ليست بالفدرالية وحدها يحيا الإنسان الكردي
 

علي الاركوازي
rebwar110@hotmail.com
23/1/2004

كتبت في مقالة سابقة بان الكرد لديهم الكثير من الخيارات في حالة فشل مساعيهم في الحصول على الفدرالية الجغرافية التي اقترحوها لاتحادهم مع بقية القوميات التي كان يتكون منها الدولة العراقية السابقة، وقلنا بان العراق الذي كان فيه للمواطنة درجات ودرجة الكردي فيه كانت الأخيرة قد انهارت وماتت ولم يبقى لها وجود وان ما يتم الآن ما هي الا محاولات الغرض منها تشكيل دولة جديدة وعلى أسس جديدة، ونظرا للعلاقة الطيبة التي ربطت الشعب الكردي بباقي الشعوب العراقية وكبادرة طيبة من جانبهم قرر البرلمان الكردي وبالإجماع تبني خيار الفدرالية للاتحاد الاختياري مع تلك الشعوب وتأسيس دولة العراق الفدرالية، واكبر دليل على صدق النوايا الكردية وجديتهم في طرح مشروعهم هو طرح المشروع في حد ذاته لان الكرد يعيشون ومنذ عام 1991 في شبه دولة ولديهم شبه استقلال بالإضافة إلى البرلمان المنتخب من الشعب ووحكومة ووزراء وبرهنوا للعالم قدرتهم على إدارة منطقتهم بشكل يحسدهم عليه معظم شعوب المنطقة والمشاكل الداخلية التي صادفتهم في البداية كانت طبيعية ومتوقعة بالنسبة لمن كان في ظروفهم ولكنهم سرعان ما تغلبوا عليها ولا زالوا يعملون جاهدين لمحو ما تبقى من آثارها، وبالرغم من كل الامتيازات والمكاسب التي تحققت لهم الا انهم وإيمانا منهم بان العالم كله في طريقه إلى بناء كيانات متحدة وتشكيل تكتلات اقتصادية وسياسية وجدوا ان الاتحاد مع باقي الشعوب العراقية خير ضمان للكرد ومستقبلهم وان العراق الموحد القوي هو خير ضمان لمستقبل تلك الشعوب أيضا .

ومما شجع الكرد على التخلي عن المكاسب التي تحققت لهم طوال الاثني عشر عاما الماضية تلك الروح الأخوية والمحبة التي ربطت بين الكرد وبين غالبية فصائل المعارضة العراقية السابقة والتي كانت تذكر مآسي الكرد وما نالوه على أيدي البعث قبل ذكرهم لمآسيهم هم وكانوا رفاق نضال واخوة الكفاح للكرد .

لكن رد الفعل العنيف ضد المشروع الكردي ومن نفس تلك الفصائل والأحزاب وخاصة العربي الشيعي منها بعد سقوط صدام تجعل من امر الاتحاد الذي ينشده الكرد مع باقي الشعوب العراقية صعبا ان لم يكن مستحيلا ولقد رأينا المسيرات التي خرجت باسم السيد السيستاني وضمت المجلس الأعلى وحزب الدعوة وباقي الفصائل الشيعية وكذلك مسيرات الغوغاء من اتباع مقتدى الصدر وجيش مهديه ضد الكرد ومشروع الفدرالية التي دعوا إليه. لذا اصبح لزاما على الكرد ان يفكروا بخيار اتهم الأخرى والعمل على الاستعداد لكل طارئ لان المشهد العراقي يكتنفه الكثير من الغموض والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت وبما ان السياسة فن الممكن والكرد شعبا وقيادة يجيدون ذلك الفن بل وبارعون فيه ارتأيت ان اذكر بعض تلك الخيارات وأحاول ان أضعها بين يدي من يهمه الأمر من أصحاب القرار في الشان الكردي مع علمي المسبق بان جل ما اذكره ليس بخاف عنهم ولكني لا ارى باسا في التذكير .

وقبل الخوض في تلك الخيارات ارى بان على القيادات الكردية ان تقوم بخطوات مهمة جدا والتي بدونها لا يمكن نجاح أي هدف أو اختيار ومن أهم الخطوات ما يلي:

1. توحيد الإدارات فورا وتشكيل حكومة موحدة في كوردستان .

2. إنهاء آثار التعريب الذي مارسه صدام وزمرته ضد المناطق الكردية والإسراع في إعادة أولئك المهجرين والمبعدين إلى ارض الآباء والأجداد، إذ ليس من المعقول وبعد مضي اكثر من 9 اشهر على سقوط البعث ان يعود حوالي 4.000 عائلة كردية فقط إلى كركوك من مجموع 45.000 عائلة هجرهم صدام وحتى هؤلاء الذين عادوا لم يحصلوا على ما يساعدهم على ابسط مقومات العيش الكريم وكل ما حصلوا عليه بضعة دنانير وخيمة وعدد من البطانيات ويعيشون في ظل ظروف حياتية ومناخية قاسية أليس في هذا تقصير ما بعده تقصير؟ .

3. الطلب من مجلس الحكم الانتقالي إلغاء جميع القوانين الجائرة التي أصدرها صدام ومجلس قيادته بحق الكرد . انني ارى انه من العار ان تبقى تلك القوانين حتى بعد 9 اشهر من سقوطه لاسيما القرار 42 السيئ الصيت والذي بسببه اصبح الكردي محروما من التملك في كركوك، وللأسف هذا القانون لا يزال ساري المفعول حتى هذه اللحظة .

4. الإسراع في الاهتمام بالا قضية والنواحي الكردية التي كانت تحت سيطرة البعث والتي لم تحض بالرعاية التي يستحقونه لحد الآن والإسراع كذلك في إنهاء آثار التعريب فيها وإعادة المهجرين إليها مثل خانقين ومندلي وجلولاء وسنجار وغيرها .

5. البدء بحملة توعية واسعة تشمل جميع ابناء كوردستان العراق عبر الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون والمؤتمرات الشعبية لشرح كل الصعوبات التي سيواجهونها في حالة رفض مشروع الفدرالية وتهيئة الشعب الكردي لتحمل الأيام القادمة التي قد تكون صعبة وقد يتردى فيه الوضع الاقتصادي والأمني حسب الخيارات التي سيلجأ إليها قادة الكرد والتأكد بان الشعب وبأغلبية ساحقة على استعداد للقبول بنتائج القدوم على تبني احد تلك الخيارات .

6. أخيرا وليس آخرا عدم وضع البيض كله في السلة الأمريكية لان إدارة الظهر لأوربا وطوال الفترة التي أعقبت حرب تحرير العراق كان خطاءً استراتيجيا باعتبارهم اكثر تفهما وتعاطفا مع الشعب الكردي وقضيته من أمريكا ويكفي ان حل مشكلة أكراد تركيا من أهم عوائق انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ان لم يكن العائق الوحيد . لذا على القيادة الكردية ان تطالب بدور اكبر لأوروبا في القضية العراقية عامة والكردية خاصة، كما ان الأعداد الغفيرة من الكرد القاطنين في أوروبا عليهم أيضا المساهمة في تنظيم مسيرات ضخمة وفي جميع العواصم الأوروبية والمطالبة بحقوق الكرد .

هذه كانت بعض الخطوات الواجب اتخاذها والعمل على تنفيذها من قبل القيادة الكردية أما الخيارات الأخرى غير الفدرالية فسأتحدث عن بعضها وباختصار على أمل ان أعود إلى شرحها بالتفصيل في وقت آخر إنشاء الله :

الخيار الأول:
الانسحاب من مجلس الحكم وإعلان العصيان المدني الكامل وعدم مشاركة الكرد في أية انتخابات أو استفتاءات تجري في العراق والعودة إلى كوردستان وإدارة شؤون الإقليم وكأن صدام لايزال في الحكم .

الخيار الثاني :
إعلان الانفصال عن العراق رسميا ومطالبة المجتمع الدولي وبجميع هيئاته ومنظماته إلى العمل من اجل تنظيم استفتاء عام للشعب الكردي في العراق لتقرير المصير فلسنا اقل شأنا من جنوب السودان .

الخيار الثالث :
تشكيل جبهة سياسية مع الأحزاب والتنظيمات السنية العربية والعمل معا لصياغة دستور دائم يكون فيه للرئيس صلاحيات واسعة كالتي في دستور أفغانستان والدخول في الانتخابات بقائمة موحدة تضمن الحصول على الأغلبية البرلمانية ومن ثم قيادة الدولة . أما ما يقال عن ان الشيعة هم غالبية الشعب العراقي فهذا قد يكون صحيحا ولكن التاريخ يقول ان الشيعة لم يتحدوا قط وخبرتهم السياسية وحنكتهم ضعيفة جدا والدليل على ذلك الآلاف الذين يهتفون بالروح بالدم نفديك يا مقتدى بالإضافة إلى الطرح الإسلامي الذي على النسق الإيراني الذي يدعوا إليه معظم الأحزاب والتنظيمات الشيعة وهذا ما لا يرغب به كل المثقفين والعلمانيين من الشيعة وهؤلاء أعدادهم كبيرة جدا وحتى الكردي الشيعي وأنا أولهم سنصوت للسني الكردي أو العربي وهذا يعني فقدان الشيعة لمليون صوت على الأقل في بغداد وخانقين ومندلي وجلولاء السعدية وغيرها .

بمعنى آخر ان باستطاعة الكردي ان يقرر من سيجلس على عرش العراق وهذا الذي فهمه العربي السني سريعا بحكم خبرة 1400 سنة حكم منذ الأمويين إلى يومنا هذا .

وهناك خيارات أخرى سنتطرق إليها لاحقا إنشاء الله ولكن ليعلم الشعب الكردي ان الذين يهتفون ويقفون ضدكم اليوم سيندمون كثيرا غدا عندما يجدوا أنفسهم عادوا إلى قراهم ومدنهم بخفي حنين .