ما لذي يخبأه ُ مجلس الحكم بعد؟

بلقيس حميد حسن
شاعرة وناشطة حقوقية عراقية مقيمة في هولندا
لاهاي، 16/1/2004

نحن الذين نعيش بالخارج والذين حسبنا السنين من حبات القلوب حبة إثر حبة، نصبـّر أنفسنا بالحرمان المؤقت كما كنا نظن، حيث بقينا نردد شعر بريخت دائما في كلمات حفظناها وآمنا بها:

لا تـُثبت مسمارا بالحائط
ضع السترة فوق الكرسي
لا تـتموّن إلا لليوم الواحد
فغدا عائد...

لكن الغد لم يعد إلا بعد ضياع العمر
أتذكر جيدا عام ثمانين حين كتب الدكتور حسان عاكف هذه الكلمات على ورقة صغيرة وعلقها في المنزل البائس الذي كنا نستأجره مفروشا ليطبـّقها ويضع سترته على الكرسي دون تعليق، بيوتا مفروشة على طريقة فرش المخيمات، وكنا لا نهتم بذلك رغم اننا تركنا بالوطن ماهو أحسن، كنا مؤمنين بسقوط الظلم سريعا ومؤمنين بالشعب العراقي، وما كنا ندري ان العنف والتآمر وقذارات النظام وسقوط بعض من آمنـّا بهم، كانت أعنف من أن تترك الخير يتسرب ولو لبصيص أمل ودعوة مقهور.
كنا نمنـّي أنفسنا بيوم سقوط الطاغية والعودة مع زغاريد الأمهات، كل عام ومنذ نهاية السبعينات نسلـّم على بعضنا بالعام الجديد والأعياد قائلين: العام المقبل بالوطن إن شاء الله
لكن العام المقبل لم يعد إلا بعد ربع قرن حيث استشهد من استشهد، ومات من مات، وعجز من عجز، وتهالك من تهالك، وكفر بالقضية من كفر، خذلتنا الظروف وخذلنا العالم وخذلنا اقرب الناس.
حينما صعقتنا مفاجأة مجلس الحكم بقراره رقم 137 الذي يلغي قانون الأحوال الشخصية، تنادينا كعادتنا منذ ربع قرن بالخارج، نتنادي الى رد الفعل والدفاع الإنساني عن كرامتنا التي تهدر طوال هذه السنين ونحن نعيش الغربة تلو الإخرى، تنادينا لنقوم بنشاط ما، بعد أن كتب بعضنا عن فورة دمه وغضبه على المجلس وسوء تقديره لحاجة العراق وشعبه، وبعد أن شغلنا خطوط الهاتف من جميع أنحاء العالم حيث يتناثر ابناء العراق مغلفين بكل أشكال الأسى على أعمارهم وشبابهم الضائع بين المنافي والحدود وبين ذكريات الألم والسجون وبقية من رائحة أم رحلت، أو اخ شهيد أو طفل مقبور، أو أب لم يعرف إلا من خلال هوية العائلة وصورة حزينة معلقة على جدار حائط أصم، أردنا أن نكبر كعادتنا على جراحنا ونشمخ بتظاهرة أو إعتصام علـّه يؤثر بقادة التخلف التي استلمونا بعد أن شبع صدام من إذلالنا وخرب ما أراد، اتصلنا ببعضنا متفقين على موعد تظاهرة وإذ بنا نسمع خبرا يفجأنا به مجلس الحكم وكأن الشعب العراقي جميعا من المعتوهين والناقصي الأهلية لتسوى أموره بدون علمه، أو حتى لمجرد الإعلان عن ماسيكون، نفاجأ بأن في هولندا سفيرة عراقية وإمرأة اخرى لا أدري ربما تعمل قنصلا او مساعدا، واتفقنا أن سنذهب للتظاهر أمام السفارة التي يجهل أغلبنا أين تكون ويجهل من يعمل بها وماهو عمله ولماذا يكون سريا حتى علينا نحن ابناء العراق المضحين والمقهورين في المنافي.
من هؤلاء السفراء المعينين يا مجلس الحكم وعلى أي أساس عينوا هل لأنهم أقرباء ومنتسبون لعوائل أعضاء المجلس؟ أم ماذا وعلى أي أسس؟ لنعرف كيف نتعامل معهم؟
ولماذا يجري تعيينهم بسرية؟ ولماذا لم يقدموا أوراق اعتمادهم علنا ً مثل بقية سفراء وخلق الله؟ مهما كانت صفاتهم.
وقد تناهى الى أسماعنا أسماء نساء ما عرفناها ولا عرفنا لها دور في حياة العراق وشعبه وسمعنا أيضا أن البعض منهم من طاقم النظام السابق، آآآآآآآآه لا نريد أن نصدق ماسمعناه رغم كل شيء، لأن من يضحي بكل شيء وبسني شبابه بين المنافي والفقر والعذابات، لابد وأن يكون موضوعيا وينتظر الحقيقة مهما كانت مرة.
فأين الحقيقة يامجلس الحكم ؟ وماذا تخبيء لأربعة ملايين عراقي بالخارج لم يفكر بأمرهم مجلسكم الموقر أبدا، وستة وعشرين مليون عراقي داخل الوطن ؟ما لذي تريد أن تصدمنا به بعد؟
وهل هذه هي الشفافية التي أوعدتنا بها؟