمية هي حرية أعضاء الهيئة الأكاديمية للوصول إلى مختلف علوم المعرفة والتطورات العلمية وتبادل المعلومات والأفكار والدراسات والبحوث والإنتاج والتأليف والمحاضرات وفي استعمال مختلف وسائل التطور الحديثة ودون تقييد أو حواجز وصولا لخير المجتمع والإنسان.
أي نقصد بذلك رفع القيود عن الباحثين والمفكرين وأساتذة الجامعات والمعاهد في توفير المعلومات والاطلاع عليها وفي إبداء الآراء ومناقشتها ونقدها ورفع قيود التأليف والإبداع الفكري عنهم وصولا إلى التطور العلمي الذي يهدف إلى خدمة الإنسان وهذا الأمر جزء مهم من حقوق البشر في حقهم بالمعرفة الثابت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدساتير والقوانين. ولذلك اصبح مفهوم الحرية الأكاديمية من الالتزامات الدولية والقانونية على الدول ووجوب مراعاتها واحترامها. ولا نقصد بذلك إشاعة الفوضى
وإنما تعزيز مقومات الإبداع الفكري والبحث العلمي ضمن أسس وقواعد النظام العام والآداب العامة وقيم المجتمع المتعارفة ووفقا للقانون.
وهذه الحريات الأكاديمية يتمتع بها الجميع مهما كانت أعراقهم ومذاهبهم ومعتقداتهم السياسية ولا دخل للون بشرتهم في ذلك
ولا يجوز أن تكون دياناتهم أو جنسهم أو أي اعتبار أخر مانع من موانع الوصول إلى المعرفة لأنها حق للجميع. فلكل شخص الحق في حرية التفكير وحرية التعبير والضمير والوصول إلى مصادر المعرفة المختلفة.
وقد نصت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل ، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقييد بالحدود الجغرافية ).
غير انه قد ثبت أن الأنظمة الدكتاتورية – ومنها نظام صدام المقبور – وضعت القيود والموانع المختلفة على مصادر المعرفة
وأهدرت الحريات الأكاديمية بهدف تطبيق سياستها القمعية وتوطيد دعائم فلسفتها الاستبدادية في محاربة كل قنوات الفكر والحرية العلمية والتفكير الحر وأشكال الإبداع والتأليف والبحث العلمي إلا ما يتناسب ونمط الحكم الدكتاتوري مثل الثقافة الشمولية وفرض العقيدة أو المذهب السياسي وعسكرة الثقافة المقترنة بثقافة الخوف وعبادة الفرد ذلك لآن حرية التفكير والإبداع ورفع القيود عن مصادر المعرفة هي العدو الأول للأنظمة الدكتاتورية وهي مصدر الخطر على وجودها.
ولان الإنسان ميال بطبعه إلى الحرية والبحث عن الحقيقة والمعرفة والتخلص من القيود الفكرية التي تحجر التفكير الإنساني أو تقمعه ، ولان البشر يحبون السلام والأمن والاستقرار ويرفضون القمع والعبودية والاستبداد ، وبخاصة أصحاب العقول أو شغيلة الفكر والشباب والأكاديميين ، فقد غادر العراق مئات الآلاف منهم بحثا عن الأمان والحرية
وتطلعا إلى ممارسة حقهم الإنساني في العيش بسلام واستقرار وهو من المؤشرات الخطيرة على إهدار الحقوق والحريات الأكاديمية في العراق. ولان هذا الموضوع له صلة وطيدة بالعقول التي هاجرت من العراق فلابد من التركيز في الكلام عليها لأنها ثروة مهمة ليس من السهل تعويضها.
فقد اضطر مئات الآلاف من العراقيين ركوب البحر والبر والجو وتحمل المخاطر وصولا إلى شاطئ الأمان والحرية ووصولا لمجتمع يسود فيه القانون بعد ان ضاقوا صنوف العذاب والاضطهاد والاستبداد في العراق ، فمات من مات وهلك من هلك ووصل من وصل إلى بلدان العالم المختلفة حتى بلغ عدد اللاجئين العراقيين في ألمانيا
وفي السويد مثلا من أعلى أرقام طالبي اللجوء في العالم كان بينهم القضاة والأطباء والأساتذة الجامعيين والوزراء السابقين والضباط ومن مختلف الأعمار والمهن والكفاءات ومن مختلف القوميات والمذاهب والأديان والاتجاهات الفكرية. ولذلك فقد حصلت – بفعل سياسة النظام الدكتاتوري
ـ اكبر هجرة في تاريخ العراق وربما منطقة الشرق الأوسط. الامر الذي يتطلب من مجلس الحكم الموقر ومن السادة الوزراء بذل الجهود لعودة العراقيين واستقطاب العقول وتوظيفها لخدمة الدولة والمجتمع في العراق الجديد.
وقبل أن ندخل في الموضوع لابد من القول أن للاستقرار السياسي في كردستان العراق ولترتيب البيت الكردي في ظل الفيدرالية التي اختارها الشعب الكردي ممثلا بالبرلمان عام 1992 كأسلوب للعلاقة مع الحكومة المركزية في بغداد تأثيرها الكبير على توفير هامش كبير من الحرية في التعبير وإبداء الرأي والتأليف والإبداع والوصول إلى مصادر المعرفة وتوفير وسائل الاتصال مثل الانترنيت وأجهزة الكومبيوتر واحترام الحرية الأكاديمية ونأمل أن يتوفر في ظل حكومة الإقليم في كردستان العراق المزيد من السلم والاستقرار والكثير من مقومات حماية الحقوق والحريات الأكاديمية بما يستقطب جميع الكفاءات من الكرد ومن العرب ومن القوميات الأخرى لخدمة الشعب الكردي ولمؤسساته العلمية الفتية لان في خدمتها خدمة للعراق أيضا وهو تجسيد للوحدة الوطنية.
وإننا نناشد بحرارة القيادة العراقية الموقرة في مجلس الحكم والاخوة الوزراء وكذلك
الاخوة في القيادة الكوردية الموقرة في كوردستان إلى القيام بعملية استقطاب العقول
العراقية والكفاءات المهاجرة من الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين والأدباء
والفنانين وكل العقول والشباب وتشجيعها على العودة إلى العراق الجديد لتوظيف
خبراتها وكفاءاتها لخدمة الوطن ولدعم مؤسساته وحكومته والقيام بنهضة علمية وفكرية
وثقافية طبقا لقانون وليكن (( قانون عودة الكفاءات العراقية )). فإذا عادت هذه
الكفاءات العراقية إلى العراق وتوفرت لها مقومات الحرية الأكاديمية والبحث العلمي
الحر في ظل السلام والاستقرار والمتطلبات الأخرى للعيش ، فان العراق سيكون واحة من
واحات الحرية مما سينعكس أثرة على نهضة وازدهار العراق وهو من الغايات النبيلة
المنشودة.
لا بد من القول أن هناك حوالي 3 مليون عراقي أو اكثر غادروا العراق منذ عام 1963( وهي فترة حكم البعث الأولى ) وقبل وبعد الحرب بين إيران والعراق وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية وكانت المغادرة قهرا أو طوعا أو تهجيرا خلافا لقواعد القانون الدولي وانتشروا في كل بقاع الأرض بأوصاف متعددة. كما أن البعض منهم غادر ضمن وفود رسمية
وفضل البقاء في المنفى وعدم العودة للعراق.
وإذا كانت هناك ظاهرة معروفة من المثقفين العرب تخص هجرة العقول من البلدان العربية لاسباب كثيرة ، لعل أهمها تباين احترام حقوق الإنسان في هذه البلدان ، عدا الظروف الاقتصادية
والسياسية وإهدار الحقوق والحريات الأكاديمية والعوامل الأخرى ، فان الذي يلفت الانتباه هو هجرة العقول العراقية من العراق ومحاولة (( مسك الحقيقة من ذيلها )) كما يقال دون الوقوف على الأسباب الجوهرية للمشكلة القائمة
ودون تدارك حقيقة الخطر على مستقبل العراق وأجياله في هدر هذه الثروة البشرية المهمة. فقد عانت لبنان من هذه المشكلة بعد الحرب الأهلية التي اشتعل فتيلها في منتصف السبعينات وتركت أثارها على الإنسان
والدولة والمجتمع اللبناني وعلى رؤوس الأموال أيضا لعدم توفر الاستقرار آنذاك وبسبب ظروف الحرب.
وعانت الجزائر أيضا من هذه المشكلة بفعل عوامل عديدة منها العامل السياسي
والاقتصادي وعوامل أخرى.
ولغرض إلقاء الضوء بحرية على هذه المشكلة الوطنية والقومية ، لأنها ثروة ثمينة لابد
من الحفاظ عليها ، يلزم منا التعرف أولا على المقصود بالعقول العراقية وثانيا بيان
أسباب هجرتها وثالثا إعطاء بعض الحلول والتصورات عسى أن تنفع في حل المشكلة وتسهم
في الهجرة المعاكسة إلى العراق وتعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها.
تحديد المقصود بالعقول العراقية المهاجرة
يراد بالهجرة من الناحية اللغوية هي الخروج من بلد إلى أخر ويسمى الشخص مهاجرا أي
هجر من البلد وعنه فيترك الشخص البلد ليكون مهاجرا يعيش في ارض أخرى بفعل ظلم ظالم
لا يعرف الرحمة أو المغادرة إلى ارض ثانية طلبا للأمن والسكينة والعدل والعدالة.
والهجرة ليست جديده أو حديثة العهد في المنطقة العربية أو العراق أو البلاد
الإسلامية ، فقد هاجر الرسول محمد (ص) من مكة إلى المدينة وهاجر العديد من المسلمين
إلى اليمن والحبشة هربا من الظلم وطلبا للآمان وهاجر الصحابة وفقهاء العلم بعد أن
تعرضوا للاضطهاد من الحكام أو السلاطين.
ومن الطبيعي القول أن هذه الهجرة – ومنذ القدم – سببها يعود إلى وجود الظلم والاضطهاد ضد الأخر ، أي ضد حرية الرأي وضد حرية التعبير والتفكير الحر ، وقد بين ابن خلدون في المقدمة (( أن الظلم مؤذن بخراب العمران )).
وليس المقصود بالعقول المهاجرة حملة شهادة الدكتوراه أو ممن هم يحملون الشهادات الجامعية العليا كالماجستير أو الدبلوم فقط،
وإنما نقصد بذلك كل كفاءه وخبرة في مختلف المجالات الإنسانية والعلمية ، في الطب ، الهندسة ، الحقوق ، الاقتصاد ، الصحافة ، الإعلام ، الصيدلة ، اللغات ، الفنون وغيرها سواء ممن كان يحمل شهادة أكاديمية أم لا. فالكثير من الخبراء أو العقول يحملون شهادة البكالوريوس مثلا لكنهم من ذوي الخبرات أو المعرفة أو التخصصات التي تركت العراق ويمكن عدها من العقول المهاجرة.
ونستطيع القول أن الأشخاص الذين يعملون بعقولهم من شغيلة الفكر ممن اثبتوا كفاءة
وكانت أو صارت لهم خبرات علمية أو أكاديمية أو فنية يمكن اعتبارهم من العقول
المهاجرة أو التي هاجرت من العراق.
فالأطباء الجراحين والأطباء الاختصاص والأساتذة الجامعيين في الحقوق والكومبيوتر والعلوم
والإدارة والإحصاء والمحاسبة وغيرها في مختلف التخصصات وكذلك الدبلوماسيين والعسكريين
والمهندسين والكتاب والصيادلة والفنانين ممن عملوا في المؤسسات العراقية أو غيرها هم من العقول التي تشكل ثروة وطنية عراقية. وقد اكتسبت هذه العقول خبرات طويلة في حقول الاختصاص وصارت للبعض منها أراء أو نظريات أو مؤلفات أو تجارب أو بحوث علمية وكم من محكمة فرنسية أو بريطانية مثلا حكمت في قضية بناء على رأي فقيه عراقي في القانون ، وكم من طبيب وجراح يحتل مواقع علمية جيدة بكفاءة في دول العالم ، وكم من خبير عراقي ترك وطنه وهو الآن يشغل موقعا مهما في الشركات والمؤسسات الدولية بعد أن ضاقت به الدنيا في العراق… وكم من الدبلوماسيين الذين فضلوا البقاء في المنافي ويشغلون مواقع دولية مهمة. ولهذا ليس من السهل الاستغناء عن هذه الكفاءات والخبرات والعقول.
وهؤلاء الأشخاص سموا بـ العقول المهاجرة لا نهم يعملون بعقولهم من اجل المجتمع ومن
اجل سعادة الإنسان وقد تميزوا بذلك وهاجروا من العراق بفعل أسباب كثيرة ونعتقد أن
كل عراقي – مهما كانت أصوله أو ديانته أو قوميته أو مذهبة – غادر الوطن ولأي سبب
كان هو عقل وهو طاقة أو ثروة وقوة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها من الدولة ومن
المجتمع.
أسباب هجرة العقول من العراق
بدأت ظاهرة هجرة العقول العراقية منذ عام 1963 أي بعد سيطرة البعث ( النازية
العربية ) على السلطة في شباط من العام المذكور وما تبع ذلك من انتهاكات لحقوق
الإنسان وغياب الحرية وانعدام الرأي والرأي الأخر وما رافق ذلك من تصفيات جسدية ضد
الكورد والاحزاب السياسية الاخرى واعتقالات في الوسط الجامعي وللأطباء والمثقفين
العراقيين ولشرائح مختلفة والكل يذكر جرائم ما سمي بـ ((الحرس القومي )) ضد الآلاف
من الأحرار والمفكرين والمثقفين من أبناء العراق فلم تسلم الأموال أو الأعراض أو
الحقوق أو الحريات من التعدي أو الانتهاك.
وحين زال الكابوس بعد تسعة اشهر من الفوضى ومن غياب القانون كانت بمثابة فرصة للكثير من العقول العراقية في الهجرة إلى خارج العراق بعد أن تعرض الكثير للقتل أو للظلم
والتعذيب بسبب الرأي السياسي أو حرية التفكير أو حرية التعبير. كما أن الكل يذكر ما
تعرض له العالم العراقي المعروف الدكتور المرحوم عبد الجبار عبد الله ( رئيس جامعة
بغداد ). وكثيرون غيره من أبناء العراق الإحياء والأموات المعروفين في عقولهم
وشخصياتهم.
وفي عام 1968 ادعى النظام أن الثورة جاءت بيضاء لصالح الشعب العراقي ولكنها تحولت إلى حمراء منذ البداية حتى تاريخ زوال النظام يوم التحرير في 9 نيسان 2003.
وبقدر تعلق الأمر بموضوعنا فلم يحصل أي مناخ طبيعي أو ظروف سياسية واقتصادية
واجتماعية مناسبة إلا في فترة محدودة وضيقة كانت بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة
فإشاعة الإرهاب وانعدام الحقوق والتصفيات الجسدية وانعدام المساواة والظلم والقيود
ظلت هي الأساس في الجامعات العراقية والمؤسسات العلمية وفي المجتمع العراقي.
وأمام استفحال هذه الظاهرة اصدر البكر قانون عودة الكفاءات العراقية لعام 1975. وبموجب هذا القانون سمح لمن يرغب من العراقيين العاملين أو الدارسين في خارج العراق فقط بالعودة إلى العراق مع بعض الحوافز. ولهذا فقد عاد البعض إلى العراق ولم يرغب البعض الأخر بالعودة. بل أن الكثير ممن عاد آنذاك شد الرحال وغادر العراق ثانية بعد فترة أو قبيل اشتعال فتيل الحرب ضد إيران عام 1980 تاركا وراءه كل أمواله وحقوقه وعقاراته لعدم توفر المناخ الفعلي للعمل بحرية وفق ضمانات قانونية من اجل خدمة وطنه وممارسة حقوقه الدستورية والقانونية ، ومن الخطأ أن يتصور النظام أن الامتيازات المادية كافية لوحدها لعودة العقول إلى العراق أو استمرار بقائها.
فالاستقرار السياسي انهار بعد نكث العهود والتنصل من اتفاقية آذار 1970 التي أعطت الأكراد بعضا من حقوقهم المشروعة في العيش الكريم كعراقيين ثم انهارت الجبهة الوطنية مع الشيوعيين
وجرت سلسلة من الإجراءات والتصفيات الدموية قبل وبعد استلام الطاغية صدام للسلطة عام 1979 جعل من العراق سجنا كبيرا تنعدم فيه الحرية ويسود فيه شريعة الغاب وينعدم فيه احترام الدستور والقانون.
فكم من العلماء والمفكرين ومن الصحاب العقول ومن الطلبة اعدم لوجود أسباب تافهة أو
لوشاية أو لرأيه السياسي المناهض أو لرفض الحرب ، وكم منهم من اختفى ولا يعرف مصيره
حتى الآن ومنهم من فصل من عملة أو عوقب دون ذنب أو أحيل على التقاعد في وقت مبكر
عقابا له وهناك مئات الأسماء من الأكاديميين والمفكرين ممن تعرضوا لصنوف الظلم
والاضطهاد الذي لم يشهد التاريخ له نظيرا في أسوء البلدان ذات الأنظمة الدكتاتورية.
وقد تكشفت كثير من الوثائق والافلام عن جرائم هذا النظام الهمجي المتخلف مما يستوجي
العقاب على المسؤولين عن هذه الجرائم.
وحين اشعل الطاغية نار الحرب العراقية – الإيرانية عام 1980 تعطلت القوانين وسادت الاستثناءات والقرارات الخاصة وانتشرت قوانين عسكرة الدولة والمجتمع مما ترك أثرة البليغ على هجرة العقول التي لا يمكن أن تعيش في ظل أجواء الحروب وفقدان سلطة القانون. فهذه الطاقات تستطيع أن تبدع وتعمل وتفكر حين تعيش في ظل مجتمع مدني واستقرار ودولة تحترم الإنسان والحقوق والاتفاقيات الدولية. وقد تعرض العديد من العلماء والمفكرين للاعتقال من الحرم الجامعي أو من بيته أو للملاحقة وبعضهم اختفى من الوجود ونذكر مثلا الأستاذ الدكتور صفاء الحافظ ، وغيرة كثيرون ، بينما تمكن البعض الأخر من مغادرة العراق بطرق مختلفة حفاظا على روحه وبحثا عن الأمان والحرية والاستقرار وهم يتذكرون الآن كوابيس القسوة وصنوف العذاب الذي تعرضوا له في العراق من النظام دون احترام للعمر والمكانة العلمية والحقوق الإنسانية.
وقد سيق العديد من حملة الشهادات العليا والأطباء والمهندسين والعقول في مختلف التخصصات إلى محرقة الحرب العرقية – الإيرانية تحت اسم الدفاع عن الوطن من الخطر الخارجي وقد دفع الشعب الكوردي والكورد الفيلية والشيعة عموما ثمنا باهضا في هذه الحرب الطائفية التي اشعل فتيلها المجرم صدام.
وقدم المجتمع العراقي حوالي مليون إنسان ضحية لحرب لا طعم لها ولا لون أو رائحة. وهذه الحرب – بكل أثارها المدمرة – دفعت بالكثير من العراقيين – وخاصة الشباب
– إلى ترك العراق بحثا عن الأمان والحرية والعيش بسلام في ظل مجتمع مدني ودولة قائمة على المؤسسات الدستورية تحترم تعددية الآراء
وتطبق القانون دون تمييز بين البشر. إذ لا يعقل أن يساق مثلا أساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء والصيادلة وغيرهم من الطاقات إلى التجمعات والمسيرات أو الحراسات أو معسكرات الجيش الشعبي أثناء العطل أو الدوام بحجة الدفاع عن العراق ضد العدو ! حيث قتل العديد من هؤلاء بدون ذنب ودون قضية وهي خسارة بليغة للعراق وللإنسانية. كما تعرض مئات الالاف من العراقيين الى حملات التهجير والترحيل القسري والابعاد..
إلا إن المشكلة التي دفعت بالعراق إلى الهاوية وإلى نفق طويل مظلم بسبب التفرد
بالرأي والنظام الشمولي المطلق وعدم الاستفادة من الدروس والعبر مما سبب اكبر هجرة
للعقول من العراق هي احتلال دولة الكويت عام 1990 وما تبع ذلك من الآثار ما بعد هذا
الاحتلال والذي لم يكن للشعب العراقي رأي فيه. فهناك العديد من الأسباب التي دفعت
بهذه الطاقات إلى ترك العراق وتفضيل العيش في المنفى على العيش في الوطن طوعا أو
قهرا. فالحريات بوجه عام والحريات الأكاديمية بوجه خاص لا توجد مطلقا في العراق منذ
عام 1968 وحتى تاريخ سقوط النظام في 9 نيسان 2003 وهي خرق واضح للمادة 26 من
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وافق علية العراق.
فالحرية الأكاديمية إحدى أهم الحقوق الأساسية للبشر المعتمدة من منظمة اليونسكو وبدونها لا يمكن أن نتصور وجود مجتمع أنساني متطور وفاعل ومتفاعل. فالحرية هي الحياة والحياة هي الحرية وقد خلق الله البشر أحرارا ولهذا فان من اكبر الأخطاء ممارسة فرض العقيدة بالقوة أو بالترغيب والترهيب على أي إنسان ومن باب أولى على الشباب والمفكرين والمبدعين والعلماء العراقيين أيا كان موقعهم.
وهو ما لم يتعظ منة النظام في العراق حتى الآن فالقوة ربما تصنع الخوف لكنها لا
تصنع الاحترام ، كما أن الظلم إذا ساد دمر ، ونتائج الظلم الخراب.
ثم أن شيوع أسلوب الترغيب والترهيب والقوه أو أسلوب التخويف لتطويع البشر وخاصة أصحاب العقول والشباب هو خرق وإهدار خطير لحقوق الإنسان. فالشعوب لا تبني تقدمها الحضاري والإنساني بهذا الأسلوب الذي اثبت فشلة من خلال تجارب التاريخ في ألمانيا ورومانيا ويوغسلافيا والاتحاد السوفيتي الذي انهار وغيرها من البلدان ذات النهج الدكتاتوري.
ولهذا فقد غادر العراق بعد رفع قيود السفر عن العراقيين عام 1991 مئات الآلاف من
أصحاب العقول ولمختلف التخصصات الدقيقة من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين
والجراحين والصيادلة وفنانين وكتاب وأدباء وغيرهم من الطاقات الكبيرة وقد احتل
الكثير منهم مواقع وظيفية وعلمية ممتازة ، بفعل قدراتهم العلمية، في المستشفيات
والجامعات والمؤسسات العلمية في أمريكا وأوربا والدول الاسكندنافية ونيوزلندا
وغيرها من بقاع العالم ولا أظن أن هناك إحصائية دقيقة عن عدد هذه الطاقات أو العقول
المهاجرة إلا أن من المؤكد أن العراق حقق أعلى رقم في عدد العقول المهاجرة بعد أن
كانت لبنان تحتل موقع الصدارة بسبب الحرب الأهلية في منتصف السبعينات. ونعتقد أن
إعلان الحكومة العراقية بان العدد المهاجر من هذه العقول هو مجرد 5000 آلاف شخص غير
صحيح ، وان الرقم الحقيقي اكبر من هذا بكثير.
وفي دراسة حديثة اعدت من الأستاذ الدكتور عبد الوهاب حومد ( أحد خبراء القانون العرب ) ونشرت في مجلة الحقوق
– الكويت – العدد الرابع 1999 جاء فيها ص16 (( ومن أسف أن ظاهرة الهجرة من الوطن تفشت في أقطار عربية عديدة ، وعلى سبيل المثال ، غادر العراق ما بين عامي 1991 و 1998 اكثر من 7350 عالما ، تلقفتهم دول أوربية ، وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها ، ومنهم 67% أساتذة جامعة و 23 % يعملون في مراكز أبحاث علمية ومن هذا العدد الضخم 83% درسوا في جامعات أوربية وأمريكية ، أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو في أوربا الشرقية ويعمل من هؤلاء في اختصاصهم 85%. )).
ثم يضيف الدكتور حومد (( وواضح أن تأهيل المهاجرين أو المهجرين عال جدا ، وقد أنفقت عليهم دولتهم الملايين من عرق الشعب ثم استثمرتهم الدول الأجنبية وهم في أرقى درجات التأهيل العلمي دون أن تتكلف شيئا. ولا يدخل في نطاق هذا البحث ، استقراء أسباب هذه الظاهرة المحزنة ، وحسبي أن أقول انه نزيف اليم للأدمغة الراقية ، تغادر بلادها التي هي في مسيس الحاجة إليها ، إلى بلاد هي في الأصل ليست في حاجة إليها ، ولكنها وجدتها رخيصة الثمن فرحبت بها.
ومن المؤكد أن للوضع الاقتصادي والنظام السياسي أثرا في غاية الوضوح )).
كما أن من الأسباب التي دفعت إلى الهجرة هي القيود الصارمة على السفر وهي مخالفة لحقوق الإنسان وللدستور العراقي النافذ وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان مما دفع الكثير من هؤلاء إلى الهرب أما عن طريق كردستان – حيث تنعدم السلطة المركزية – أو عن طريق تعديل المهنة أو تغيرها أو عن طريق الرشوة التي شاعت – مع الأسف – في العراق أو عن طريق الهرب إلى الأردن أو باسم آخر أومن خلال معاونة بعض المسؤولين المتعاطفين مع هؤلاء وغير ذلك من الطرق للخلاص من الوضع السياسي والاقتصادي وعموم المناخ الموجود في العراق في ظل النظام الحالي الذي دفع الإنسان من كارثة إلى أخرى. وبسبب استفحال هذه الظاهرة اصدر صدام قرار العفو عن هؤلاء للعودة إلى العراق لقاء عدم معاقبتهم عن تصرفهم في مغادرة العراق. إذ أن من حق البشر العيش بسلام والتنقل بحرية وتعديل الاسم أو تغييره أو في التعبير عن الآراء بصورة سلمية أو في تغيير مسكنة أو في اختيار طريقة العيش أو غير ذلك مما هو ثابت في الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية. وبالتالي لا تعد هذه الأفعال جريمة إلا في الدول التي لا تحترم قوانينها أو الاتفاقيات الدولية. إذ لو كانت حقوق الإنسان مصونة ومنها حقه في التنقل ، لما اقدم الشخص – أي شخص – على استخدام طرقا أخرى لمغادرة العراق أو عدم العودة للوطن.

الكورد الفيليون 1986 - الصورة بعدسة الدكتور الراحل علي باباخان
ولعل من اخطر المظاهر في الجامعات العراقية في عهد الطاغية المقبور شيوع سياسة التمييز الطائفي حسب العنصر أو العشيرة أو المذهب أو العرق أو الدين والتمييز في البعثات والايفادات والدورات وفي حضور المؤتمرات والوظائف خلافا للدستور
وللاتفاقيات الدولية ولحقوق المواطنة. بل أن انعدام المساواة في الدخل الشهري بين أصحاب ذات القدرة أو الكفاءة مخالفة خطيرة للدستور وللقوانين
والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتسبب الشعور بالظلم والتمرد. ويعود هذا الاختلاف إلى الانتماء للحزب أو للدور الأمني الذي يؤديه الأستاذ الجامعي أو عميد الكلية أو رئيس القسم الذي يغرد مع السرب الشمولي.
فالأستاذ البعثي يتميز براتب أعلى وامتيازات كبيرة وخاصة تختلف عن غير البعثي وهي
مخالفة خطيرة للدستور والقانون.
ومن أسباب الهجرة كذلك إجبار الإنسان العراقي وخاصة أصحاب العقول منهم على المشاركة في المسيرات والتظاهرات والمعسكرات
وحضور التجمعات السياسية وهي أعمال منافية للعمل الأكاديمي. إذ يجب أن يكون هناك فصل كبير بين العمل الأكاديمي
وحرية البحث وبين العمل السياسي وتسييس كل مؤسسات الدولة وعسكرتها. ويحضرني قول أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة عام 1990 حيث قال مخاطبا أساتذة الجامعات (( نحن لا نرغب بمن يفكر في عقلة وانما نريد من يفكر في قلبه معنا )). بل أن القيم الأكاديمية التي عرفت بها الجامعات العراقية انهارت تماما في العراق بعد عام 1990. مما دفع بالعديد من الأكاديميين إلى ترك العراق أو عدم العودة وظل الباقي يصارع من اجل البقاء.
أما الجامعات والمؤسسات العلمية فقد تحولت في عهد الطاغية صدام إلى مراكز أمنية ينتشر فيها المخبرون في كل زاوية بحجة حماية الأمن الوطني من الأعداء ففي جامعة الموصل مثلا كان يوجد سجن خاص
وغرف للتحقيق مع الطلبة والأساتذة المشكوك في ولائهم أو ممن وردت عليهم تقارير حزبية أو وشايات وهناك مكاتب دائمة لضباط الأمن داخل الحرم الجامعي والمؤسسات العلمية.
هذا عدا حجب جميع وسائل الاتصال مع العالم الخارجي مثل الانترنيت والكومبيوتر
والفاكس والاشتراك في المجلات والصحف العربية والأجنبية وفرض الرقابة على المراسلات
والكتب الواردة أو الصادرة وتحريم الاتصال مع الأساتذة الأجانب أو العرب. بينما
نعتقد أن من الحكمة التعلم من تجارب الشعوب وخبرات الدول في طرق التعامل مع علمائها
ومفكريها وشبابها وفي كيفية بناء مجتمعاتها بما يتلاءم مع العادات والتقاليد.
ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه ، فقد اعدم سقراط بتهمة إفساد عقول الشباب حينما ناقش طرقا غير مألوفة في تحديد مفهوم الديمقراطية ولهذا ضاقت الدنيا في نفس أفلاطون بعد إعدام سقراط فهجر أثينا إلى كثير من البلدان هربا من الطغيان والظلم
الذي لم يسلم منه. فقد عرف جيدا كيف يعيش الطغاة في بذخ وظلم وعدوان وحرس وظلام ووشاة ومنافقين واكتشف أن الطغاة لا يحترمون القوانين لأنها تقييد سلطاتهم المطلقة.
وقد اكتشف أفلاطون كراهية الطاغية للعلماء والمفكرين وحبة للدجالين والمنافقين.
فالجامعات والمؤسسات العلمية العراقية تحولت في عهد الدكتاتورية من مراكز للبحوث وتطوير الدولة والمجتمع إلى ذيل تابع للمؤسسة العسكرية للدولة وللنظام الشمولي ولهذا يجري تعين عميد الكلية
ورئيس القسم ورئيس الجامعة دون انتخاب ويبقى في منصبة قد يطول إلى اكثر من عشرين سنة !! ويصبح رضى الرئيس عن المرؤوس غاية المنى.
كما لا يمكن لأي أستاذ أو عالم أو مفكر أن يشغل منصبا ما أو يعمل أو ينشر كتابا أو
بحثا قبل فحص فكرة وولائه ومدى سلامته الفكرية. ونشير هنا إلى انه ليس من الغريب أن
يحتل أحد مجرمي النظام الدكتاتوري منصبا دوليا رفيعا للدفاع عن حقوق الإنسان مثلا ،
بعد أن تتعمد أياديه بدم الأبرياء من أبناء العراق الأحرار مكافئة له.
ثم أن النشاط العلمي من تأليف الكتب والبحوث وحتى المحاضرات العلمية تخضع لرقابة شديدة وقيود عديدة يحرم فيها الإنسان من حقه في الكتابة والكلام والإبداع وفيما يخص سياسة القبول في الجامعات فان المقدرة لم تكن هي الأساس وإنما الولاء
والعلامات التي تمنح للطالب عن المشاركة في الاتحاد الوطني أو المشاركة في المعسكرات أو الحروب أو لابناء أصدقاء الرئيس وغير ذلك.
ويتمتع أبناء المسؤولين أو المسؤولين من الطلبة بامتيازات كبيرة وهم يمارسون سياسة
الترغيب والترهيب في ممارسة الضغط على أساتذة الجامعات للحصول على النجاح دون حق.
حلول هجرة العقول وضمان عودتها للعراق
أن الشعوب التي تحترم علمائها ومفكريها وخبراتها الوطنية وتوفر لهم كل الظروف المناسبة للإبداع والعمل الحر هي شعوب حية
ومتطورة تخلق في نفوس أبنائها الثقة والإخلاص والتفاني من اجل سعادة الإنسان ، والامه التي تكرم عقولها تكون قوية بهم ، ولهذا فان احترام الإنسان أولا وتوفير المناخ الملائم ، من احترام للقانون وتطبيقه بصورة عادلة وتوفير ضمانات للتقاضي واستقرار سياسي ومورد مالي دائم ومناسب لكل إنسان وتعددية سياسية وديمقراطية ، هي الكفيلة وحدها بعودة هذه العقول إلى أعشاشها لتخدم أوطانها وليست أساليب القمع أو الترهيب
والترغيب أو قرارات العفو أو السماح ببعض الامتيازات المالية التي هي أساسية لكل إنسان في الحياة العصرية.
لقد أصبحت لدى العديد من الدول تقاليد راسخة لتكريم علمائها سنويا بكل صنوف التقدير
والاحترام التي ترسخ روح المواطنة والانتماء حتى لمن لا يحمل جنسية هذه الدول أو
ممن جاء مهاجرا لها ، ولا يمكن البحث عن عنصر الإنسان أو عن دينة أو معتقدة أو لونه
أو مذهبة أو أراءه… فالبشر سواسية في القيمة الإنسانية والعالم اصبح قرية صغيرة
بفعل عوامل متعددة والاختلاف في المذاهب واللون والرأي والجنس والعادات ضرورة في
الحياة وقضية طبيعية.
ولابد من تأسيس مجمع علمي أو مؤسسة علمية لتكريم العقول والعلماء والاستفادة من
تجارب الشعوب كالشعب السويدي الذي يكرم العلماء سنويا في يوم العالم الشهير (
Nobel ) وهو العاشر من ديسمبر من كل عام.
وقد كشفت تجارب التاريخ – وقوانين الحياة – أن العراق ليس ملكا لشخص أو عائلة أو عشيرة أو جماعة ، وإنما هو ملك لكل العراقيين في حاضر هم ومستقبلهم وأن التاريخ يخلد كل من يخدم وطنه في بناء السلام
والتآخي والمحبة والعدل والعدالة وفي تطور المجتمع ودفعة إلى إمام بما يتناسب والقيمة العظيمة للإنسان… وبما يحقق إسعاد الإنسان.
وأضحت الدول التي تحترم القانون تسعى إلى توفير افضل وسائل العيش للبشر فالأنظمة
زائلة والشعوب باقية.
فالعامل الاقتصادي وان كان مهما في دفع العديد من هذه العقول للمغادرة من العراق –
بعد انهيار الدخول والتضخم الاقتصادي البليغ – إلا انه ليس هو السبب الرئيسي ،لان
للعامل السياسي ولاحترام حقوق الإنسان واحترام القوانين ولضمانات التقاضي وقواعد
العدالة ولعوامل أخرى غيرها دورها الكبير في دفع هذه الإعداد الغفيرة إلى البحث عن
ملاذ أخر للعيش بحرية وأمان واستقرار لممارسة الدور الإنساني والفكري والعلمي في
الحياة.
فالعراق - طبقا لتقرير الهيئة المشكلة من مجلس الأمن الدولي لتقييم الوضع الإنساني في كانون الثاني 1997 – بات ألان من أعلى البلدان التي تحصل فيها معدل الوفيات للأطفال في العالم وان نسبة السكان الذين يستطيعون بصورة منتظمة الحصول على مياه نقية لا تزيد على 41 % وان اعتماد السكان على الإمدادات الإنسانية قد زاد من سيطرة الحكومة على مقدراتهم. وهذا يعود إلى أثار الحرب
ولعقوبات مجلس الأمن. وهذه كلها من العوامل التي دفعت إلى الهجرة من العراق أو عدم
العودة إلية.
كما تحولت الكليات في الجامعات العراقية – بفعل سياسة نظام صدام الفاشلة – إلى مراكز لبيع الحليب والبيض ومشتقات الألبان والمواد الغذائية ، فصار الأستاذ الجامعي – مثلا – يلهث وراء توفير لقمة العيش للأولاد تحت البرد والحر في الكلية أو مكان العمل بدلا من الاهتمام بالعلم
والبحث العلمي. وكم من منظر أو مشهد مؤلم لم تتمكن الصحافة من تصويره في تدافع
الاساتذه الجامعيين مع الطلبه في الحصول على المواد الغذائية أو الأرزاق في
المعسكرات وهو ما يهدم كل القيم الإنسانية والأعراف والقيم الأكاديمية وهي الغاية
المطلوبة من نظام دكتاتوري اغرق العراق في بحر من المشاكل ووهم من انتصارات زائفة
لا يمكن معالجتها إلا بعد قرون من التضحيات.
ومن جهة أخرى لابد من التذكير
أن مما يهدر الحرية الأكاديمية في العراق هو إجبار النظام على اعتماد سياسة الكتاب
المنهجي في الجامعات والمعاهد قاتلا بذلك روح المنافسة والإبداع والتأليف وهي سياسة
خاطئة تتناقض والحرية الفكرية وحرية الرأي والمناقشة والرأي الأخر.
2- الاعتذار من الكورد الفيلية والمسفرين وتسهيل عودتهم واعادة ممتلكاتهم
ان من اولى مهام مجلس الحكم الموقر والحكم الجديد رفيع الحيف والظلم عن الكورد الفيلية والمسفرين وعن كل العراقيين المتضررين من جرائم نظام صدام وتسهيل عودتهم لوطنهم العراق. ولابد من تعويض كل عراقي متضرر من نظام صدام المقبور فهناك مئات الالاف من ضحايا النظام سواء من العوائل المتضررة في حلبجة بعد ضربها بالسلاح الكيماوي ومن عوائل المؤتفلين والمختفين في سجون النظام المقبور ومن ابناء الشهداء في وسط وجنوب العراق حيث المقابر الجماعية التي تكتشف يوميا خير دليل على بشاعة جرائم نظام صدام الذي قام بسلب الاموال او مصادرتها او سرقتها من اصحابها الشرعيين وطرد اهلها من العراقيين خارج الحدود او دفعهم الى الهجرة خلافا لكل القيم الانسانية وللقوانين السماوية والوضعية ، الامر الذي يوجب الاعتذار من هؤلاء العراقييين وبخاصة الكورد والكورد الفيلية وتعويض جميع العراقيين المتضررين من خزينة الدولة لكي يخفف من الالم الذي تعرضوا له ويسهموا في بناء وطنهم. كما لابد من تسهيل عودة اللاجئين واعادة المرحلين قسرا ضحايا سياسة التعريب والصهر القومي في مناطق كوردستان وبخاصة في مناطق كركوك وخانقين ومندلي وزرباطية وغيرها من المناطق التي مارس نظام صدام فيها ابشع اساليب الظلم والسياسة النازية البعثية.
ان بناء دولة المؤسسات الدستورية الفيدرالية تتطلب اولا صياغة الدستور الدائم
واعداد الاحصاء السكاني وحل مشكلات العراق الاساسية واحترام حقوق الانسان ونشر
ثقافة الحوار والتسامح القومي والديني وتوسيع المشاركة السياسية من خلال النظام
الفيدرالية باعادة هيكلة الدولة العراقية من دولو بسيطة مركزة الى دولة مركبة تقوم
على الاتحاد الاختياري لرسم السلم وترسيخ الامن والاستقرار وبناء الديمقراطية
والمجتمع المدني في العراق.
المصدر: صحيفة كوردستان اليوم
www.kurdistanalyoum.com/page-6.pdf
www.kurdistanalyoum.com/page-7.pdf