البعث والمغيبون في التيزاب والمثارم والمقابر الجماعية

علي ثويني
موسوعة صوت العراق،
2/4/2004

كم من عراقي غيب له حبيب أو صديق او قريب وأنقطعت أخباره في اتون محرقة البعث ؟. ثمة منهم يعيش على أمل أن يجد اثرا لهم في المقابر الجماعية التي مازالت تبوح يوميا عن أسرار المغيبين وتكشف بقاياهم. لقد أصبحت تلك الظاهرة الفريدة في التاريخ واحدة من سمات حقبة زمنية تركت ورائها عراق ينعق على أشلائه البوم. و من العراقيين من سلم أمره لله و آثر الترحم على من أفتقده، وهكذا فقد الأمل بالعثور على أثرله، ولاسيما بعد أن تبين بالدليل عن اساليب إبليسية للخلاص النهائي من شرفاء العراق ممن ترك فاها في عضامة يقض صوته مضجع البعثية. وهكذا لجئوا الى التذويب بالتيزاب ،أو الثرم بالمكائن.
و (التيزاب) أو (الأسيد) ويقصد به (الحامض)، كان قد ورد في التراث العلمي الإسلامي بـأسم (ماء النار)، و أخترع وصفته العلماء المسلمين أيام عز بغداد العلمي، وفحواه خليط من حامض النتريك والكبريتيك بنسب ثابتة، و يستعمل هذا الخليط لغرض تنظيف المعادن النفيسة كالذهب. ومن مواصفات هذا الحامض أنه يذيب اللحوم والشحوم والعظام بحالة اكثر سرعة من ذوبان السكر والملح في الماء ، بما يجعله وصفة سحرية في تذويب الأجساد البشرية لمن أراد.
وقد سمعنا قبل ثلاث اعوام عن أخبار ذلك الضابط المغربي (أحمد البخاري) الذي صحا ضميره بعد أن نام سنين العمر ليشهد في الشيخوخة أمام الملأ عن ممارسات ما أقترفت يداه بحق أناس أبرياء، وأعترف أمام وسائل الإعلام عن معاينته لعدد 10ـ12 جثة كانت يحضر لها أن تلقى في (الأسيد) لتذويبها ومنهم جثة المناضل المغربي اليساري المغدور المهدي بن بركة. وهكذا أراد أن يطلب الصفح من أهل الضحايا، واثار لغطا مس صميم الحياة السياسية في مملكة الحسن الثاني. لكننا لم نسمع حتى اليوم عن بعثيين صحا ضميرهم، ثم تقدموا وأعتذروا عن جرم أقترفوه. وهذا الأمر أو ثقافة الإعتذار يتطلب حتما حسا إنسانيا ناهيكم عن إدراك مرهف وشعور حضاري هو بعيد كل البعد عن حثالات بشرية مثل رعاع (الفلوجة) البداة الهمج الذين مثلوا البارحة بجثث قتلاهم مثلما هو ديدن البعثيين دائما.. وهكذا يؤكدوا بالدليل القاطع أن البعث وممارساته كانت دخيلة على السجية العراقية المسالمة الطيبة الخلوقة، وأن رعاع الفلوجة هم جزء من مسوخ البعث وأن العراقيين منهم براء.
لقد مورست أحتفالات (التيزاب) ضد أصحاب الحظوة الاستثنائية ،الذين يراد أن لايترك أثر ورائهم. وقد مارس تلك اللعبة "الإحتفائية" ستالين مع أعدائه الطبقيين ولاسيما أيام شرطة بيريا ثم حدثت عند هتلر مع أعداءه السياسيين والقوميين. ومارستها المخابرات الفرنسية مع بعض ثوار الجزائر وعملت بها مع الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو إبان الانتداب على الشام.
وقد أصبح الفرنسيون أصحاب تجربة وباع، و أرادوا أن ينوروا بها الغافلين من أجهزة المخابرات "الصديقة" ،وكان من بواكيرها تصديرها لحلفائهم الجدد في العراق، بعد إنقلاب البعث في شباط 1963، حيث لم يسبق وعرف العراق هذا النوع من التعامل الفض. وقد صدر الفرنسيون بضاعتهم ذات الحس "الرقيق" مثل عطورهم، من ضمن منظومة من المقتبسات "الحضارية" جلبها الى العراق تلميذهم و عرابهم "الصربوني" المخلص (ميشيل عفلق). وتم تأسيس أول حوض للتيزاب في قصر النهاية في بغداد بعيد شباط 1963، وذوبت به جثث المعارضين لسلطة البعث من الشيوعيين وقوى الشعب المختلفة الرافضة لهم في حقبة (الهولوكوست أو المحرقة البعثية) .
وحدث الأمر عينه بعد انقلاب 17 تموز 1968 وأعيد إحياء ذلك (الحوض السحري) وكان أولى ضحاياه صحفي من أهالي البصرة يدعى (عبدالعزيز بركات) وكان يصدر جريدة (المنار) فيها، والمفارقة في ذلك الشخص الإنتهازي أنه كان عميلا بعثيا وعمل على الترويج لشخص أحمد حسن البكر. وصفي الرجل على خلفية كم الخيوط السرية التي كان يمسك بها ولاسيما العلاقة والإتصالات المتكتمة مع الجهات المخابراتية الإسرائيلية والأمريكية والإيرانية في (عبادان) التي كان يزوروها تكرارا مبعوثي البكر قبل الانقلاب.
وقد أقر ذلك حسن المطيري الذي كان يشرف هو نفسه على عملية التذويب في الحوض، والمفارقة في أن المطيري لقى نفس المصير عام 1970 وسقى من نفس الكأس وذاب شحمه في نفس الحوض. وقد ورد ذلك في معرض حديث الأستاذ حسن العلوي نقلا عن أخوه (كريم المطيري) الذي صعد شأنه من معلم وبائع صحف في الحلة الى رئيس المؤسسة العامة للصحافة، وسرعان ما هبط منها بعد أن أكل الحامض أشلاء أخيه. ثم تكررت التجربة تباعا مع أول مجموعة تم تذويبها وعددها 32 شخصا ،بعد إتهامهم عام 1969 بمحاولة إنقلابية على الحكم ،وبدءوا بها سنّة التسميات الطنانة، و أسموها( إنقلاب العضاريط).
ومن القصص التي يتناقلها أهل خانقين عن الإقطاعي (الآغا طاهر عزير الكاكئي) الذي لعب دور صلة الوصل بين جناح قيادي في حزب البعث (جماعة البكر وكزار) وشاه إيران، بفعل موقع الرجل الوسطي وسيطرته على قرى من ارض الحدود بين البلدين، ناهيك عن تمتعه بجزيل المواهب البهلوانية والوصولية، و حيث اعتبر نفسه صاحب فضل على البعثيين في سلطتهم .وكان دائب التردد على خير الله طلفاح الذي كان يلتمس منه الحاجة لدى القيادة ،على خلفية ذلك (العرفان). و صادف أن مارس تلك السنة والديدن في ربيع عام 1971 عندما ذهب كما هو مألوف الى طلفاح بمعية أبنه وسائقه وحارسه الخاص الذين لم يرجع أحد منهم ولا حتى سيارتهم الفولكا(البعيرة) التي أقلتهم بحالة تشبه أفلام (أرسين لوبين) ، مما أثار الحيرة والرعب في نفوس أهل خانقين، ومازالوا متوجسين يتناقلون قصتها حتى اليوم.
والأمر نفسه ينطبق على الكثيرين ممن اختفوا في خضم ممارسات سلطة البعث خلال الثلاثة عقود الماضية ،ولاسيما ممن لم يعثر لهم على أثر ومنهم أعداد معتبرة من الاكراد الفيلية المحتجزين بعد التسفير الجماعي الذي طال نصف مليون عراقي.
وقد تسربت تفاصيل وصفية لمهرجانات "التذويب" خلال المدة الأخيرة، نقلها هاربون الى أوربا، والتي مارسها صدام نفسه مع أعداءه بحضور الوزراء والمسؤولين السامين في السلطة بصيغة إستعراضية ورومانسية. فقد استحدثت رافعات خاصة ترفع الضحية من يديه وتنزله رويدا الى الحوض الذي اصبح زجاجيا شفافا (أكواريوم) ليرى السادة الوزراء الأفذاذ أجزاء الضحية وهي تذوب تباعا ابتداءا من أخمس قدميه مع موسيقى صرخات الاستغاثة والرعب المهيمن حتى السكوت الأخير ونفث زفرات الموت.
وفي السياق نفسه فقد نقلت لنا السيدة (ع. الأموي) زوجة أحد كبار الطائفة اليزيدية والمقيمة اليوم في المانيا وذلك منذ عام قبل سقوط البعث في نيسان 2003، بأن إبن عمها(..) وظف في إحدى مراكز المخابرات في منطقة الثرثار، ويقع جل بناءه في قبو (سرداب) تحت مرج أخضر ، حيث شهد خلال أسبوع من عمله كيف كانت تقطع الجثث (تثرم) في جهاز مصنوع خصيصا لهذا الغرض وترمى "المحصلة" بحزام نقال الى (بحيرة الثرثار) لتأكلها الأسماك. وقد كان الرجل مرهف الحس، ولم يتحمل رؤية ذلك الأسلوب الفضيع، فبدأ يعاني من الإضطرابات النفسية، وفقد القدرة على النوم، والشهية على الأكل، حتى شكى حالة لرؤسائه الذين ارتأوا تنحيته "لجبنه"، بعد أن وقع على تعهد بأن لايفشي الخبر لبشر. ولكنه فضفض لقريبته ليريح ضميره.
ولم يكن أحد يصدق ذلك في حينها ، وأعتبروها من باب المبالغة والتشهير، لكن الحقيقة ظهرت بعيد سقوط الصنم ، ووجدوا الدليل في قبوات الشعبة الخامسة في الكاظمية، و مازال لم يفصح عن مكان الثرثار الذي كان تجربة رائدة من تجارب البعث الذين أثبتت الأيام أنهم مسوخات من البشر مرعوبة ومهزومة ، تأرقهم حتى عظام ضحاياهم، بعد أن بدأوا جرمهم بجسد الزعيم عبدالكريم قاسم الطاهر متناسين أنه جاء من مياه الفراتين وأعادوه إليها.