أهي الفدرالية أم الديمقراطية في العـراق
التي تقلق البعض؟

الدكتور مجيد رشيد جعفر
majeed.jafar@maxima.se
27/1/2004

ما المقصود بالفدرالية؟
الفدرالية تعني اقامة دولة موحدة ذات حكومة مركزية وعدد من الوحدات الجغرافية-الادارية (الاقاليم او الولايات). تتولى الحكومة المركزية ادارة القضايا المشتركة وتكون مسؤولة عنها (مثل السيادة ورئاسة الدولة والدفاع والسياسة الاقتصادية والمالية العامة والعملة والسياسة الخارجية والتمثيل الخارجي) لها برلمان فيدرالي منتخب من قبل جميع مواطني الدولة الفدرالية الموحدة ومحكمة فدرالية عليا تنظر في القضايا الدستورية وتبت في ما قد يظهر من خلافات بين الحكومة المركزية والاقاليم او الولايات في القضايا المتعلقة بالدستور وتفسيراته وفي نفس الوقت تترك سلطة ادارة القضايا الاخرى المتعلقة بخصوصية كل واحدة من مكوناتها (اقاليم أو ولايات) الى هذه الوحدات وتكون لكل منها ادارة اقليمية وبرلمان اقليمي منتخب من قبل سكان كل اقليم لوحده. توزيع السلطات في الدولة الفدرالية والعلاقة بين الاقاليم اوالولايات والحكومة المركزية ينظمها الدستور (او القانون الاساسي) ولا تستطيع لا هذه الاقاليم والولايات ولا الحكومة المركزية تغيير الدستور او القانون الاساسي من جانب واحد. لذا فالفدرالية تجمع بين الوحدة والتنوع او التعددية وهي توزيع للسلطات وتوحيد للشعب والارض والدولة.

لماذا نجحت الفدرالية في الانظمة الديمقراطية ولماذا فشلت في الانظمة الدكتاتورية الشمولية؟
تعتبر الولايات المتحدة الامريكية اول دولة فدرالية في التاريخ الحديث منذ ان تم تبني الدستور الفدرالي عام 1787. وهناك دول فدرالية كثيرة في العالم غير الولايات المتحدة، مثل كندا وبلجيكا وسويسرا والمانيا والنمسا واستراليا وروسيا الاتحادية وسابقا كانت يوغسلافيا. هناك طرق مختلفة لتطبيق الفدرالية.
1- الفدرالية في ظل الانظمة الديمقراطية: الفدرالية المقامة في ظل الانظمة الديمقراطية البرلمانية التعددية هي انظمة موحدة ومستقرة جدا منذ اقامتها ولحد الآن لأ نها اقيمت منذ البداية على أسس الاختيار الطوعي لمكونات هذه الفدراليات وعلى احترام خصوصيات كل واحدة من هذه المكونات (اللغوية-القومية في البلدان ذات القوميات المتعددة كما هو الحال في كندا وبلجيكا، اما البلدان ذات اللغة الواحدة فأن تقسيماتها الفدرالية هي جفرافية، مثل الولايات المتحدة الامريكية واستراليا). كل هذه الدول هي دول موحدة ذات انظمة ديمقراطية برلمانية تعددية مستقرة. توجد في كندا لغتين وثقافتين رئيسيتين هما والفرنسية، لغة الاقلية (التي تقطن في منطقة جغرافية متلاصقة تسمى اقليم كوبيك الفرنسية)، والانكليزية، لغة الاكثرية، التي تقطن بقية انحاء كندا ومنظمة بشكل عدد من الاقاليم). هذا لا يعني بتاتا ان كل سكان كوبيك يتكلمون اللغة الفرنسية بل من ضمنهم من يتكلم الانكليزية والايطالية وغيرها ونفس الشئ ينطبق على القسم الانكليزي من كندا. ومع ان سكان اقليم كوبيك سنحت لهم فرص عديدة في عدة عمليات استفتاء، كان آخرها مؤخرا، حول اختيار البقاء ضمن كندا الفدرالية او تفضيل الانفصال والاستقلال صوتت اغلبية سكان كوبيك في كل مرة على البقاء ضمن كندا الفدرالية. البقاء ضمن الفدرالية حصل بمحض ارادة سكان الاقليم في تصويت او استفتاء ديمقراطي لسكان الاقليم نفسه ولوحدهم، وليس لكل سكان كندا، وليس بالقسر والاجبار والقوة العسكرية. الوضع في بلجيكا شبيه بالوضع في كندا اذ توجد فيها لغتين رئيسيتين هما ا لفرنسية والفلامية. وهاتان الحالتان هما الاقرب لحالة العراق. مع العلم ان هذه القوميات لم تتعرض لمحاولات التطهير العرقي والصهر القومي والاستيطان بهدف تغيير الواقع القومي من قبل المركز ولم تتعرض للقتل الجماعي والتدمير والاضطهاد على يد المركز.

2- الفدرالية في ظل الانظمة الدكتاتورية والشمولية: الفدرالية التي اقيمت من قبل الانظمة الدكتاتورية والشمولية باستعمال القوة والقوات العسكرية المسلحة التي لم تحترم ارادة سكانها ولم تعر أي اهتمام لخصوصيات مكوناتها فشلت فشلا ذريعا وانحلت وتكونت بدلا عنها دولا مستقلة ذات سيادة معترف بها دوليا. احسن مثال على ذلك هو يوغسلافيا في ظل النظام الشيوعي الدكتاتوري الشمولي وفي ظل عبادة الشخصية (رئيس جمهورية يوغسلافيا السابق تيتو) ومن ثم نظام صربيا ورئيسه الاسبق الدكتاتوري والتوسعي والعدواني والمعتقل حاليا والذي تحاكمه محكمة دولية بتهم ارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم التطهير العرقي ضد البوسنيين وسكان كوسوفو. لذا فتقديم يوغسلافيا كمثل لفشل الفدرالية هو مغالطة واضحة لأن الذي فشل هناك لم تكن الفدرالية وانما النظام الدكتاتوري والشمولي ومن ثم العدواني التوسعي وسياسته في التطهير العرقي، التي نفذها غلاة القوميين الصربيين المتطرفبن والاستعلائين، وعدم اكتراثهم بأرادة السكان والاقاليم المكونة لها ولخصوصيات هذه المكونات وممارستهم سياسة التطهير العرقي والاستيطان بهدف تغيير الواقع القومي في بوسنيا وكوسوفو وغيرها.

لماذا اختارت الدول الديمقراطية النظام الفدرالي؟
يذكر المتخصصون بدراسة النظام الفدرالي مجموعتين رئيسيتين من الاسباب لتبني الدول الديمقراطية للنظام الفدرالي السائد في معظم، ان لم يكن في كل، هذه الدول بشكل أو بآخر. هذان السببان هما باختصار شديد جدا:
1- اسباب تتعلق بافضلية النظام الفدرالي بالمقارنة مع الانفصال والاستقلال التام. وهذه الاسباب تتعلق بصيانة وحدة الشعب والدولة والارض والسيادة وقبول التنوعية والتعددية واحترام خصوصية او خصوصيات مكونات أو وحدات هذا النظام الفدرالي.
2- اسباب تتعلق بافضلية النظام الفدرالي بالمقارنة مع الدولة المركزية الاوحدية. وهذه الاسباب تتعلق بصيانة وحدة الشعب والدولة والارض والسيادة وتمنع قيام حكومات مركزية دكتاتورية شمولية ترفض التنوعية والتعددية وتهضم حقوق وخصوصيات كل وحدة من وحداته (اقليم او منطقة او ولاية) لأن الفدرالية توزع السلطة على العديد من الوحدات وتمنع تركزها وتمركزها بيد القلة القليلة.

هاتان المجموعتان من الاسباب تنطبق على حالة العراق بشكل جيد. فالكورد يريدون النظام الديمقراطي الفدرالي التعددي الذي يحترم الخصوصية الكردستانية "والهوية التاريخية" لشعب كردستان من اجل الحفاظ على وحدة العراق شعبا وارضا ودولة ولصيانة هذه الوحدة في وجه ما قد يظهر من ميول استقلالية او انفصالية. كما ان الكورد يريدون النظام الفدرالي الذي يحترم الخصوصية الكردستانية "والهوية التاريخية" لشعب كردستان من أجل قطع الطريق على امكان ظهور واحتمال بروز مركز سلطة ذو مركزية شديدة تتركز وتتمركز فيها كل السلطة فيه لوحده مما يتيح امكانية نشوء انظمة دكتاتورية مطلقة وشمولية، عدوانية ومغامرة وتوسعية تدمر الاقتصاد وتسبب المآسي والويلات للشعب وتضطهد القوميات الاخرى الى حد الابادة وتتخذ قرارات كيفية واعتباطية تدمر حياة الملايين منهم (كما حصل في العراق خلال العقود الاربعة المنصرمة خاصة في ظل حكم الطاغية صدام وكما حصل في يوغسلافيا السابقة وصربيا في ظل حكم ميلوسوفيج).

كردستان العراق والحل الفدرالي لقضية كردستان العراق
مسألة الفدرالية لكوردستان العراق ضمن دولة موحدة ليست قضية جديدة. لقد تم رفع مطلب الفدرالية كشعار انتخابي مركزي من قبل حزب سياسي كردستاني
[1] في أول انتخابات برلمانية ديمقراطية وحرة جرت عام في أيار عام 1992 في الجزء المحرر من كردستان العراق. كان شعار ذلك الحزب (السلام، الحرية، الديمقراطية، الفدرالية [آشتي، آزادي، ديموكراسي، فيدرالي]. شعار ومطلب الفدرالية هذا تبنته علانية الاحزاب والقوى السياسية الكردستانية كلها وصار شعارا مقبولا شعبيا بشكل واسع في المجتمع الكردستاني عموما.

مطلب الفدرالية لكردستان العراق اصبح واحدا من المصطلحات التي جاءت في المناقشات والبيانات والوثائق المتبناة من قبل اطراف واطياف المعارضة العراقية، الدينية والعلمانية، الديمقراطية واليسارية والقومية العربية، المشاركة في هذه الاجتماعات والمداولات داخل كردستان العراق المحررة وفي خارج العراق، والتي من بين اهمها اجتماعات صلاح الدين ولندن قبل سقوط نظام البعث وفي الناصرية بعد تحرير العراق (بحضور ممثل شخصي للرئيس الامريكي بوش). وكان كل المشاركين في هذه الاجتماعات على علم بأن هذه الفدرالية هي فدرالية لأقليم كردستان بعد ازالة جميع آثار سياسة التطهير العرقي من التهجير القسري والتسفير الجماعي والاستيطان التي نفذها نظام البعث ضد كردستان وكورد العراق. ليس فقط هذه القوى المعارضة كانت على علم بهذه الفدرالية وانما التحالف ايضا وفي مقدمته الولايات المتحدة الامريكية، وهذا ما أكده الرئيس بوش قائلا "العراق سيكون مكانا يستطيع ان يرى فيه الناس الشيعة والسنة والاكراد يتعايشون في فدرالية". وحسب اطلاع الكاتب فأن أي من هذه الاطراف العراقية وغيرها لم تذكر أو تشير بأي شكل من الاشكال الى فدرالية على اساس المحافظات سابقا (الكلام عن ما يسمى بـ"فدرالية" المحافظات هو في الحقيقة لعب وتلاعب بالكلمات لأن المحافظات وقبلها الألوية هي تقسيمات ادارية أضعف من اللامركزية. اللامركزية عُرضت على الكورد من قبل الحكومات العراقية زمن حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وغيره من بعده وتم رفضها في حينه مما حمل الحكومة العراقية عام 1969-1970، أي قبل 35 عاما على قبول الحكم الذاتي لكردستان العراق بموجب نصوص اتفاقية 11 آذار 1970). الفدرالية كان المقصود والمفهوم منها فدرالية تحافظ على الخصوصة الكردية ضمن المناطق الجغرافية المتلاصقة التي يقطنون فيها (كردستان) وعلى "الهوية التأريخية" (كما عبر عن ذلك كولين باول وزير الخارجية الامريكي). ان ما يريده كورد العراق هو فدرالية جغرافية في الاماكن التي يمثلون فيها ألاكثرية بين سكانها والتي سكنوها ويقطنونها منذ آلاف السنين وبعد ازالة كل آثار التطهير العرقي من تهجير وتسفير واستيطان. هذه مطالب متواضعة على ضوء الوضع الواقعي لأقليم كردستان العراق منذ انتفاضة 1991 ولحد الآن وعلى ضوء المعاناة الجسيمة التي تعرض لها شعب كردستان العراق منذ تأسيس الدولة العراقية.

الحل الفدرالي في العراق وخصوصية المشكلة التاريخية لكردستان العراق
ناضل الكورد من اجل نيل حقوقهم الانسانية والثقافية والسياسية والقومية المشروعة لعقود وقرون منذ العهد العثماني والصفوي مرورا بالعهد الاستعماري وتأسيس الدولة العراقية. حصل الكورد على وعود كثيرة ومتعددة وفي مرات كثيرة خلال هذه الفترة وكانت شفهية احيانا تحريرية احيانا أخرى، غالبيتها، إن لم يكن كلها، عمومية وضبايبة غير محددة المعالم عن قصد وسبق اصرار بهدف التخلي عنها وضربها عرض الحائط او انكارها جملة وتفصيلا بعد تحقيق الجهات صاحبة الوعود لأهدافها الحقيقية. حالة الوعود العمومية والضبابية السخية التي تحولت الى نكوث وتخلي عن الوعود والارتداد عليها واسلوب اللجوء الى التاجيل والتسويف والمماطلة تكرر مرات عديدة ومن قبل انظمة وحكومات واحزاب وقوى سياسية عراقية ومن دول جوار وقوى عظمى. وفي كل مرة حصل ووقع هذا النكوث والارتداد عن الوعود والعهود. لذا فمن الواضح لكل طرف موضوعي ومفهوم لدى كل طرف منصف ان الكورد، بعد كل هذه التجارب المريرة، وبعد كل الكوارث والمآسي التي تعرضوا اليها على يد هذه الحكومات والاحزاب والقوى خلال كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، لا يستطيعون الآن القبول بالعموميات الغامضة والضبابية، أو التاجيل والتسويف والمماطلة (وكما يقول المثل، "لا يلدغ المرأ من جرح مرتين"، إلا ان شعب كردستان قد لدغه مرارا وتكرارا وخاصة من "اصدقاء" و"حلفاء" الأمس.

هناك وثائق دولية وعراقية تشهد على ما جاء اعلاه (معاهدة سايكس-بيكو، معاهدة سيفر ومعاهدة لوزان والوثائق المودعة لدى عصبة الامم عن العراق والدستور العراقي المؤقت الصادر عهد الزعيم عبد الكريم قاسم (شراكة الكرد والعرب في العراق) واتفاقية 11 آذار 1970 وقانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان الصادر في آذار 1974 والاتفاقات والبيانات مع مختلف الاحزاب والقوى السياسية العراقية ومع ممثلي دول الجوار والقوى العظمى والتحالف.

لذا فان طلب القوى السياسية الكردستانية ادخال موضوع الفدرالية، على اساس الوصول الى حلّ ياخذ بنظر الاعتبار خصوصية الوضع التاريخي والهوية التاريخية لكردستان العراق والتجارب التاريخية المريرة لشعب كردستان، نابع من رغبتهم في تجنب تكرار ما حصل من مآسي وكوارث أُنزلت على شعب كردستان وعلى الكورد في العراق (عمليات الانفال، التهجير القسري والتسفير الجماعي، القصف الكيمياوي والقتل الجماعي، التطهير العرقي والصهر القومي، تدمير الاقتصاد، سلب ونهب املاك وممتلكات الكورد وكأنها غنائم حرب (فرهود باللهجة العراقية)
[2]، وهتك اعراض نساء وبنات الكورد (و"تصديرعدد منهن الى ملاهي ودور دعارة "دولة عربية اسلامية") و"استغلال" المئات من اطفال كوردستان ضحايا الانفال. كما ان ترك القضية الكردية في العراق دون حل جذري على اساس الفدرالية المذكورة اعلاه فان العراق، وعلى اساس تجارب ما يقارب القرن من الزمن، سوف لن يرى الديمقراطية ولن يشهد الهدوء والاستقرار ولن يحقق التقدم لأن هضم حقوقهم وعدم الاستجابة اليها يعني انعدام الديمقراطية وسيؤدي آجلا أو عاجلا الى استخدام القوة والعنف ضدهم من قبل المركز وستتكرر المآسي والكوارث من جديد. ليست هناك اية ضمانات في طروحات اصحاب ما يسمى "فدرالية المحافظات" الرافض للتحديد الجغرافي لأقليم كردستان وكيفية توزيع السلطة في "دولة العراق الجديدة" ووضع الضوابط الدستورية والقانونية مما يدل على وجود اجندة خفية (لديها ولدى دول الجوار) لإرجاع عقارب الساعة الى الوراء واعادة تكرار "تجارب" حل قضية كردستان العراق بالاساليب والوسائل القديمة، اساليب الارغام والقهر واستعمال القوة والعنف (ربما بمساعدة قوات دول الجوار). هذا الشك لدى الكرد له ما يبرره لأن هذه الجهات سبق لها أن وافقت علانية على الفدرالية لكردستان العراق (ليس للمحافظات) ولكنها انقلبت عليه الآن ربما بعد شمّها رائحة السلطة، وربما لإعتقادها المسبق بانها ستتسلم زمام امور العراق عن قريب، وتشجيع دول الجوار والمساندة العلنية أو الخفية غلاة للقوميين المتطرفين وأعوان النظام البائد. يبدوا انه لا زالت في العراق لم تأخذ عبرا من تأريخ العراق وتجارب انظمة الحكم فيه واسلوب تعاملها مع قضية كردستان العراق.

دول الجوار وموقفها من الديمقراطية والفدرالية في العراق
تطبيق الفدرالية في العراق يعني تطبيق الديمقراطية البرلمانية التعددية ويعني ايضا تعايش وحدة الشعب والارض مع التنوع وتوزيع السلطات. الدول والحكومات والقوى السياسية التي تؤمن فعلا وعملا بالديمقراطية وتطبقها أو تريد تطبيقها تفضل الفدرالية (التي تقطع الطريق على بروز انظمة دكتاتورية وشمولية) على المركزية الاوحدية (التي هي شرط مسبق لبروز الدكتاتورية والشمولية) في حين ان الدول والحكومات والقوى السياسية التي لا تؤمن ولاتطبق ولا تريد تطبيق الديمقراطية فعلا هي التي تفضل المركزية الاوحدية التي تتيح لها الامساك بكل السلطة في يدها وتعارض الفدرالية.

لذا نرى ان الحكومات والقوى التي تقول انها قلقة من الفدرالية هي في الحقيقة قلقة من الديمقراطية والتعددية اكثر من قلقها من الفدرالية لأن الديمقراطية ستعطي السلطة الى الشعب في انتخابات برلمانية حرة تسمح بتداول او انتقال السلطة بشكل سلمي (لا بالانقلابات العسكرية ولا بالوراثة) على اساس ارادة الشعب ومكوناته كما يعبر عنها في صناديق الاقتراع ولا تسمح ببقاء السلطة بيد نخبة دكتاتورية عسكرية او مدنية أو أُتوقراطية (سياسية او دينية) او قومية متطرفة همّها مصالحها الذاتية وتقوية سلطتها وتبذير موارد البلاد على اجهزتها القمعية والعدوانية بدلا من اهتمامها بمصالح شعوبها وتحسين مستوى معيشتهم وحياتهم الاجتماعية والثقافية.

هناك حكومات وقوى لا تريد ان ترى في العراق نظاما ديمقراطيا لكنها لا تستطيع التصريح بذلك علانية لذا تركز تصريحاتها واعلامها ونشاطها السياسي والدبلوماسي والمخابراتي على موضوع الفدرالية وتنسق جهودها على اعلى المستويات وادناها لمحاربتها لأنها تعتقد بانها تستطيع تحقق نجاحا اكبر بهذا الاسلوب، ولانها تتصور ان من الاسهل لها ان تلجأ الى تضليل الرأي العام عند طرح الفدرالية لأن الفدرالية (الاسلوب الناجح في تنظيم السلطة في الانظمة الديمقراطية) ليس معروفا الآن بشكل جيد
[3] في بلدان الشرق الاوسط بسبب سيطرة انظمة شديدة المركزية وحكومات دكتاتوية وشمولية وأُتوقراطية وقومية متطرفة (للقوات المسلحة وقادتها الكلمة العليا فيها) على جميع السلطات في الدول هذه. لذا تعمل هذه الانظمة في الواقع على افشال التجربة الديمقراطية (وعن ذلك الطريق قتل الفدرالية) في العراق كما دأبت على العمل والتنسيق على مستوى وزراء الخارجية والاجهزة الامنية والاستخباراتية من اجل افشال التجربة الديمقراطية في المناطق المحررة من كردستان العراق في بداية التسعينيات. تظاهر هذه الحكومات بالقلق على "وحدة الاراضي العراقية" أمر تحيط به شكوك كثيرة لان كردستان العراق وفي احلك وابشع فترة في تاريخهم المعاصر لم يطالبوا بالانفصال حتى حين كانت الاراضي المحررة من كردستان العراق تحت سيطرتهم الكاملة والتامة ولم تكن للحكومة المركزية اية سلطة فيها وتمتع فيها ابناء وبنات القوميات والاديان والمذاهب بحقوقهم القومية والدينية والمذهبية على خلاف ما كان يجري في الاراضي الواقعة تحت سيطرة نظام البعث في تلك الفترة. لذا فأن "القلق" يجب ان لا يكون حول نوايا شعب كردستان العراق واهدافه بل حول النوايا والاهداف الحقيقة التي تريد هذه الحكومات والقوى السياسية تحقيقها. لقد استفاد شعب كردستان العراق من فترة 1991-2003 (رغم التدخلات والمؤامرات الخارجية والمشاكل الداخلية) لنشر وتثبيت الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الاقليات القومية والدينية والمذهبية في المناطق المحررة وتطوير الاقتصاد والمجتمع وتحسين مستوى معيشة السكان وايجاد فرص العمل لهم واعادة اعمار ما دمرته الحروب التي شنتها على كردستان الحكومات العراقية المتعاقبة وتطوير التعليم والثقافة والخدمات الصحية للمواطنين (رغم فرض نظام البعث كل انواع الحصار خاصة على المنتجات النفطية والطاقة الكهربائية على هذه المناطق).

شعب كردستان العراق وشعب العراق مصدر وقوة وشرعية الفدرالية
على ضوء التجارب التاريخية المريرة فأن التعويل في الدرجة الاولى هو على شعب كردستان والكورد في العراق ووحدة صفوفه وتقدمه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي واحقية مطالبه المشروعة والعادلة والمبررة تاريخيا واعتماده على نفسه بالدرجة الاولى. ويحتاج شعب كردستان الى الحفاظ على العلاقات الجيدة مع قوى التحالف وتقويتها معها ومع القوى السياسية العراقية التي لا زالت ملتزمة باتفاقاتها وعهودها مع القيادة الكردستانية في اجتماعات صلاح الدين ولندن والناصرية وغيرها وبذل جهود اكثر لشرح نوع الفدرالية التي يطالبون بها والرد على من يحاول، عن جهل او عن سبق اصرار، تشويه مفهوم الفدرالية وتطبيقاتها في العالم، والعمل على تجنب ما قد يستغله خصوم الفدرالية والمناؤين لحقوق شعب كردستان ضد هذه الحقوق.

دعوات التأجيل والتسويف ومصداقية البعض
تدعو بعض الجهات (اكثرها عن حسن نية ولكن بعضها لهداف اخرى) من شعب كردستان العراق الانتظار حول الفدرالية حتى اجل مسمى او غير مسمى وغير محدد بانتظار نقل السلطة واستعادة السيادة واجراء الانتخابات. كما ان هناك البعض الذي تنكر لما تم الاتفاق عليه بين قوى المعارضة العراقية والقيادة الكردية خلال العقد الفائت بحجج غير مقبولة. هذا "الانقلاب" في المواقف المعلنة والتراجع عن الاتفاقات والتفاهمات يضع علامة استفهام كبيرة على جدية ومصداقية هذا البعض ويذكّر شعب كردستان العراق بنفس النوع من "التكتيكات" السابقة من عهد عبد السلام علرف حتى عهد صدام حسين، وهو تكتيك الاتفاقات والتفاهمات والبيانات والتصريحات قبل استلام السلطة ثم اللجوء الى التسويف والمماطلة والتأجيل والتراجع بالتدريج أو مباشرة بعد استلام السلطة.

هذه التجارب الطويلة والمريرة تجعل من الصعب جدا على شعب قبول الانتظار والتأجيل وتسبب قلقا مبررا لدى كردستان والقيادة السياسية الكردستانية. ومن المؤكد ان القوى والشخصيات السياسية العراقية تتفهم وتقدر هذا القلق الناتج عن تراكم تجارب تاريخية طويلة ودموية.

إثارة النعرات والنزاعات الدموية والتهديدات المبطنة
كل شخص له اطلاع ولو سطحي على التاريخ المعاصر للعراق ولكردستان العراق يعلم علم اليقين بان العراق وكردستان العراق لم تشهد النعرات (القومية او الطائفية او المذهبية او الدينية) ولم تقع فيها نزاعات قومية او طائفية أو مذهبية أو دينية على مستوى السكان والقوى السياسية المعارضة لنظام صدام الجائر التي كانت متواجدة في المناطق المحررة من كردستان التي يقطن فيها العرب والتركمان والكلدو-آشوريون، المسلمون، سنة وشيعة، والمسيحيون والأزيديون وغيرهم. النعرات والتمييز والتفرقة القومية والطائفية والمذهبية والدينية اثارتها ومارستها الدولة ممثلة بالقوانين والحكومات والانظمة التي حكمت العراق اضافة الى التطهير العرقي والصهر القومي والاستيطان والتسفير الجماعي والتهجير القسري بهدف تغيير الواقع القومي في عدد من المناطق. ولكن وبالرغم من هذه السياسات العدوانية استمرت العلاقات الاخوية بين الكرد والعرب (شيعة وسنة) والتركمان والكلدو-آشوريين والارمن وغيرهم. ووجدت مختلف الأطياف والميول السياسية المعارضة في المناطق المحررة من كردستان العراق مكانا آمنا لها اثناء حكم الطاغية صدام، كما وزار الاقليم بعد سقوط النظام الشوفيني الطائفي عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين من مختلف انحاء العراق ووجدوا لدى سكان الاقليم كل اخوة وترحاب.

أما تصريحات بعض المسؤلون من بعض دول الجوار حول قلقهم على "وحدة الاراضي العراقية" ومن "النعرات" و"النزاعات الدموية" و "ردود الفعل الصارمة" فانها تفتقد الى المصداقية ولم نسمعها منهم عندما كانت التفرقة القومية والتمييز الطائفي والمذهبي والديني يمارس من قبل نظام البعث لحوالي اربعة عقود من الزمن. وما هذه التصريحات سوى محاولة غير مباشرة لخلقها ولإثارتها. كما انها تنطوي على محاولة لتخويف شعب العراق ويمثل تهديدا مبطنا لشعب كردستان العراق اذا اصر على مطالبته بالديمقراطية والفدرالية. وبما ان "النعرات" و"النزاعات الدموية" و"ردود الفعل الصارمة" لم تقع في تأريخ العراق الحديث لحد الآن فان وقوعها الآن سيكون نتيجة التدخل والتحريض من قبل حكومات هذه الدول واجهزتها والقوى المتجاوبة معها والتي اهدافها الحقيقية هي منع العراق من تطبيق الديمقراطية والفدرالية وحرمانه من نِعَم السلم والاستقرار وألأمن وعرقلة تمتعه بالرفاه الاقتصادي والتقدم الاجتماعي بعد اربعين عاما من الحروب العدوانية العبثية الداخلية والخارجية واضاعة وتبذير خيرات البلد. الا اننا نتوقع الفشل لهذه المحاولات بسبب وعي ونضوج وتعاون جميع القوى السياسية العراقية والكردستانية وقوى التحالف.


[1] حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني
[2] يشير أحد الاصدقاء الى انتشار "ثقافة" أو "عقلية" الفرهود في مجتمعات الشرق الاوسط التي عبّرت عن نفسها مرارا عند غياب السلطة وانعدام الامن عند وقوع تغييرات سياسية كبيرة (كما حصل يوم 14 تموز 1958 واثناء انتفاضات 1991 وعند سقوط نظام البعث في 9 نيسان 2003 وبعدها) او عند احتلال الجيش العراقي للكويت عام 1991 ونهب نفط الشعب العراقي من قبل حكومات جوار وسياسيين وصحفيين ... الخ من الدول العربية والاسلامية والاوربية والاسيوية والافريقية وشمال امريكية وجنوب امريكية، والتي ذكرت اسمائها صحف بغدادية. ويرجع البعض اصولها الى الثقافة القبلية-البدوية والغزوات بين القبائل وغنائمها من الاموال المنقولة والابل والاغنام والنساء ... الخ. هذه المسألة تحتاج الى دراسة خاصة.
[3] هناك ما يشبه الفدرالية في التاريخ الاسلامي اذ الى جانب السلطة المركزية المتمثلة بالخليفة والوزراء وبيت المال الخ وجدت اقاليم وولايات تدير نفسها بنفسها عن طريق والي يحكمها ويدير شؤونها ويجبي فيها الضرائب التي كان يرسل قسما منها الى بيت المال في المركز والقسم الآخر كان يصرف على شؤون الاقليم او الولاية الخ.