غياب الصوت الكوردي الفيلي في العراق الجديد.. الأسباب والنتائج

علي الاركوازي
26/2/2004
rebwar110@hotmail.com

انا كنت ولا زلت من اشد المدافعين عن حقوق شريحة كبيرة من الشعب الكوردي في العراق ألا وهم الكورد الفيلية ، وكتبت عن بعض المآسي والمحن التي مرت بهم على يد السلطات المتعاقبة على حكم العراق ولا زلت عند رأيي السابق بأنهم من اكثر الشرائح في المجتمع العراقي تعرضا للظلم والاضطهاد واعتقد ان ما كتبته وما يكتبه غيري عن تلك المظالم لا تمثل الا نقطة في بحر متلاطم الأمواج ، وكانت الممارسات التي تجرى عليهم اصدق مثال على ما للتطهير العرقي من معنى . للأسف استمرت هذه المظالم حتى بعد سقوط النظام البعثي الفاشي عندما رأينا وسمعنا و قرأنا عن كل المظلومين وكل المضطهدين الا الكورد الفيلية فهم من أبرز الغائبين أو بالأحرى المُغَيبين عن ساحة التراجيديا العراقية الآن، وقد شاهد العالم بأسره كيف انبرى كل شخص للمطالبة بحقوقه وكيف شرحت كل فئة ما لاقته من الظلم والجور على يد صدام و أزلامه حتى ابناء العوجة وجدوا من يدافع عنهم وعن حقوقهم ، ولا زلت أتذكر احد ابناء كامل المجيد يشرح في مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات العاهرة العربية كيف ان صدام استولى على بساتينهم و أراضيهم بعد مقتل حسين كامل مع ان صدام وآل صدام و ابناء عمومته لم يكن يملكوا شبرا واحدا قبل وصول حاميهم و حراميهم إلى السلطة ، أما الفيلية فلا بواكي لهم الا اللهم سطرا واحدا من بضعة كلمات في نهاية كل خطبة عصماء من خطب السادة اعضاء المجلس الانتقالي الموقر في بداية ونهاية (دورتهم الشهرية) عن إعادة حقوق المهَجرين والمرَحَلين واكثر هذه الأسطر مجرد كلام في كلام وبعضها لا تساوي ثمن الورقة التي كُتبت عليها الخطبة ...

انا أؤمن بان ليس هناك فرقا بين كوردي وآخر فنحن أمة واحدة ولنا تاريخ واحد ولنا مصير مشترك واحد ولغة واحدة بلهجات مختلفة حالنا حال بقية الأمم والشعوب سواء كنا في العراق أم في تركيا أم في إيران أم في سوريا وسواء كنا سوران أم بادينان أم لور ، كما ارى أيضا ان الكورد في مجلس الحكم يمثلون جميع أكراد العراق ، ولا اعتقد ان هناك كوردي واحد يشك في هذا الا اللهم قلة قليلة لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب من الذين يتصورون بان السيد مسعود البارزاني يمثل الكورد في اربيل ودهوك و السيد جلال الطالباني يمثل الكورد في السليمانية وفي هذا تجني على السيدين الفاضلين وعلى تاريخهما ، وهذه نغمة نشاز يحاول أعداء الكورد العزف عليها و القصد منها شق الصف الكوردي وضرب وحدته الوطنية التي تجلت بأبهى صورها منذ الفترة التي أعقبت سقوط صدام والى يومنا هذا، و أكاد اجزم بان الشعب الكوردي في كوردستان العراق لم يكن موحدا في أية فترة من فترات تاريخه النضالي الطويل كما هم الآن ولم يكن الحس الوطني الكوردي عاليا كما هو الآن ، واكبر دليل على ما نقول المظاهرات الصاخبة التي عمت أرجاء المعمورة في 21 ‏شباط‏‏ 2004 ‏عندما اختفت الأعلام الخضراء والصفراء (أعلام الحزبين الكورديين الكبيرين) وحل محلها علم كوردستان وعندما اختفى الهتاف بحياة القادة وحل محلها الهتاف بحياة كوردستان ، و في وسط كل هذا كان الكوردي الفيلي متواجدا كعادته رافعا لأعلام وطنه وهاتفا بحياته، ولكن تبقى بعض الغصة وبعض الألم الذي يختلج في صدور الخيرين منهم وهم الغالبية العظمى عن سر تغييبهم وعن سر الإهمال الواضح لهم و لعدالة قضيتهم ، و انا اعتقد بان لهم الحق في كل ما في قلوبهم ولكن حب كوردستان وانتمائهم له يمنعهم من البوح وفي هذا يعطون أروع الأمثلة في تغليب مصلحة الوطن والشعب على المصلحة الشخصية ... ولكن و ككوردي محب لجميع ابناء أمته ارى بان التمادي في هذا التهميش وهذا التغييب للكورد الفيلية قد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباه ، وعلى بقية ابناء الشعب الكوردي ان يرفعوا أصواتهم بالمطالبة بحقوق اخوتهم الفيلية ...

ان على القيادات الكوردية وخاصة الحزبين الكبيرين الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني مسؤولية قومية وأخلاقية في تبني قضية الكورد الفيلية والمطالبة بإرجاع كافة الحقوق المغتصبة منهم إليهم ، و الإسراع بوضع برنامج وخطة عمل وتشكيل لجان للتنسيق مع مجلس الحكم لإصدار قوانين و قرارات تعيد الاعتبار للكورد الفيلية ، وكذلك العمل على عدم السماح لأعداء الشعب الكوردي من التمادي في غيهم ، إذ لا يزال هناك بعض النكرات من أيتام العهد البائد والذين دخلوا إلى دوائر صنع القرار في العراق الجديد يعتبرون الكورد الفيلية من التبعية الإيرانية وانه ليس لهم حق العودة وحق استرداد الجنسية العراقية التي سلبها البعث منهم و اعتقد ان هذا احد أهم الأسباب التي ساهمت في غياب الصوت الفيلي وقد تطرق العديد من قيادات التنظيمات والأحزاب الجديدة والتي أُنشأت بعد سقوط صدام وأكثرهم كانوا من المنتفعين من النظام السابق في لقاءاتهم التلفزيونية وعلى صفحات جرائدهم الصفراء المنتشرة على أرصفة بغداد بان الشيعة يحاولون إدخال العديد من الإيرانيين إلى العراق لغرض توطينهم و لكي يزداد عددهم ، وهم يقصدون بالطبع الكورد الفيلية .

ان على القيادات الكوردية ان تتنبه لهذه الأصوات الشاذة التي ان لم يتم وضع حد لها سيصبح نتائج ترهاتهم وخيمة على مستقبل الكورد الفيلية ، وقد ساهم بعض رجال الحكم من الذين عاصروا وشاهدوا الظلم الذي لحق بالكورد الفيلية في هذا التهميش والتغييب لصوتهم عندما اهتموا بإصدار قرارات ليست من ضمن أولويات المواطن العراقي بل تزيد من معاناته ومن شعوره بالظلم ونسوا معاناة الملايين في داخل العراق وخارجه، فعندما يُصدر مجلس الحكم الانتقالي قرارا بتخصيص راتب تقاعدي لأشخاص حكموا العراق بالحديد والنار في وقت لا تزال فيها المئات من العائلات الكوردية الفيلية والعربية تعيش على الصدقات التي تقدمها (جمهوري إسلامي) في معسكرات اللجوء وهناك أيضا الآلاف من الآباء والأمهات لا زالوا يبحثون عن جثث شهدائهم في المقابر الجماعية وهناك آلاف من الكورد الفيلية لا زالوا يبحثون عن جثث أولادهم و أحبتهم من الذين قضوا نحبهم في تجارب ابن العوجة الكيماوية، ألا يُعتبر مثل هكذا قرارات إمعانا في الظلم الذي لحق بالفيلية ؟ ماذا يتوقع جهابذة مجلس الحكم من ردود أفعال هؤلاء الضحايا ؟ وكيف سيُصدق هؤلاء الضحايا الوعود والأحلام الوردية التي يحاول بعض رجالات مجلسنا العتيد تسويقها لهم ؟ وكيف سنبدأ ببناء العراق الجديد إذا كان مطلع القصيدة كفرا؟ ....

يجب على القيادات الكوردية ان تعمل على ان يكون للكورد الفيلية صوتا بل أصواتا في أية توسعة مرتقبة لمجلس الحكم تتناسب مع حجم تضحياتهم وحجم آلامهم ومعاناتهم ، ونحن على علم بان للكورد الفيلية من الرجال من هم فطاحل في السياسة وفي الاقتصاد وفي العلوم العسكرية والوسط الكوردي الفيلي زاخر بالعلماء والأستاذة الذين يعملون في أرقى الجامعات الأوروبية والأمريكية ، وهذه الثروات يجب ان تستثمر لأنها ثروات قومية ، كوردستان والعراق أحق بها من الأجنبي ...

ان كلامنا هذا لا يعني بالضرورة إلقاء اللوم على الغير في كل هذا التهميش والتغييب الذي يتعرض له الكورد الفيلية بل على العكس ارى بان اخوتي الفيلية يتحملون جزءا وان كان يسيرا في هذا ، حيث كان عليهم توحيد كلمتهم والإسراع في تأسيس الأحزاب السياسية والاتفاق على قيادة موحدة وعدم الاكتفاء بالعمل ضمن الأحزاب والتنظيمات الكوردية التقليدية وليس في هذا أي حرج طالما النتائج ستصب في خدمة الشعب الكوردي الفيلي وغير الفيلي ، فما المانع مثلا من ان يكون هناك حزبا مثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني الفيلي يقوده الرموز الكوردية الفيلية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني الأم ، أو الاتحاد الوطني الكوردستاني الفيلي يقوده الرموز الكوردية الفيلية في الاتحاد الكوردستاني الأم ، وهذه ليست دعوة لانشقاق أولئك المناضلين عن الحزبين الكورديين بل على العكس أرى في هذا حل مثالي لمشكلة ستقع في المستقبل إذا ما تم اختيار نوع الحكم في العراق الجديد ، وبما ان الفدرالية اقرب الأشكال ، وإذا حصل هذا فان الكورد الفيلية لن يكونوا ضمن الفدرالية الكوردية (إقليم كوردستان) وذلك لتواجدهم في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية عندها يُصبحوا أقلية في المنطقة أو المناطق الفدرالية مما سيؤثر سلبا على تطلعاتهم إذا ما بقي حالهم على ما هو عليه الآن ، لذا سيكون تواجد الرموز الفيلية المنتمية إلى الحزبين الكبيرين (الاتحاد الوطني والديمقراطي) في بغداد ضمن أحزاب كوردية فيلية اكثر فائدة من تواجدهم في كوردستان و الإضافة التي سيضيفونها للكورد الفيلية ستكون اكبر أثرا واكثر نفعا من بقائهم على الهامش في إقليم كوردستان ومثل هكذا تجارب موجودة في العالم وخاصة بين التيارات الاسلامية مثل حزب الله والأخوان المسلمين مع بعض الفوارق البسيطة .

وقد يقول قائل بان للكورد الفيلية العديد من التنظيمات التي تتحدث باسمهم الآن على الساحة ولهم أصوات عالية وقد لا اختلف مع هذا لكن تبقى أشياء يجب ان تؤخذ في الحسبان ومن هذه الأشياء ان تلك التنظيمات مع شديد احترامي وتقديري لها لا ترقى إلى مستوى الطموحات والآمال التي يصبوا إليها الكورد الفيلية فهي إما تنظيمات صغيرة تمثل بعض النخب و إما تنظيمات إسلامية ترجح المذهب على القومية و أجندة اغلبها ليست ذات توجهات كوردية وبالتالي لا تمثل الا فئات قليلة من الفيلية .

لذا ارى بان على اخوتي الكورد الفيلية ان يقوموا من الآن بترتيب البيت الداخلي والعمل على تشكيل أحزاب سياسية سواء بالكيفية التي اقترحتها انا (الاتحاد الوطني الفيلي أو الديمقراطي الفيلي) أو بأية طريقة يرونها هم لأنها السبيل الوحيد لنيل حقوقهم المشروعة ، و انا على علم بكل الجهود المبذولة من ابناء الكورد الفيلية من مؤتمرات وندوات وتشكيل هيئات وطرح أفكار ومشاريع الهدف منها شرح قضيتهم العادلة والمطالبة بحقوقهم المشروعة ولكن كل هذا لا يكفي بل نطالبهم بالمزيد والمزيد ونطالبهم أيضا بان يوحدوا كلمتهم وان يلتفوا حول رموزهم الذين هم رموز للكرد جميعا. وعلى الكورد الفيلية ان يعلموا جيدا بان غياب صوتهم في العراق الجديد جزء بسيط من أسبابه تقع عليهم هم ويجب تدارك هذا الشيء بأسرع وقت لان النتائج لن تكون في صالحهم .

في الختام نستطيع ان نوجز أسباب غياب الصوت الكوردي في عدة نقاط أهمها :

1- بقايا أيتام النظام البائد من الذين لا زالوا يؤمنون بأفكار القائد الضرورة والتي تقول بان الكورد الفيلية من التبعية الإيرانية ومن ثم لابد من (تهميشهم) وعدم السماح بارتفاع أصواتهم .

2- تقصير القيادات والأحزاب الكوردية تجاه اخوتهم الفيلية ، إذ كان عليهم منح مقعد من إحدى المقاعد الخمس المخصصة للكورد إلى اخوتهم الفيلية على غرار ما قاموا به عند تشكيل لجنة التنسيق والمتابعة المنبثقة عن مؤتمر لندن عندما تنازل كل حزب من الحزبين الكبيرين عن إحدى المقاعد ومنحوها إلى السيدين مشعان الجبوري ووفيق السامرائي !.

3- عزوف بعض رجال مجلس الحكم عن الاهتمام بالكورد الفيلية لعدم حاجتهم إليهم بعد سقوط صدام ونسوا للأسف كل تملقاتهم السابقة ايام المعارضة وخاصة عندما كانوا يجوبون معسكرات اللجوء لتجنيد شباب الفيلية في فيالقهم ، ومن حق الفيلية ان يسألوهم الآن (عرفتمونا في إيران و أنكرتمونا في العراق فما عدا مما بدا؟) .

4- تقصير من قبل بعض الرموز الفيلية العاملة في الأحزاب الكوردية عندما فشلوا في إثبات جدارتهم ونيل ثقة قياداتهم (وهذا طبيعي لوقوع قاعدتهم الجماهيرية في مناطق أخرى غير كوردستان) ، ومن حق الفيلية ان يسألوا بعض هؤلاء من الذين ناضلوا لأكثر من 30 عاما في بعض الأحزاب.... إلى اين وصلتم ؟ وما هو محلكم من الإعراب؟ ... .

5- التناحر والاختلاف في البيت الفيلي وعدم القدرة على توحيد الكلمة... وهذا ما يجب تداركه ووضعه على رأس الأولويات .

أما نتائج هذا الغياب أو التَغييب الفيلي عن المشهد العراقي فيمكن تلخيصها إلى :

1- المزيد من التهميش والقليل من الفرص لاسترداد الحقوق المشروعة .

2- ازدياد الشعور بالظلم والغبن مما سيؤثر سلبا على مردود الكوردي الفيلي في العراق الجديد .

3- تمزيق لوحدة الصف الكوردي وخاصة بعد ارتفاع الأصوات بتقصير الأحزاب الكوردية ، وفي هذا نقطة انتصار يسجلها أعداء الشعب الكوردي و أعداء العراق .

4- خلق حالات من الفوضى وانعدام الأمن عندما يفقد الفيلية الصبر وهم ينظرون إلى ممتلكاتهم وحقوقهم وقد استبيحت ولا يوجد من يدافع عنهم أو يساندهم .

5- أما اخطر النتائج من وجهة نظري والتي لم ينتبه له البعض هو استغلال غياب الصوت الفيلي لتوطين الفلسطينيين في العراق بمعنى ان تلعب عليها أمريكا ومعها أيتام صدام من الوطنيين الجدد مع بعض التيارات في العراق على إعادة الحقوق للشعب الكوردي الفيلي مقابل توطين الفلسطينيين للاحتفاظ بنوع من التوازن المذهبي في العراق . وقد خرجت بعض التصريحات من بعض شيوخ المثلث تلمح إلى هذا الشيء ، وهذا هو السبب الحقيقي لطلب بعض رجال المجلس من الدول المجاورة (يقصدون إيران) عدم الاستعجال في إرجاع العراقيين بحجة عدم الاستقرار والفلتان الأمني . وسأعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل في مقالة مُفصلة قريبا إنشاء الله .

اتمنى من كل قلبي ان يعمل كل منا سواء كان كورديا أو عربيا وكل حسب قدرته للمساهمة في إعادة الحقوق المغتصبة لشريحة مناضلة و ومضحية من الشعب الكوردي وان يتم وضع حد لمسلسل الظلم الذي يجري بحقهم منذ عشرات السنين لا لذنب اقترفوه ولا لخطيئة ارتكبوها الا اللهم تمسكهم بانتمائهم الأصيل للكورد ولكوردستان .

تحية إكبار و إجلال لشهداء العراق

تحية إكبار و إجلال لشهداء كوردستان

تحية إكبار و إجلال لشهداء الكورد الفيلية