الأكراد الفيلية : منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا
علي الاركوازي
rebwar110@hotmail.com
26/1/2004
( صدام كان عادلا في توزيع الظلم ) عبارة يرددها كثير من العراقيين كلما جرى الحديث عن الظلم الذي وقع على الشيعة وعلى الأكراد ولكن وبنظرة محايدة
لما جرى في العراق وبعد ان يتجرد المرء من العصبية القومية والعنصرية يجد ان هذه العبارة غير صحيحة أو غير دقيقة وخير دليل على صدق ما نقول هو
الظلم الذي وقع على الأكراد عامة والفيليين منهم بصورة خاصة لان ما وقع عليهم لا يمكن وصفه بالظلم بل الوصف الوحيد والمنطقي له هي
(الإبادة
الجماعية). نحن لا ننكر بان ظلم صدام نال بعض الشرفاء من ابناء المناطق السنية عندما اعدم عدد من الضباط وشيوخ العشائر ورجال الدين ومع فائق
احترامنا وتقديرنا لهؤلاء الشهداء الا إننا لا نستطيع ان نمنح صدام صفة العدالة ( في توزيع الظلم ) لمجرد قتل هؤلاء فما نسبتهم إلى عدد سكان تلك المناطق
وحتى الظلم الذي لحق باخوتنا الشيعة في الجنوب لا يمكن مقارنته بما لحق بالكرد لان عدد الذين قتلهم صدام قياسا إلى نفوس تلك المناطق كانت ضئيلة جدا إلى
ما قبل الانتفاضة الشعبانية . إننا لسنا في صدد تعداد للقتلى والشهداء من العرب ومقارنتها بأعداد القتلى والشهداء من الكرد وعلى ضوئها نحدد عدالة صدام في
توزيع الظلم لأننا نعلم بان من قتل نفسا بدون حق فكأنما قتل الناس جميعا ولكننا نحاول توضيح بعض الحقائق التي قد تكون غائبة عند البعض ممن يريدون ان
يحصلوا على مكاسب و أدوار في العراق الجديد بحجة عدالة صدام في توزيع الظلم أو محاولة البعض التنصل من الجرائم التي ارتكبت والتي شاركوا فيها
بصورة أو بأخرى تارة عندما مارسوها وسكوتهم عنها (تارات) أخرى .
انني هنا أحاول ان القي الضوء على ما جرى بحق اخوتي الكرد الفيليين مع اعترافي بأنني مهما حاولت ان اصف ومها حاولت ان أبين ومهما حاولت ان اشرح
فلن أستطيع وصف وتبيان وشرح واحد من مليون من المآسي والمحن الذي جرى عليهم، وهم وبكل إنصاف اكثر المتضررين من صدام وزمرة صدام وان
الظلم الذي وقع عليهم كان مزدوجا فمن جهة تعرضوا للظلم والقتل والتسفير والتعريب والتنكيل لانهم كرد ومن جهة أخرى كونهم شيعة ودفعوا أثمانا باهظة
لتمسكهم بقوميتهم الكردية وبمذهبهم الجعفري والغريب في الأمر وبالرغم كل ما جرى عليهم لم نسمع بفتوى من أية جهة أو مرجعية شيعية في العراق بحرمة
ما يمارس ضدهم بالرغم من وجود مراجع عظام يدعون انهم نواب للإمام الثاني عشر .
ان الهجمة الشوفينية على الفيليين بدأت في بدايات السبعينيات ولكنها بلغت أقصى درجاتها بعيد وصول صدام إلى سدة الحكم ولاسباب عديدة بعضها معروفة
وبعضها لا زالت غامضة. والحملة بدأت بتسفير عشرات الآلاف منهم بحجة الأصول الإيرانية مع ان آباء غالبيتهم ولدوا على ارض الرافدين قبل ان تكون
هناك دولة اسمها العراق وتمت التسفيرات بعد ان استولى البعث وأجهزته القمعية على أموالهم وبيوتهم ومحلاتهم التجارية ومصادرة أرصدتهم المالية في
البنوك ورموا بهم على الحدود العراقية الإيرانية في جريمة قل نظيرها في الإنسانية وعلى مرأى ومسمع العالم وبدأت معها رحلة جديدة في إيران لا تقل بشاعة
وفظاعة عن ما شاهدوه في العراق، أما اكثر أجزاء هذه المأساة دموية فكان احتجاز زمرة البعث لخيرة شبابهم وشباب العراق والزج بهم في السجون دون جرم
اقترفوه أو ذنب يستحقون عليه العقاب وكل هذا أيضا والعالم في صمت مطبق حيث لا مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة ولا الجامعة العربية ولا منظمات حقوق
الإنسان وفوق هذا وذاك صمت رهيب للحوزة التي يريد البعض ان تقودنا الآن وصمت رهيب آخر من اخوتنا العرب الشيعة منهم قبل السنة ولم يجد الكرد الا
الله والبندقية ليشكوا إليهما ما حل بهم .
وبعد الوصول إلى إيران بدأت رحلة أخرى مع العذاب والقهر، فالجمهورية التي فرح الناس بها على أنها إسلامية اتضح أنها جمهورية فارسية ليس للكرد
الفيليين نصيب فيها ووجد الكرد أنفسهم أول الأمر في مخيمات تفتقر إلى ابسط مقومات العيش الكريم وأصبحت المساعدات التي تأتي إليهم توزع وكأنها
صدقات ووجد الذين كانوا بالأمس تجارا ويعيشون برفاهية أنفسهم اصبحوا معدمين توزع عليهم صدقات (جمهوري إسلامي) ونظرا لعزة النفس التي يملكونها
لم يرضوا لانفسهم الا ان يعشوا بكرامة فبدءوا بالعمل وشق الطريق في حياتهم الجديدة من الصفر ووصل الكثير منهم إلى مراتب عليا بفضل جهدهم واجتهادهم
ولم يدعوا الظلم والجور ان يقهرهم بل أعطوا العالم درسا يحق لكل إنسان شريف ان يفخر به .
والأجمل من كل ذلك انهم لم ينسوا في يوم من الأيام انهم أكراد وانهم عراقيين بل كانت كل قطرة دم في أجسادهم تهتف وتصرخ في وجه العالم بأننا أمة لو
جهنم صبت عليها واقفة، لم ينسوا لغتهم الكردية بل أصروا على إزالة آثار التعريب فيها وازداد تعلقهم بأرضهم ولم يستسلموا لليأس الذي أراد الظُلام ان
يوصلوهم إليه عندما حرموهم من حق المواطنة فلا هم عراقيين ولا إيرانيين، وعرفوا بأنهم سيعودون يوما إلى ارض الآباء والأجداد إلى حضن دجلة والفرات
وسيعودون إلى بغداد إلى عگد الأكراد وأبو سيفين والكفاح ولكن وآه من لكن ... عندما تحقق الحلم وسقط الطاغية واستبشر الناس لم يستطع الكردي الفيلي ان
يتهنَ بفرحته إذ ان أول الأخبار الحزينة من الوطن جاءت لتقول لهم ان عشرة آلاف من خيرة شبابكم قد استشهدوا وبطريقة لم تُمارس من قبل في التاريخ إذ
كان هؤلاء الشباب حقولا للتجارب الكيماوية لزمرة البعث ودفنوا أحياء في صحارى العراق بعد ان كتب علماء العراق نتائج الاختبارات . ليت شعري من
يدلنا على تلك النتائج لنقرأ كيف تعذب شباب الكرد؟ وكيف احترقت أجساد شبابنا؟ ومن يدلنا على أسماء الذين شاركوا في تلك الجريمة؟ ومن يدلنا على
أسماء أولئك العلماء الذين باعوا شرفهم للطاغية وشاركوا في تلك الجريمة؟ يا الله أنت رأيت ما يجري عليهم كيف صبرت لِمَ لم تزلزل الأرض تحت أقدامهم،
سبحانك لا نقول ما يغضبك ولكن ما جرى على الكرد فوق طاقة البشر .
ومع كل ما جرى فالكرد الفيليين لم يهنوا ولم ييأسوا وبل كانوا مصرين على التسامي فوق الجرح وكانوا متيقنين بان حقوقهم محفوظة في العراق الجديد وبان
من سكت على ما لحق بهم سيتكلم وسينصفهم ولكن وللأسف الشديد تذكر الناس كل المظالم ونسوا الكرد الفيلية تكلموا عن كل الحقوق ونسوا حقوق الكرد الفيلية
وحتى مجلس الحكم الذي كان من المفروض عليه ان يرد الاعتبار لهؤلاء الناس الذين سلب منهم صدام حق المواطنة لم يقم بواجبه وكان من المفروض أيضا أي
يعطى الكرد الفيليين مقعدا في المجلس أو ممثلا عنهم إذ انه من الظلم والإجحاف ان يكون هناك ممثلا للرمادي وللتكريت والفلوجة ولا يكون هناك ممثل للكرد
الفيلية مع احترامنا للشرفاء من أهالي تلك المناطق ... ولكن معرفتي بالكرد الفيلية تجعلني على ثقة تامة بان الذين لم يستطع صدام وبكل جبروته ولا
(جمهوري إسلامي) وبكل عنصريته ان يُركعهم سيأخذون كامل حقوقهم ورغم انف من لا يحب .
تحية لكم أيها الأبطال من الكرد الفيلية وتحية لشهدائكم الذين سيبقون مثار فخر واعتزاز لكل كردي وعراقي وسلام على أرواحهم الطيبة يوم ولدوا ويوم
استشهدوا ويوم يبعثون أحياء .