وسام الرافدين لماجد فيلي!!

مدحي مندلاوي
kdp.info
23/3/2004

انا لم اتعرف على ماجد فيلي او ميكانيك كما يسمونه، ولكني تمنيت لو اراه واقبل تلك اليدين البارعتين اللتين انقذتا المئات من ابناء العراق ليمنع كارثة حقيقية من الوقوع. لو كان هذا الشاب من اية جنسية اخرى لاصبح بطلا قوميا واقاموا له نصبا من البرونز في احدى الساحات الكبرى وتحدثت عنه الصحف والفضائيات طويلا، ولكنه كوردي وشيعي وفيلي وعراقي!! هذه القصة الحقيقية تشبه احدى روايات ماركيز، ومن يدري ربما يكبر احد الاطفال الذين انقذهم ماجد ويكتب هذه الواقعة كما احس بها وهو يبكي مرعوبا بين ذراعي امه.

بدات القصة وسط المحيط في الطريق البحري من اندونيسيا الى استراليا حيث كانت عبارة (بتشديد الباء) متهرأة تحمل المئات من العراقيين الهاربين من جحيم صدام الى الشواطئ الاسترالية. وكان بعض المهربين يشترون قوارب صيد قديمة جدا تخلى عنها اصحابها باثمان زهيدة ليملأها بمئات المسافرين دون ادنى احساس بالمسؤولية او خدش في الضمير.

قيل لي انهم كانوا 257 انسانا عراقيا، جلهم كانوا من الاطفال والنساء، حشرهم مهرب في مركب متهرئ لا يصلح لزريبة خنازير ودفعهم نحو امواج المحيط الهندي المجنونة. كانوا يرون انفسهم تارة في قمة جبل من الامواج واخرى في واد سحيق تحيط بهم جبال من الامواج التي لا تعرف الرحمة، واي رعب كان يعيشه هؤلاء البؤساء الذين لم يروا في حياتهم سوى نهر دجلة الهادئ وهو يمر ببغداد يحييهم بدماثة خلقه.

ووسط سواد الليل والامواج واسماك القرش جاءهم الخبر المفزع. لقد توقف محرك المركب عن الحركة !!!
مائتان وسبعة وخمسون انسانا كانوا لا يجدون حتى قشة لكي يتعلقوا بها، كان المركب يميل يمينا ويطير شمالا، ولا احد يعرف اية دقيقة سينقلب، الاطفال تعلقوا بامهاتهم وافواههم الصغيرة تحترق بفعل ماء البحر الذي بدأ يتسرب الى كل جزء من كيانهم هكذا كما تسرب السيانيد الى احشاء اطفال حلبجة. الامهات اللاتي لم يرين البحر وغضبه نظرن الى ازواجهن بعتب مر. اية مصيبة هذه ؟؟
الرجال الذين اصيبوا بالجزع كانوا ينظرون الى السماء ولا يجدون ما يقولونه. وفي تلك اللحظات الرهيبة ارتفع صوت من بين الحضور ( يا جماعة ماجد يحاول ان يشغل المحرك ) !!
اي قدر قاد ماجد الى تلك الملهاة المفزعة ؟
انا لم ار ماجد، ولكني اخاله كأي كوردي فيلي مظلوم، حرم من الدراسة في دولتين اسلاميتين، فلم يرى امامه الا ان يصارع الحديد ويتغلب عليه، والكورد الفيليون ما ان يغلق باب في وجوههم حتى يفتحون ابوابا اخرى للابداع وكسب الرزق الحلال من عرق جبينهم وقديما سمعت والذي يقول ( نحن نبحث عن رغيفنا في جحور الافاعي !)، وهكذا كان ماجد والالاف من امثاله الذين انتصروا على الظلم والقهر ووقفوا بطول هاماتهم دون اسناد من احد، لا حكومة ولا وطن ولا قانون !
ذكر لي احد الاصدقاء ان مدينة ايلام في كوردستان ايران كانت مجرد قرية في عام 1980، ولكن الكورد الفيليين المهجرين غيروا معالمها تماما عندما فتحوا فيها محلات تجارية ومعامل ومخابز وحمامات ومحلات سمكرة وميكانيك، هكذا نفخوا الروح في جسد هذه المدينة الميتة والمحرومة، اليست هي ايضا كوردية !!
وهكذا كان ماجد وسط المحيط الهندي، وعلى تلك العبارة البائسة. جميع الركاب تعلقوا بامل واحد اسمه ماجد، النساء توسلن الى الزهراء ان تنصر ماجد، الاطفال ابتهلوا الى الله ان ينجح ماجد في تشغيل المحرك.

كانوا جميعا من ابناء الوسط والجنوب او من المهجرين الى ايران لذلك كانت السنتهم تلهج بذكر الامام علي عليه السلام. وكان ماجد يقطع سلكا هنا وسلكا هناك وهو غارق في الدهون والعرق يتصبب منه ويستعمل كل مهارته وما في جعبته من خبرة، فالمسألة هنا ليست تصليح عطب في سيارة او ارضاء زبون، انه الموت المحتم الذي كان ينتظر كل هؤلاء الناس. كان يعمل ساعات وهو لا يعرف متى ينزل الى القاع ويصبح بين فكي حوت.

كم كانت فرحة هؤلاء الناس كبيرة عندما صعدوا على ظهر هذا المركب وهم ينظرون صوب استراليا، القارة البعيدة التي لم يفكروا يوما ما حتى باسمها، ولكنهم يبحثون عن الامان ورغيفا يحتفظون معها بكرامتهم بعد ان هتكها العروبيون في وطنهم الغني الجميل، وهاهم رهائن بايدي المهربين الجشعين، لعلهم يصلون وتنتهي معاناتهم .

ساعات وساعات وهم ينتظرون وينظرون الى الامواج التي لا نهاية لها، واي انتظار قاتل، وماذا لو لم يستطع ماجد ان يشغل المحرك؟ وفي لحظة سكون دوي صوت المحرك يهدر وسط المحيط، وارتفعت الهلاهل وصيحات الفرح. وخرج ماجد من قاع المركب منهكا وعلى شفتيه بسمة رضا من نفسه، كان ينظر الى الاطفال الذين عادت البسمة الى شفاههم والى الامهات اللاتي بكين فرحا، والى البعيد حيث كان المركب يشق طريقه بتثاقل نحو المياه الاقليمية الاسترالية.

يقال ان ماجد يعيش اليوم في نيوزيلاند، ولعله يقرأ هذه الكلمات ليعرف باننا نحن الكورد امة خيرة، وكانت على الدوام مبعث خير للاخرين ايضا.