فرح وغضب.. ودوامة أحاسيس متضاربة!

سناء الحديثي، مديرة تحرير مجلة «الجميلة»
جريدة الشرق الاوسط، 23/12/2003

بعض الأخبار ليس من السهل ابتلاعها، تحتاج الى بعض الوقت لاستيعابها. بالنسبة لي، كان خبر القبض على الدكتاتور المخلوع والهارب، صدام حسين، من هذا النوع. فجأة وجدت نفسي في دوامة خليط من المشاعر عشته مع الاعلان النهائي عن نهاية الطاغية. كنت اقود سيارتي في طريقي الى السوق عندما انهالت اتصالات العائلة والأصدقاء تنقل «البشرى». بداية، لم أصدق ما سمعت، وأحسست للوهلة الأولى كما لو انني مصابة بالطرش، او ان ما اسمع ليس الا مجرد اشاعة استفزازية مثل باقي الاشاعات. أدركت انه حدث سيستغرق بعض الوقت لاستيعابه. تساءلت: هل يمكن ان يصبح هذا الحلم بالتحديد حقيقة؟ وأجبت: اذا كان كذلك فهذا يوم التحرير الحقيقي، انه يوم تحرير النفوس خصوصا، ومن واجب العراقيين أن يجعلوه يوم عيد يحتفلون به كل سنة.
غيرت اتجاه سيارتي عائدة الى البيت لأشاهد بأم عيني. عندما جلست اشاهد واتابع مشاهد الحدث بدأت اشعر أن فرحتي اخذت تتلاشى. لم تدم طويلاً. ولن اخجل هنا ان اعلن حقيقة مشاعري. لقد شعرت بالذل والاهانة. لماذا يصر هذا الرجل على اذلالنا لآخر لحظة؟
كوني عراقية، ومن جيلي تحديداً، يكفي لانضمامي الى لائحة ضحايا نظام صدام حسين. اقول هذا رغم ان عائلتي ما زالت على قيد الحياة، فخسائرنا اقتصرت على السجن ومصادرة الاموال والتعذيب والهجرة. حقاً، عائلتي محظوظة مقارنة بغيرها من العائلات العراقية الكثيرة التي قاست الموت الجماعي والتهجير الجماعي.
خلال مشاهدتي صور «القائد الضرورة» تعرض على الشاشات مرة بعد اخرى، خطر لي السؤال نفسه الذي خطر بالتأكيد لكل عراقي: كيف لي ان انتقم من هذا الذي كان حتى الامس طاغية جباراً؟
كيف لي ان آخذ بثأر شعبي الجريح؟ بيد انني لا اخفي دهشتي من نفسي، إذ جاءني الجواب من داخلي: من المؤكد انني لا اتمنى له عقوبة الاعدام، ولا حتى عرضه في حديقة الحيوان!
ترى، كم مرة يجب ان يعاد اعدامه حتى تتحقق العدالة لكل الذين اعدمهم صدام حسين ظلماً؟ كم سيتحمل جسده العجوز من التعذيب والاهانة والذل لكي تتحقق العدالة لهؤلاء الذين عذبوا؟ كيف نجعله يعيش مشاعر الخوف والرعب التي غرسها في نفس كل واحد منا كل هذا الوقت؟ كم مرة علينا ان نحكم عليه بالسجن المؤبد لنلملم جراح هذه الأمة، ونستعيد ولو بعضاً من كرامتها؟ كم من مليارات الدولارات عليه ان يسدد غرامات لامعانه في تخريب اقتصاد بلد ثري وتدمير بناه التحتية؟
الواقع ان كراهيتي له تتعدى بكثير الشعور بالانتقام. لكن مشاهدته على شاشات التلفزيون في تلك الحالة المزرية لا تشعرني بالفخر. ارفض استعراض قوتي على ضعيف، او عاجز، ثم ان استعراض القوة لا يعني بالضرورة القوة، بل قد يعني العكس.
أخيراً، بدأ شعور آخر يتسرب: لا اريد لهذا الرجل العجوز ان يموت الآن، اريده ان يدون اعترافاته، ان يقول لنا كيف ولماذا فعل ما فعل. انه مدين لنا بهذا. اتمنى ان تحلل شخصيته السايكوباثية، لا اريد له الموت، اريد للعالم ان يعرف سر هذه الظاهرة.
لكن، فجأة، اهتزت قناعتي من جديد. بعد ايام من دوامة المشاعر المتضاربة، من اثباط العزيمة واحباط الاحاسيس، انتهيت الى كوني انسانة ترفض مبدأ الانتقام، لا تقوى عليه، بل ان كل انواع الانتقام لا تكفي. ربما الطريقة الوحيدة لكي يندمل جرح الماضي البشع، والجرائم التي عاناها العراقيون، هي في التغلب على شعور الانتقام، والسمو على مشاعر الثأر.