الفرهود

حنان أتلاي، باحثة في مجموعة الليبراليين العراقيين
18/5/2003
www.arabynet.com/Article.asp?did=67777.EN

كثيرا ما كنت اتسائل عن يهودنا، يهود العراق، لماذا هاجروا العراق، وكلما فكرت بهذا الموضوع شعرت بشئ من الغرابة...

كثيرا ما كنت اتسائل عن يهودنا، يهود العراق، لماذا هاجروا العراق، وكلما فكرت بهذا الموضوع شعرت بشئ من الغرابة. هل هو ضعف في المشاعر الوطنية وقلة الولاء للعراق دفعهم الى ان يتركوا بلدهم ليستقروا في اسرائيل. كل تساؤلاتي كانت تجابه جدارا من الصمت.

لولا حكايات المسنين التي كانت احيانا تتضمن ذكر يهود العراق لما كنت ساعرف حينها شيئا عنهم، كحكاية تاجر الشاي اليهودي في البصرة ، كان خال والدتي يقصها في حديثه عن الذكاء في التجارة ، يقول ان هذا التاجر اليهودي كان يبيع الشاي بسعر اقل من اي تاجر في السوق وعندما ازداد فضول الناس في امره اكتشفوا بعد البحث بانه يعوض ما يفقده من الربح في الاسعار ببيع صناديق الشاي الخشبية، لان زبائنه كانوا من الكثرة تجعل عدد الصناديق الفارغة لاباس به، مما ادى ان يترك التجار الاخرون بيع الشاي وبعد ان اصبح الوحيد في السوق كان بامكانه ان يتحكم بالسعر !

شئ اخر كان يقودني للتفكيربامر يهود العراق ، في الحقيقة هو شئ مخجل ولا اعتقد ان احد قبلي سمح لقلمه ان يتناوله . ولكنه واقع ويجب مجابهته من اجل التخلص من عقدته ( طريقة فعالة في المعالجة النفسية لعقد يولدها الشعور بالذنب ). في العراق نعرف هذه المقولة : كاتللك يهودي ( هل قتلت يهوديا؟ ) لمن يفاجئنا بمشتريات كثيرة وانفاق اموال على غير المعتاد. لم يجبني احد حينها على تساؤلاتي عن مصدر المقولة.

ولكن ها انا اليوم اكتشف الحقيقة المرة. وكان لنا جارة مسنة ابنها مصاب بالشلل وكان يطلب من والدته ان تجلسه امام الباب في ساعة مبكرة من كل صباح لكي يقول صباح الخير للمارة من الجيران ومرة سمعت احدا يقول بانها يهودية ، عندما ذكرت الامرا لوالدتي حذرتني بشكل قاطع ان لا اتفوه بشئ كهذا مرة اخرىلانه قد يسبب متاعب لجارتنا ام نبيل. هذا كل ما تحمله ذاكرتي عن يهود العراق وكان علي ان ابحث بنفسي عن المزيد من الحقائق او على الاقل ما تدون من وقائع لان الفضول كما يبدوا طبيعة مترسخة لدي.

زمن الفرهود : تصاعد العداء ضد اليهود في اوربا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن الماضي مما دفع بهم، اي اليهود الى السعي الجاد من اجل الحصول على وطن لهم يقيمون فيه . الصهيونية ظهرت على الخارطة السياسية على يد الصحفي النمساوي ثيودور هرزل الذي اعلن في سنة 1896 عن الوضعية الحرجة التي كانت تواجه اليهود في اوربا بشكل تساؤل: " هل سنخرج من هذا المكان ؟ و الى اين ؟ ام هل سنبقى ولكن الى متى ؟ " واجاب بنفسه على هذا التساؤل: " اليهود هم امة ويجب ان يكون لهم دولة " تأسيس الحركة الصهيونية قاد في النهاية الى تأسيس اول دولة يهودية معاصرة على ارض فلسطين التي كانت حينها تابعة للدولة العثمانية.

ولكن اليهود كانوا يناقشون عدد من البدائل لكي تكون احدهما مكانا لدولتهم وكان من تلك الاختيارات سيناء ، قبرص وحتى اوغندا . ولكن بروفسور حاييم وايزمن ، فيما بعد اول رئيس دولة لاسرائيل، استطاع انتزاع وعد بلفور من الانكليز عام 1917 باقامة دولة لليهود في اسرائيل. حيث بدأ تشجيع اليهود من دول العالم المختلفة على الهجرة الى فلسطين . جرائم هتلر وموسوليني ضد اليهود دفعت بيهود اوربا الى التدفق للالتجاء الى بريطانيا الامر الذي لم يكن يروق للانكليز. مما حبب لهم اكثر فكرة ان يكون لليهود دولة (4).

اما التزامن في نمو الايديولوجية القومية العربية الذي ولده تصاعد المقاومة للاحتلال الاوربي ( الانكليزي والفرنسي والايطالي ) في النصف الاول من القرن الماضي مع الظلم النازي ليهود اوربا وابادتهم لهم فانه لم يكن مقصودا من قبل جهة ما وانما تصادف اعتباطي ولدته السياسات التي اعتادت اوربا اتباعها لتامين مصالحها والقاء تبعة اعمالها على الاخرين وازدواجيتها في تطبيق مفاهيم العصر في الحرية والمساواة وحقوق الانسان.

الظروف التي هيأت المناخ للفرهود: السياسة التي اتبعها الانكليز في العراق اثناء فترة احتلالهم في قمع القطاعات الواسعة للشعب العراقي يقابله تقريب اليهود وتفضيلهم على سائر الشعب بحيث اصبح اليهود العراقيين يشعرون بامان كبير في ظل الاحتلال الانكليزي وكانهم تبعة او جالية انكليزيه و مارسوا تجارتهم واعمالهم بحرية كبيرة وشغلوا مناصب مهمة وتمتعوا بافضلية في الوضائف الحكومية. وهذا كان يستفز بقية الشعب العراقي وهي الاكثرية التي كانت تقاوم الانكليزبسبب احتلالهم للبلاد.

سياسة الانكليز هذه جعلت اليهود العراقيين في الجانب الاخر في مقاومة الشعب العراقي للاحتلال الاجنبي . ف. كروبا (Fritz Grobba) الممثل الدبلماسي الالماني في منطقة الشرق الاوسط في سنوات 1932 ـ1939 كان يبذل جهودا استثنائية في هذا المجال مما جعله يحضى بمكانة جيدة بين القوميين العرب. كان يركز جهوده بشكل خاص للتاثير على السياسيين في العراق لكسب تعاطفهم مع النظام النازي فقد كان يراس مجموعة اخصائيين في امور الشرق الاوسط في الخارجية الالمانية. وقد لعب دورا رئيسيا في تحريض العراقيين ضد يهودهم وكان ينفق الاموال بسخاء في نشر الكتب والافلام بهذا الصدد. امور في غاية التشابك. هناك كثير من الاسئلة تتعلق بحادثة الفرهود بقيت بدون جواب ، مثلا لماذا بقيت القوات الانكليزية المتواجدة في ضواحي بغداد متفرجة على اعمال النهب والقتل في حين كان في الامكان التدخل لمنع الفوضى؟

(5) ـ هذا التزامن بين ظهور الحركة القومية للعرب في ظروف مقاومتهم للاحتلال الاجنبي وبين الظلم الالماني لليهود وظهور اسرائيل على ارض فلسطين كنتيجة مباشرة لاعمال الابادة لليهود في اوربا حولت مجرى الكوارث من اوربا الى الشرق الاوسط بالرغم من ان العرب لم يكونوا طرفا فيها . العداء التقليدي بين الالمان والانكليز ، احتلال الانكليز للعراق ودعمهم ليهوده في حين كانت بقية قطاعات الشعب تقاوم الاحتلال ولتعزيز لقدرتها في مواجهة الاحتلال الانكليزي حاولت اقسام من قطاعات الشعب التعاون مع الالمان لدحر الانكليز وكانهم شركاء لهم في اعمال الابادة. في حين ليست هناك اية رابطة بين السياسة النازية والابادة المستندة على التمييز العنصري في اوربا وبين مقاومة العراقيين والعرب بشكل عام للاحتلال الاجنبي. ومع ذلك فقد التقتا في تزامن سئ اثناء الحرب بين الانكليز والعراقيين وكان نتيجتها الفرهود الذي تعرض له يهود العراق في سنة 1941.

عداء العرب لليهود هو بسبب القضية الفلسطينية وليس نتيجة ايديولوجية عنصرية كما هو الحال مع المانيا. ولكن مجموعة من الالمان نجحت في توظيف اتجاه العرب المعادي للصهيونية والذي سببته القضية الفلسطينية التي لم تكن تعني الالمان بشئ لصالحهم ودفعوا بهم لان يكونوا شركاء لهم في جرائمهم .

يوميات الفرهود : ـ هذا الاستطلاع في حادثة الفرهود الذي تعرض له يهود العراق الغرض منه هو التذكر من اجل تفادي تكرره في المستقبل(1). عاش اليهود على ارض العراق ما يزيد على 2400 سنة وقد تعامل المسلمون معهم باعتدال وفيما عدا بعض الامور من وقت لاخر من حوادث الاعتداء والسخرية كاسقاط الفيز الذي يرتديه الرجل اليهودي من على رلسه وهو ماشي في الطريق فان حادثة الفرهود في عام 1941 هي الحادثة الوحيدة بهذا الحجم والجدية. عاش اليهود بالدرجة الرئيسية في بغداد حتى عام 1870 حينها بدأوا بالانتقال الى مدن الموصل ، العمارة، الفلوجة ، علي الغربي، قلعة صالح والبصرة. ـ الاول من نيسان عام 1941 ، قوات من الجيش تحاصر القصر الملكي. ولي العهد يهرب بمعيته الى الحبانية.ومن هناك الى البصرة ثم عمان. ـ 3 نيسان ، رشيد علي الكيلاني المعلروف بولائه للنازية يقود انقلابا عسكريا ، ينحي ولي العهد الهارب ويضع العراق تحت حكم زمرة عسكرية موالية لالمانيا النازية. مجموعة من الغوغاء والطلبة تتظاهر في شوارع بغداد ضد الانكليز واليهود. صحبتها اعمال نهب وضرب لليهود في بغداد والموصل وكركوك واربيل والبصرة والعمارة والفلوجة. ولكن اعمال القتل حدثت في بغداد فقط.

30 مايس 1941 ، رئيس المجموعة الموالية للنازية يونس السبعاوي يعلن نفسه واليا للمنطقة الجنوبية من العراق . يامر الجماعات اليهودية من خلال الحاخام ساسون خدوري بان يلتزموا بيوتهم ايام السبت 31 مايس ، و الاول والثاني من حزيران وهي من اعياد اليهود، كان ينوي ابادتهم بتسليط تنظيمات الشباب النازية التي كان هو يقودها عليهم. ولكن وبقدرة قادر تم ابعاد السبعاوي الى الحدود الايرانية في اليوم نفسه.

31 مايس 1941، اعلن بان ولي العهد ومعيته سيعود الى بغداد اليوم التالي. 1 حزيران 1941، اليوم الاول من عيد السبوت(2) لليهود : الاعلان عن توجه الجماعات اليهودية الى المطار للترحيب بعودة ولي العهد. وفي طريق عودتهم هوجموا على جسر الخر من قبل جنود ومدنيين. قتل يهودي واحد وجرح اخرين تم نقلهم الى المستشفى . في اليوم نفسه حدثت اعمال قتل ومهاجمة لليهود في الرصافة ومناطق اخرى استمرت حتى الساعة العاشرة مساءا. قتل خلالها عدد من اليهود بشكل عشوائي وجرح المئات ويقال بانه حدثت اعمال اغتصاب لاطفال ونساء على مرأى من ذويهم. اطفال تم سحقهم ، بيوت احرقت ، نهب وسلب ..الخ.

2 حزيران 1941، شرطة وجنود وناس من سكنة المناطق الفقيرة في الكرخ انضمت الى مسرح الاحداث للمشاركة في اعمال التقتيل والنهب و السلب في كل مكان. وفي الساعة الخامسة عصرا اعلن منع التجول وان كل من يخرج للشارع سيتعرض للرمي بالرصاص. التقارير المتعلقة بالاحداث متباينة، البعض يقول ان عدد القتلى 189 ،والبعض يذهب الى حد المبالغة بالرقم فيقول بانه وصل الى الالف ولكن يبدو ان العدد الحقيقي 400 قتيل والعديد من الجرحى والكثير من اعمال النهب والسلب. ـ الكثير من العراقيين فتحوا بيوتهم لحماية اليهود المنكوبين واطعامهم حتى ان البعض كان يعتذر عن عن عدم تقديمه كوشير لضيوفهم (3).

في البصرة تم التصدي للناهبين من قبل المسلم صالح باشايان الذي عين جماعة من رجاله لحماية اليهود وممتلكاتهم. سليمة مراد، هل تتذكرون صوتها؟ انا لا اتذكره ولكن اتذكر جدتي كانت تتبتهج كثيرا عندما تسمعها على الراديو او التلفزيون، سليمة مراد يهودية بقيت في العراق كما هو الامر مع سلطانه يوسف وناظمة ابراهيم ، كانت التقاليد في المجتمع العراقي لا تسمح للعوائل الجيدة ان تشجع فتياتها لان يحترفن الغناء ولكن سليمة مراد كانت محترمة جدا، ويذكر بانها كانت تساعد ماديا اصحاب المواهب من الشباب في اكمال تعليمهم . كذلك اغلب العازفين كانوا من اليهود ، كانت اوركسترا محمد الكوبانجي التي رافقته الى مهرجان القاهرة في 1932 كلها من اليهود ، حينها حصلوا على جائزة من الملك فؤاد. ويقال بان النوادي الثمانية في بغداد وكذلك دار الاذاعة لم يكون يقدموا عزف حي على الهواء في ايام الاعياد اليهودية لكون اغلب العازفين في عطلة.

ان اليهود سكنوا العراق قبل العرب بكثير وبعد الفتوحات العربية اتقنوا اللغة العربية بشكل جيد وساهموا في اغلب مجالات العمل والحياة العامة وقد حضوا بدرجة كبيرة من لاحترام والمعاملة الجيدة من قبل الخلفاء المسلمين.

والان وفي هذه الايام وبعد ان تخلصنا من الطاغية واعوانه ومع انه مازال امامنا اشواطا طويلة من اجل وضع اسس المجتمع الديمقراطي في العراق الذي هو حلم كل عراقي بدانا نسمع ونقرأ عن رغبة يهود العراق في العودة الى العراق، وكانت ردود الفعل لدى العراقيين بانه "ولم لا " واي شئ اكثر طبيعية من هذا. ولكني اود التريث قبل ان ادعوهم للعودة.

انا اود ان تكون الظروف افضل وهناك ضمانات قوية بان لا تتكرر الاحداث المؤسفة لا سمح الله. قبل ان ياتوا ارى من الضروري ان تكون هناك علاقات دبلوماسية طبيعية مع اسرائيل مهما اختلف الاشخاص في رايهم بشان العلاقات الاسرائيلية الفلسطينية فهذه الاختلافات ستاخذ مجراها السلمي في ظل الحياة الديمقراطية وليس استمرارا للاساليب المتبعة في الدول العربية التي لا تغني وهي عبارة عن كيل الشتائم لاسرائيل طيلة اليوم، كيف سيشعر اليهودي حينها يكفي ان يضع المرؤ نفسه مكانهم بعض الوقت ليتصور. ولكنني شخصيا ارحب بفكرة عودة يهودنا فبدونهم لا تكتمل موزائيكية المجتمع العراقي وليساهموا بكفائاتهم في بناء عراق جديد مشرق فيه سلام.