العراق من حكم الاستبداد الى دولة القانون
الدكتور منذر الفضل
alfadhal@hotmail.com
23/12/2003
يمكن القول ، من الناحية القانونية ، بأن أي مسؤول عراقي متهم بجرائم حرب او جرائم ضد الانسانية او جرائم ابادة الجنس او غيرها من الجرائم العمدية الخطيرة يمكن القاء القبض عليه واحضارة أمام المحكمة العراقية المختصة بالجرائم ضد الانسانية ( والصحيح ان نقول أمام المحكمة العراقية المختصة بالجرائم الدولية ) التي شكلت مؤخرا في العراق واعلنها سماحة السيد عبد العزيز الحكيم رئيس مجلس الحكم الموقر يوم 10 كانون الاول 2003 ويكون ذلك عن طريق الشرطة الدولية وبالطرق القانونية المعروفة في العلاقات الدبلوماسية كما ان هناك اتفاقيات لتسليم المجرمين على مستوى جامعة الدول العرابية وعلى النطاق الدولي ايضا. وفعلا فقد وجدنا عدد من الاسماء للقادة العسكريين العراقيين مطلوبين للشرطة الدولية ووضعت صورهم وكامل المعلومات عنهم على موقع الشرطة الدولية على الانترنيت
، كما ان هناك بعض الدبلوماسيين السابقين ممن احتل مناصب مهمة في ظل النظام السابق اختلس الاموال بعد سقوط النظام وفر هاربا بها الى بعض دول الخليج واقام فيها ويمكن ملاحقته قانونيا واحضاره لغرض محاسبته واسترجاع الذاموال المختلسة منه .
http://www.interpol.int/public/Wanted/Notices/Data/2001/96/2001_37796.asp
ان عدد المسؤولين العراقيين المتهمين بجرائم ضد الاكراد وضد الشيعة في جنوب العراق ووسطة وضد عموم العراقيين يزيد عن عدد 55 شخصا
، حيث ان هذا العدد المذكور المعلن من سلطة التحالف هو ليس الا عبارة عن الاسماك الكبيرة التي يطلق عليها
بالمجموعة القذرة وان هناك عشرات الاسماء ممن تعمدت اياديهم بدم الضحايا من العسكريين ومسؤولي الاجهزة الامنية والاستخباراتية ومن الحزبين والمدنيين وغيرهم وسيكون للمحكمة المختصة القول الفصل في هذا الامر حيث ستقرر المحكمة المذكورة العقاب الذي يستحقونه مع الحكم بالتعويض للمتضررين عن الاذى الذي لحق بهم من هذه الجرائم البشعة منذ 17 تموز 1968 وحتى 1 مايس 2003.

ونشير الى ان الاستعانه بعدد من الخبراء القانونيين الاجانب لا يمس استقلالية المحكمة ولا يؤثر على قرارتها ولا ينقص من هيبتها بل على العكس من ذلك سوف يدعم الاجراءات والاحكام التي ستقررها المحكمة لا سيما وانها محاكمة علنية ومفتوحة وخاضعة للضوابط القانونية الدولية المتعارف عليها في الضمانات القانونية للمتهمين ، اثناء المحاكمة وما بعدها فهناك دليل دولي للمحاكمات العادلة ، ولن تكون هذه المحاكمة سياسية للانتقام من اركان النظام السابق وانما محاكمة قانونية عادلة تتناسب وما يتمتع به القضاء العراقي من امكانات عالية واستقلالية وقدرة علمية بعد ان تحرر من حكم الطاغية .وهي محاكمة لابد ان تخضع للقانون الوطني والقواعد الدولية لغرض انزال العقاب ضد أسوء المجرمين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

أكثر من 200 الف عراقي أختفى في القبور الجماعية في جنوب العراق
ونحن لا نحبذ بقاء سياسة عقوبة الاعدام و نأمل أن ترفع هذه العقوبة من كل التشريعات العراقية القادمة بعد زوال المرحلة الانتقالية الا ان المجموعة القذرة تستحق انزال عقوبة الاعدام لما فعلوه بالعراقيين من جرائم لم يشهد لها التاريخ مثيلا منذ نهاية الحكم النازي عام 1945 وذلك احتراما للرأي العام العراقي الذي لن يقبل بأقل من هذه العقوبة ، الا انه من الممكن رفع هذه العقوبة بعد الانتهاء من محاكمة اركان النظام السابق أي حين تؤسس مقومات دولة القانون والمجتمع المدني ، ونحن ضد سياسة الانتقام والثأر وما ستقرره المحكمة المختصة يجب ان نحترمه وستكون المحاكمة عادلة وضمن ضمانات قضائية دولية و يحضرها الاطراف ذات العلاقة مثل منظمة العفو الدولية وذوي الضحايا ومنظمات حقوق الانسان وغيرها. ونعتقد ان مفهوم المصالحة الوطنية لا يمكن ان تشمل المتهمين بالجرائم الدولية والجرائم العمدية الاخرى ويجب ان لايكون هذا المفهوم مدخلا لعودة نشاط الفكر النازي – العربي المتمثل بفكر صدام – البعث الاجرامي الذي سبب الكوارث للعراقيين ولشعوب المنطقة والعالم.

ضحايا الشعب الكوردي أكثر من 250 ألف جزء من قضايا محكمة جرائم الحرب العراقية
ونقول : اذا لم يجر تفعيل هذه المحاكمة سريعا فان عاصفة الثأر والانتقام ستجري رياحها في العراق خلافا لما هو مطلوب لبناء دولة المؤسسات القانونية وتفعيل دور القضاء العراقي ولن تعيق مجريات العدالة عمليات الاغتيالات لبعض القضاة الافاضل التي جرت قبل فترة في بعض المحافظات العراقية فالقضاء العراقي معروف بسمعته ونزاهته وقوته امام رياح الباطل. ولن يؤثر على مجريات المحاكمة غياب أي متهم ومنهم نائب رئيس النظام السابق وبعض الهاربين عن وجه العدالة حيث يمكن ان تجري المحاكمة غيابيا بحضور محام عنهم ويصدر الحكم غيابا عليهم الى ان يتم القاء القبض على هؤلاء الفارين وفقا للقانون العراقي نافذ المفعول .

الكورد الفيليون والمسفرون العراقيون هم أكثر من نصف مليون أنسان ضحايا الدكتاتورية
ولا مكان للتسامح او العفو عن هؤلاء المجرمين ولا توجد سلطة او جهة ما قادرة على العفو عن هؤلاء او منحهم حق اللجوء او ان يتذرعوا بوجود حصانة دستورية او قانونية لانهم من المجرمين الدوليين طبقا للاتفاقيات الدولية ذات الصلة ووفقا لقواعد القانون الدولي وهذه القوانين والاتقاقيات الدولية لا تجيز العفو عنهم بصورة صريحة ولا تسمح بمنحهم حق اللجوء في اية بقعة على الارض ولا يمكن لهم التذرع بالحصانة مهما كانت ونعتقد ان أفضل وقت للمحاكمة في 17 تموز 2004 والا فان الوضع الامني سوف يتعقد ودوامة العنف سوف تزداد والعراق بحاجة الى الاستقرار والسلم والامن وتفعيل دور القانون والاحترام الطوعي له وترسيخ قواعد حقوق الانسان وقد حان الوقت للانتقال من حكم الطاغية الى نظام دولة القانون والمؤسسات الدستورية ومن اولى مظاهر هذه الدولة هي محاكمة مسؤولي النظام السابق لكي يشعر الجميع بهيبة القانون وانه لا يوجد شخص فوق القانون وانما الجميع هم تحت سلطة القانون .كما لابد من محاكمة رموز الفساد لكي يكون عبره لغيرهم وتنفيذا لقواعد العدل والعدالة .
ولهذا نعتقد بان أشهر محاكمة في التاريخ هي: محاكمة صدام والمسؤولين العراقيين
، المقبوض عليهم والفارين منهم عن الجرائم الدولية ضد الشعب الكردي والكورد الفيلية والشيعة في جنوب العراق
، كما ان جرائم حلبجة والانفال وقلعة دزه والترحيل القسري والابعاد والصهر القومي وسياسة التعريب والاعدام والتعذيب هي جرائم لا تسقط بالتقادم مهما مر عليها من الزمن وفقا لقواعد القانون الدولي واتفاقية منع ابادة الجنس البشري .

وبعد اربعة أيام من أعلان تشكيل هذه المحكمة العراقية المختصة بجرائم النظام السابق وقع صدام حسين في قبضة سلطة التحالف والشعب العراقي
، ففي يوم 14 ديسمبر عثر على صدام مختبأ في احدى الجحور في مدينة تكريت وفي وضع يليق بكل طاغية اقترف جرائم خطيرة ضد شعبه وضد الانسانية حيث تغطي الدكتاتور ملامح الهزيمة والذل والانكسار بسبب ما اقترفه من جرائم بشعة فاقت حدود التصور البشري .
|
|
|
وتختص المحكمة للنظر في الجرائم ضد الانسانية
Crimes Against Humanity المرتكبة من الاشخاص الطبيعين فقط وبهذا لا تنظر المحكمة اية دعوى تقام على الشخصية المعنوية مثل الشركة او الجمعية او الوزارة او اي من مؤسسات الدولة العراقية وغيرها من الاشخاص المعنوية ( المادة الاولى فقرة
C ). كما ان جلسات المحكمة تعقد في العاصمة بغداد
ويجوز ان تعقد في مكان أخر من العراق بناء على اقتراح من رئيس المحكمة وموافقة مجلس الحكم .
وطبقا لتنظيم المحكمة الداخلي فانه يجوز ان تكون هناك محكمة واحدة أو أكثر وحسب الحاجة الى ذلك حيث يمكن ان تتكفل في النظر بهذه القضايا محاكم متعددة بسبب كثرة القضايا التي سترفع من المتضررين العراقيين وغير العراقيين من الاشخاص الطبيعيين والمعنويين .ويكون هناك محكمة استئناف عليا تنظر في الطعن المقدم على حكم المحكمة المختصة
، والى جانب ذلك هناك قضاة مختصون في التحقيق عن هذه الجرائم الدولية المرتكبة من صدام واركان نظامه.
تتكون كل محكمة من 5 قضاة مستقلين معروفين بالنزاهة والعدل بينما تتكون محكمة الاستئناف من 9 قضاة
، وهؤلاء القضاة يختارون بينهم قاضيا ليشغل منصب رئاسة محكمة الاستئناف في محكمة الجرائم ضد الانسانية
، ولا يجوز لاي قاضي في المحكمة ان يعمل قاضيا للتحقيق او قاضيا في الاستئناف لضمان القدر الاكبر من العدالة والنزاهة والاستقلالية في الحكم ولفصل التداخل في الاعمال وللتاكيد على ضمانات اكبر في اية قضية من هذه القضايا .كما يكون رئيس الاستئناف مديرا للمحكمة ومسؤولا ماليا عنها من حيث النفقات المالية التي تتطلبها المحاكمة . ويحق لمجلس الحكم الاستعانة بالخبراء القانونية الاجانب ( غير العراقيين ) لدعم المحكمة بخبراتهم القانونية في القضايا المتعلقة بالجرائم وبخاصة الشخصيات المتعلقة بقيم اخلاقية عالية ونزاهة معروفة في هذا الجانب.
ومن الجدير بالذكر ان جميع الجرائم التي ارتكبت من نظام صدام واركان نظامه لا تختص في النظر بها المحكمة الجنائية الدولية
I.C.C التي جرى تاسيسها في روما عام 1998 وظهرت للوجود في تموز من عام 2002 وذلك لان اختصاصات هذه المحكمة تبدأ من 1 ايلول 2002 ولا تشمل الجرائم المرتكبة قبل هذا التاريخ ولهذا فان القضايا الخاصة بالمجرمين العراقين تختص بها المحكمة العراقية سالفة الذكر حصرا .
لايجوز تسيس المحاكمة
بعد عملية القاء القبض على صدام بدأت مرحلة جديدة من تاريخ العراق لاسيما وان الرأي العام العراقي والعربي والعالمي يتجه الى تفعيل دور القانون وتقديم صدام للمحاكمة العادلة العلنية الخاضعة لرقابة دولية
، غير ان هناك البعض ممن يريد تسيس هذه المحاكمة وجعلها شكلا من اشكال المحاكمة السياسية يستعرض فيها وبمناسبة اقامتها بطولات القائد الضرورة والرمز التاريخي للكوارث على العراقيين والانسانية ! ونذكر هنا على وجه الخصوص مايسعى اليه نقيب المحامين الاردنيين السيد حسين مجلي والتيار البعثي في الاردن والسودان وانصار صدام في مصر وتونس حيث انهم يسعون الى تاليف لجنة من المحامين العرب للدفاع عنه وهو أمر غير مقبول حيث ان ضمانات التقاضي ستكون مكفولة للمتهم من خلال تعيين محام عراقي او اكثر وان عملية تسيس المحكمة وجعلها محاكمة دعائية – سياسية ستؤثر على مجريات الامور وتضر بجوهر العدالة وبحقوق ضحايا الطاغية ونظامه المقبور لاسيما وان صدام واركان نظامه ارتكبوا ابشع اشكال الجرائم ضد الانسانية ومن جرائم ابادة الجنس البشري وجرائم الحرب ولايمكن اغفال حقوق العراقيين والمتضررين من ايران ومن الكويت في محاسبة هؤلاء المجرمين ومعاقبتهم بما يستحقونه من عقاب وفي تعويض المتضررين عما أصابهم من الضرر طبقا للقواعد العامة للقانون العراقي وللاتفاقيات الدولية .
ان قيام بعض المحامين في بعض الدول العربية وخارجها لمحاولات تسيس المحاكمة وجعلها دعائية لهم وللطاغية موقف غير سليم لانه يمس مشاعر الضحايا ويسىء الى قواعد العدالة وضماناتها فالمحامين المذكورين ان كانوا من أصحاب العلم بالقانون أين كانت أصواتهم وقت قصف المدن الكوردية بالسلاح الكيماوي ؟ وأين كانت أقلامهم وقت الجرائم ضد جنوب العراق ؟ والجرائم ضد الشيعة والمسفرين والكورد الفيلية وضد الصهر القومي وسياسة التعريب وحالات الاختفاء القسري و في تجفيف الاهوار وقمع الانتفاضة في جنوب العراق ؟ ومثل هذه المواقف سوف لن يغفر الشعب العراقي لآصحابها هذا الخطوات غير النزيهة والتي تتنافى والقسم المهني للمحامي والذي يتعارض مع شرف المهنة .
اقتراح اجراء المحاكمة في كوردستان وفي النجف الاشرف
بسبب من تعقيدات الوضع الامني في العراق ، ولغرض تأمين الحصانة الكافية للمتهمين والشهود وللقضاة ولتامين سير سليم لمجريات العدالة
، فأننا نعتقد ان أفضل مكان لاجراء المحاكمة وعقد جلسات المحاكمة تكون في أقليم كوردستان وفي النجف الاشرف .فقد جرت عمليات الاغتيالات لبعض القضاة حين باشروا في اجراء التحقيق عن جرائم النظام السابق ولا نعتقد ان هناك ضمانات كافية للقضاة ولا لغيرهم في مناطق العراق بسبب تعقيدات الوضع الامني .