وُيل لمستقبل طائفة الصابئة المندائيين من دستور تفرضه الاكثرية
عربي الخميسي
موسوعة صوت العراق، 9/3/2004
غدا تبدأ الاحتفالات بتوقيع الدستور الجديد للعراق الجديد ُوصف بالديمقراطي ،
وطائفة الصابئة المندائيين والايزيديين ، والشبك، وغيرهم من الاقليات وهم شركاء
أصليون في هذا الوطن ، لم يستمع أحد لشكواهم ، لمطاليبهم ، لصراخهم ،
لنداءآتهم ، ولم يسمح لحضور من يمثلهم ، ولا حتى من باب الاستئناس بالرأي ،
عجيب أمر اصحاب القرار ، لماذا هذا التجاهل والالغاء والتنكر لهذه الطوائف
ولهذا الكم من الناس وطاقاتهم ؟ والسؤال المطروح هل من حق الاكثرية الحكم
والتحكم بالاقلية ؟ ربما يكون ذلك صحيحا في مجال التجارة وحساب الربج والخسارة
على اساس حيازة اكثرية الاسهم في بورصة المساومات اثناء عمليتي البيع والشراء ،
ولكن ليس في إمور الحق والعدل والمساواة ، وحقوق الانسان ، وتقرير مصائر
الناس ، إن هذه الامور لا تباع ولا تشترى أيها السادة الافاضل .
نؤكد وألألم يحز في قلوب أبناء الطائفة المندائية ، على الصيغة التي أتى بها
الدستور المؤقت المعلن ، فان عدم
إعطاء حق هذه الاقلية وذكرهم في الدستور يعد خرقا لحقوق المواطنة ومبادئ
الديمقراطية، طالما كانت هي العتبة التي يقف عندها الشعب العراقي ، للولوج الى
خط الشروع بجميع مكوناته بلا استثناء لبناء العراق الحديث.
نعم جاء قانون ادارة الدولة بمضامين ومبادئ جديدة متطورة ، ُتميزه عن كافة
الدساتير السابقة ودساتير دول العالم العربي كافة ، وهي خطوة متقدمة نحو رسم
خارطة الدولة المستقبلية للعراق ، مثل الجمهورية، و الفدرالية والتعددية ،
وحقوق المرأة ، وحقوق الانسان وغيرها ، ورغم ذلك هناك بعض المآخذ وأهمها على
الاطلاق هي عدم دعودة ممثلي الاقليات لسماع آراءهم ، وطرح افكارهم ، وحقوقهم ،
وخصوصياتهم التي تعتبر بالنسبة لهم أساس تواجدهم وتقرر مستقبلهم ومستقبل
ابناءهم . ومن تلك الطوائف طائفة الصابئة المندائيين .
للطائفة الصابئية أحكام تتقاطع وأحكام الشرع الاسلامي ، وهي بحاجة الى من يجد
لها الحلول ضمن المنظومة القانونية للعراق الجديد ، إعتبارا من الدستور وحتى
القوانين الوضعية التي ستشرع لاحقا ، وأهم تلك الاحكام التي يراها ابناء
الطائفة خطيرة ، و من شأنها تعرض حياة أبناءها بشكل أو بآخر الى القتل
المباح - إن صح التعبير - هذا ما قد حدث فعلا أيام نظام الحكم البائد وهي
كالاتي –
1- لم يُعترف بطائفة الصابئة المندائية كطائفة دينية موحدة تؤمن بالله
واليوم الاخر ، ولها نبيها وكتابها كغيرها من الديانات السماوية ، وعليه فان
مريديها من المندائيين ، هم قوم ملحدين كفار يباح قتلهم وفق مفاهيم البعض من
رجال الدين ، وتفسيراتهم للشرع الاسلامي خدمة لأغراضهم الانانية ، والدين
الاسلامي براء من هذه الاجتهادات والتفسيرات الشخصية ، وللأسف الشديد ان ما
يساند هذا الرأي بشكل غير مباشر هو أن دين الدولة الرسمي هو الاسلام .
2 – في الشرع الصابئي المندائي ، يتساوى الرجل والمرأة تماما بكافة
الحقوق ، وأهم تلك الحقوق هو أن سهامها من الميراث يساوي سهام الذكر تماما،
وهذا الحكم يناقض احكام الشرع الاسلامي والقوانيين الوضعية ، ومما يستوجب
التفتيش عن الحل القانوني له ضمن النصوص القانونية .
3 – وفق الشرع الصابئي المندائي ، لا يرث الفرد المندائي ولا يورث في حالة
خروجه عن الدين المندائي لأي سب كان ، والسؤال المطروح ما هو الحل إذا كان
أحد طرفي النزاع يدين بالدين المندائي والثاني يدين بالدين الاسلامي ،
والمطلوب ايجاد الحل العادل بالنسبة للخصم الاول فقط . لأن الشرع الاسلامي
أوجد الحكم الشرعي للوارث المسلم وأخذت به القوانين الوضعية وحجبته بالنسبة
للثاني .
4 – بالحقيقة أن ما ذكرته أعلاه ما هي الا أمثلة ، وهنالك كثير من الامور
في أحكام الدين المندائي تتقاطع وأحكام الشرع الاسلامي ، كحق الام
المندائية في حضانة طفلها إذا ما أشهر والده إسلامه ، وكذلك حكم الاولاد
القاصرين في إختيار دينهم قبل وبعد بلوغهم سن الرشد القانوني ، وموقف المحاكم
والشرع الاسلامي من ذلك الى آخره من إمور وأحكام ، علاوة على ذلك للصابئة
المندائيين لغة وكتاب وتأريخ وخصوصيات ينفردون بها كلها تعتمد على طبيعية الحكم
وقراراته والموقف من هذه الطائفة المنسية ودرجة الحرية التي ستمنح لآبنائها
مستقبلا
إن طائفة الصابئة المندائيين لن تطلب المستحيل وهي تدرك جيدا المرحلة الصعبة
التي تمر بها البلاد ولكنها تشعر
بمدى الغبن والاجحاف حين لم يرد ذكرها في الدستور صراحة . ولا نعتقد أن خبراء
القانون والمشرعين لهذا الدستور فاتهم ما يعنيه عدم ذكرهم ، وما سيترتب على
ذلك من إمور خطيرة هي مسألة حياة او موت بالنسبة لهذه الطائفة وهو إنذار مبكر
لها وما عليها إلا ان تفتش عن الملاذ الآمن للحفاظ على حياة أبنائها منذ الان
وقبل اي شيئ آخر وقبل فوات الأوان .
هنا نذكر هؤلاء السادة باعلان المحاكم الذي أصدرته القوات البريطانية التي
احتلت العراق سنة 1917 هو أرحم بكثير مما جاء بالدستور الماثل للتوقيع عليه ،
وبعد حوالي التسعين سنة من صدور الاعلان المذكور ، والذي بموجبه ُمنحت محاكم
المواد الشخصية ( البداءة )الاختصاص الوظيفي للنظر في دعاوى غير المسلمين ، كما
نص عليه أيضا الدستور الملكي الصادر سنة 1925 في مواده 75 ، 76 ،78، 79 ونقول
لكم بهذه المناسبة- مبروك عليكم دستوركم الديمقراطي والضيم والهضم لطائفة
الصابئة المندائيين وباقي الاقليات الدينية ومستقبلها المجهول ؟؟ والسلام .
عربي الخميسي
حقوقي وباحث
المستشار القانوني لطائفة الصابئة المندائيين في العراق ( سابقا )
الستشار القانوني لأتحاد الجمعيات المندائية في المهجر
عضو منظمة المجتمع المدني وحقوق العراقيين
اوكلاند / آذار / 2004