تمييع حقوق الكرد الفيلية بين الطائفية والقومية

د.علي ثويني
thwanyali@hotmail.com
14/1/2003

كنا ننتظر أن نجد عراقي فيلي من بين أعضاء مجلس الحكم، لعدة مبررات أولها كونه مدني بغدادي، والأهم من ذلك كونه اضطهد الى أقصى حدود الإضطهاد خلال حقبة البعث الكلحاء، وهو الميزان الذي اخذت على أساسه التحاصصات في المجلس، وأعتبر ميزانا مازال يستغل في التجارة السياسية للفرقاء. والمبرر الثالث كونه شيعي، والشيعة يكونون الأغلبية في المجلس بحسب نسبة السكان. لقد تناسى البغداديون وهم خمس السكان أن يرشحوا فيلي من بينهم يمثل المجتمع المدني وتغاضى القوميون الكرد كونهم بعيدين عنهم، ولاتشملهم كردستان، ووقفت الأحزاب الشيعية موقف ضبابي وغير صريح من ذلك.
ووراء الاكمة الكثير من اللغط والحيثيات والخلفيات التاريخية المتقاطعة في الدوائر الثلاث (البغدادية والشيعية والكردية). ونعلم أن جل الفيلية يقطنون بغداد وأقلية منهم يقطنون مدن دجلة الأوسط وشرق العراق الأوسط حتى خانقين.وشكل الفيلية ألوان الفسيفساء البغدادي الزاهي، وعاشوا حيثيات عقليته ولم يميزهم عن هجينها أي ميزة. وبالرغم من أن جلهم سكن منطقة القشل وباب الشيخ قبل توسعة بغداد إبتداءا من نهاية أربعينات القرن العشرين، فلم نشهد لهم حالة من القوقعة أو ممارسة نظام الكيتو (الحارات او العقود). ونشهد أن ما يطلق عليه "عقد الأكراد" لم يقتصر عليهم فقط بل تهاجن به الجميع .
وفي حيثيات الحياة البغدادية وجد من بينهم من يمثل صفوة المجتمع المتبغدد، وكان آل قنبر وبيت شفي وغيرهم من البيوتات يمثلون صفوة الطبقة التجارية فيها. وثمة طبقة وسطى أو دونها أو فوقها كانت تشكل الغالبية العظمى ممن راهنت أجيالها الصاعدة على التحصيل العلمي، واعتمدت الطريق الشائع في العقلية العراقية"في ذلك الحين" بان التحصيل العلمي هو خير ضمانة لمستقبل الأجيال ،ويتذكر البغادلة أن المدرسة الجعفرية المشهورة والتي خرجت الكثيرين من الأطر العراقية "ومنهم حتى المعمار الدكتور محمد صالح مكية"، كان الكرد الفيلية من روادها ومؤسسيها. وهكذا ظهرت طبقة من التكنو والبيروقراط الفيلية شمل شؤون الحياة العراقية والبغدادية، ومنهم الصفوة التي سمت بالتحصيل العلمي ووطأت مرتبة العلماء، كما هو المرحوم علي بدر خان والقائمة تطول، أو الشخصيات الادبية كما هو زاهد زهدي أو رياضية مثل محمود وعبدالصمد أسد وجلال عبدالرحمن وغيرهم الكثيرون، أو سياسية كما هو عزيز الحاج أو صباح مرزه أو جبار كردي بغض النظر عن سمعة كل منهم الأدبية ومنحاهم الفكري ومآلت اليه أحوالهم.
والدائرة الشيعية للفيلية هي الأهم لما للعقائد من سطوة على العراقي كون المجتمع العراقي متدين وروحاني بالسليقة دون أن يتصف باليقينية قطعا بل كان دائما شكاكا ومتأمل وباحث عن التجديد في الفكر. والفيلية شيعة أقحاح، ومنهم الكثير من المتعصبين، حتى يتذكر الجميع أن موكب عزاء الحسين الذي كانوا يقيمونه هو الأكبر والأكثر حضورا عندما تحل طقوس عاشوراء في الكاظمية. ولم يكن الفيليه متفقهين في التشيع ولم يظهر منهم رجل دين أو (روزخوني) واحد بل أتكلوا على الآخرين في البث والدعوى ،وأكتفوا هم بالعمل الجاد والكد ،ومارسوا سخاء منقطع النظير بالتبرع بكد عرقهم ودفع الأخماس والزكوات لرجال الدين الشيعة الذين "تريشوا" من أموالهم دون أن يحركوا كبير ساكن عند تسفيرهم. والأنكى من ذلك أن الكثيرين ممن سفروا كان بسبب وجود أسمائهم على قوائم رجال الدين ممن صادرت سلطة البعث ممتلكاتهم بعد أحداث حزب الدعوة وإعتقال الشهيد الصدر، الذي وجد في حوزته أسماء المتبرعين من الفيلية الذين أتهموا بتمويل حزب الدعوة الإسلامي.
وبغض النظر عن كون الرعيل القديم للفيلية في الثلث الأول من القرن العشرين كان متدينا، فأن الجيل اللاحق أنخرط في الحركات السياسية العراقية ولاسيما اليسارية اللادينية منها. وبعد المد الشيوعي الذي عاضده دعاية إنتصار السوفييت على النازية، ألتهبت عواطف الشباب الفيلية مثلهم مثل بقية العراقيين، وأنخرط الكثيرون منهم في الحركة وراهنوا عليها ،حتى أن المظاهرات البغدادية التي جاءت مؤيدة لثورة تموز والزعيم قاسم كانت نسبة الفيلية تشكل فيها حصة الأسد. وقد رسخ لدى الفيلية بسبب سجيتهم المخلصة ،غير المتبدلة بالولاء الى الزعيم قاسم، حتى أن العراقيين يأسوا وتركوا أمر الزعيم قاسم بيد القدر الإلهي إلا الفيلية الذين رفضوا التنازل ونازعوا الموت بحالة من الانتحار الجماعي و ردأا للذل، وذلك بالوقوف عزل وبالأسلحة البيضاء أمام دبابات البعثيين ورشاشات بورسعيد (المصرية) التي أخترق رصاصها صدور خيرة شباب العراق وكان الفيلة في طليعتهم. وقاوم عقد الأكراد أسبوع حتى سقط بعد أن أقتحمته الدبابات وعاثت في أهله قتلا.وهنا نحث على دعوة لجمع كل ما يتعلق بتلك الحوادث وتدوينها وأرشفتها وتركها للباحثين الرامين لكتابة جديدة وصادقة للتاريخ العراقي الحديث بعد غروب دجل البعثيين وتزييفهم للتاريخ.
وبعد تلك الأحداث أفلت حركة الفيلية، وسكتت على مضض، وأخترقت صفوفهم مثلما أخترقت خواطر العراقيين جمعا حالة من القنوط واليأس اوصلتهم لقناعات سوداوية ومنها عدمية ، ظهر من جراءها حالة من الكآبة التي أطلقوا على جماعتها (معقدين)، آثروا الانزواء والتأمل بما آلت به الأمور وكيف انهم خسروا المعركة من موقع القوة والاعتداد بالنفس، وخسروا أمام حثالات من البدو الدخلاء على بغداد وقليلي العدد. و انتشرت بين صفوف الصفوة الواعيةالأفكار الوجودية، وقرءوا لسارتر .
وفاق القوم على الهبة الأخيرة لجسد العراق الهامد أمام طغيان القوميين والبعثيين ان نضج بينهم فكر "مراهق" دهمائي، رام النهوض كالعنقاء من بين الأنقاض،متمثلا بحركة القيادة المركزية الشيوعية التي قادها عزيز الحاج، والتي أرتأت أن تسلك الطريق الماوي الصيني إبان ثورته الثقافية ونبذ الطريق السوفييتي الذي بقيت اللجنة المركزية مخلصة له وسائرة على هداه حتى سقوطه الأخير عام 1992.
وأنخرط الشباب العراقي المتذمر ومنهم خيرة الشباب الفيلية في حركة الحاج وأختارت الأهوار كساحة وغى وإقتصاص من السلطة القومية العروبية. وقد شذت هذه الحركة عن إختيار جبال كردستان لمثل تلك النشاطات بسبب معارضة الملا مصطفى لهم الذي يسجل التاريخ للأسف أنه كان أول المباركين لحزب البعث في إنقلابة في 8 شباط، بعد حركته التي قام بها في أيلول1961 ضد الزعيم عبدالكريم ،وتحالف مع البعثيين وجمال عبدالناصر وشركات النفط بالإطاحة بسلطة الجمهورية.ومن الجدير تذكره أن الملا مصطفى لم يحرك ساكنا من إنتهاكات سلطة الإنقلاب للفيلية وإستباحة حرماتهم ، كموقف محسوب للتعاضد القومي الكردي، وتبعه الحال عند تسفيرات العام 1970 حينما كان يفاوض البعثيين حلفاء الأمس .
وأنهارت حركة المقاومة التي قادها عزيز الحاج وبخسارة فادحة ،حينما أعترف بفشله على شاشة التلفزيون عام 1969، وإفشاءه بأسرار التنظيم الذي كان الفيلية يشكلون بحماسهم طرف فاعل فيه، مما عرضهم لإنتكاسة جديدة. وفي هذا العقد ظهرت حركة جلال الطلباني القومية الكردية منشقة من الصلب البرزاني عام 1964، وبدأت تبحث عمن يستقطب الفيلية الذين لم يكن لهم نزعات قومية في البداية. والظاهر أن فعل الجرم العروبي القومي قد ولد لديهم رد فعل قومي مناقض ومعاكس له، أو قل على مبدأ لايفتح الحديد إلا الحديد. وقد أنخرط بعض الفيلية في حركة الطالباني، مع آخرين في حركة البرزاني،ابتداءا من بواكير السبعينات ووصل بعضهم لقيادة الحركتين. وقد أدى فشل تجربة الجبهة الوطنية التي سيق إليها الشيوعيين بإيعاز من الرفاق السوفييت ومباركة ورضا عن سلطة البعث بالرغم من قسوتها على الشيوعيين ومنهم الفيلية بسبب ما أغرى السوفيت في النفط وما حصلوا عليه من استثمارات اقتصادية أجاد لعبها البعثيون حيث جذبوهم إليها و اسكتوهم عن جرائمها.وعندما قبرت الجبهة في نهاية السبعينات حدث تسفير جماعي متواز للفيلية والشيوعيين على حد سواء، مع فارق في أسلوب التسفير هو أن الفيلية رموا على الحدود ليموتوا في الخلاء، بينما قيادة الشيوعيين خرجوا من مطار بغداد بجوازات سفر عراقية ومرتدين أطقم محترمة باتجاه العواصم الاشتراكية .
وبالرغم من الدعاية القومية القوية التي يتبناها اليوم رهط من الفيلية،فانه لم يترسخ في العقلية الفيلية الى يومنا هذا المفهوم القومي الكردي لعدة أسباب: 1. الفرق في العقلية ومنهجية التفكير بين الكردي الشمالي والفيلي البغدادي وساكن دجلة الأوسط.فالفرق صريح في العقلية مثلما هي بين البصراوي والمصلاوي.فالبغدادي حضري ويصف الشماليين بـ "الجبلاوي" لإنحداره الريفي وإختلاف طبعه عنهم . والمجتمع الفيلي محافظ وتقليدي على عكس الشمالي المنفتح المتحرر ولاسيما في السليمانية.
2. الاختلاف المذهبي الذي يعتبره الفيلية جوهريا، وجلهم يتعصب له.
3. ازدراء غلاة الكرد الشماليين للفيلية ووسمهم لهم بـ"عربا"، والتهكم على لهجتهم الهجينه، حتى سمعت أحدهم يقول بأن من لم يأت من سليمانية ومحيطها،ويتكلم لغتها السورانية فهو كردي مغشوش. ومن المفيد تذكره هنا بأن لم يلجأ الى منطقة الحكم الذاتي من الفيلية إلا القليل،وخاصة بعد إستتباب الأحوال فيها في التسعينات. ومن الغريب أنهم تحملوا ضيم إيران وشظف العيش فيها على رخاء العيش في كردستان، ونجد منهم من رحل واستقر في سوريا مفضلا السكن بجوار السيدة زينب على السكن في السليمانية.
4. جل الفيلية بغداديين وهم بذلك لايهمون الحركة القومية الكردية، بالمقارنة لو كانوا يسكنون كركوك لما لها من أهمية إقتصادية (نقصد موارد النفط) في الفكر القومي الكردي. وهكذا ليس لهم مصلحة، ولا مآرب "كردستانية" في ضمهم أو صنع كيان لهم في بغداد الميتروبوليه، المتهاجنة والخلاسية.
وهكذا فقد الفيلية السياقات الثلاث لجعلهم كتلة مؤثرة في مجلس الحكم الإنتقالي على خلفية الدوائر الثلاث :
1. السياق المدني البغدادي الذي لم يأخذ بالحسبان، وكأن بغداد لا دخل لها بالسلطة،وأختير لها رؤساء عشائر ومجموعات طائفية من خارجها، وحرم بذلك الفيلية من تمثيلها.
2. السياق الشيعي الذي تبنته الحركتان الكبيرتان (المجلس الأعلى- حزب الدعوة)،من خلال خطاب عشائري فئوي تقوقعي ، آثر تعيين الأخوة وأولاد العم على الطريقة البدوية البعثية التي سامها العراقيون. وأنتقل الأمر حتى الى الوزراء الذين أختارهم الفرقاء على هذا الأساس.ومن الجدير بالذكر أن تلك الحركتين لم تقدما مساعدة حقيقية للفيلية عند مكوثهم ردحا من الدهر في إيران، بالرغم من دعم سلطة الملالي السخية لهم، وفرقوا بين منزلة النجفي والكربلائي والكظماوي ولم يهمهم الفيلي.
3. السياق الكردي، حيث آثرت القوى القومية الكردية أن تأتي بالمقربين لها وشللهم، حتى أن الطالباني لم يختار شخصية مرموقة ومعتدلة وفيلية مثل الاستاذ عادل مراد في ترشيحه للوزراء، مع كونه كفئ في الكثير من المهام ولاسيما الخارجية والدبلوماسية.
وبالرغم من تشدق القوم بالقسطاس وتحججهم بجرائم البعث التي اعتبرت ميزانا للحظوة في سلطة العراق الجديد، فان الفيلية هم أكثر من عانى من الظلم، وإن كانت جريمة حلبجة شاهد لايغفل، والتي تتبناها القوى القومية الكردية لحصد المزيد من الإمتيازات السياسية ، وكانها الجريمة الوحيدة للبعث ،أو أن الآخرين لم يذهب لهم ضحية،وهنا نقول أن الكرد الفيلية هم أكثر من ضحى وعدد قتلاهم يفوق للجميع، دون ومع حساب نسبتهم في المجتمع العراقي، وهم ممن ملئت مقابر البعث الجماعية رفات فلذات أكبادهم، وشكلوا جل ساكنيها ممن أعتقل بعد التسفيرات سيئة الصيت بعد العام 1979.
وتحت إيقاع التحاصصات التكتلية التي تميز السياسة العراقية اليوم، فقد حان أوان التبصر في الشأن الفيلي موضوعيا من العراقيين وذاتيا من طرفهم أنفسهم. وإن كانت الطبقة السياسية الفيلية لم تنضج بعد لتسير الأمور بسبب المهاجر والتشتت والتقية والخوف المزروع في النفوس منذ اربعين عاما، فأن من واجب الشرفاء والباحثين عن الحق والعدل من العراقيين أن يقروا لهذه الفئة المخلصة لعراقيتها فقط بالإجلال والمطالبة بتمثيلهم في كل السلطات القادمة ولاسيما بعد التغيير الذي سيحصل في حزيران القادم، وأن تتخذ الدوائر الثلاث ( البغدادية ودجلة الأوسط - الشيعية-الكردية) نصب أعينها تقديمهم على الآخرين، إذا أرادت أن تبني عراقا يأخذ فيه كل ذي حق حقه.