هل تحول العرب من أُسد الغابة إلى ضباع الغابة؟
الدكتور شاكر النابلسي
shakerfa@worldnet.att.net
موقع ايلاف، 2/4/2004
هل تذكرون سِفر ابن الأثير الخالد "أسد الغابة في أخبار الصحابة" الذي أرخ للعرب المسلمين الأوائل ذلك التاريخ الجميل المشرف. لقد تذكرت هذه المجلدات
وعدت اليها الآن وأنا أقارن بين حالنا الآن بعد أن أصبحنا "ضباع الغابة" حيث سيأتي غداً من يؤرخ لنا ربما يكون ابن المنير أو ابن الفقير أو غيرهما ويكتب
تاريخنا تحت عنوان:
ما أثار فيَّ شجون هذا الكلام هو ما أرسله بعض الإخوان العراقيين اليّ من تعبير عن حزنهم واستيائهم مما وقع في الفلوجة من أعمال وحشية من سحل وتمثيل
بالجثث من قبل قطاع الطرق ولصوصها الذين وقفوا يرقصون على جثث المقاولين المقتولين، وقالوا في رسالتهم:
" الصور المروّعة التي بثتها وسائل الإعلام لمشاهد التمثيل بجثث المدنيين الأمريكان الذين قُتلوا في الفلوجة، تستدعي وقفة من لدن العراقيين، ومن مثقفيهم
بخاصة. ذلك أن هذه المشاهد تكشف أن الإرث الدمويّ الذي خلفتْه عقود حكم صدام حسين مازال حيّاً، وبسكوتنا إزاء هذه الحقارة وانعدام الإنسانية فإننا
نضعها في موضع يؤهلها لأن تكون مستساغة ومتَقَبَّلة.
لقد كنا في ما مضى نطالع مشاهد تعذيب أزلام صدام حسين لمعارضيهم وفي أذهاننا أن تلك الوحشية التي تليق بهوام البراري، هي محض ممارسة طارئة،
وأنها زائلة بزوال السلطة التي أرادت جاهدة أن تجعل من هذه الحيوانية طريقة وحيدة للتعاطي مع الآخر المختلف.
لكننا ونحن نرى مشاهد سحل الأمريكان الأبرياء وحرق جثثهم وتعليقها، لا يسعنا الا التوقّف ملياً أمام هذا الإنحطاط الإنساني الذي نحسب ان مجاهل أفريقيا
التي كانت تقام فيها كرنفالات الشواء الآدميّ قد هجرته منذ زمن بعيد، وهاهو، في شكله الأكثر خسّةً، يتم إحياؤه، في أرض أولى الحضارات، على يد مجموعة
من البدو الذين فقدوا مناصبهم في أجهزة الأمن والمخابرات التي لقّنتهم طوال سنين، هذا الأسلوب الهمجيّ في الإنسلاخ عن كل قيمة إنسانية.
لا أظنّ أن إنساناً سوياً يمكن أن يرتضي بالصمت ردّاً على مثل هذه الممارسات، إذْ أن المسألة تتجاوز هنا جانبها السياسي الذي يقسم الناس إلى معارضين
ومؤيدين لقوات التحالف، بل هو داخل في السؤال عما آلَ إليه الإنسان العراقيّ اليوم.
ليس علينا أن نكون من صنف أولئك الندابين الذين يرون أن العنف طبيعة راكزة في المجتمع العراقيّ، ولا سبيل إلى تلافيها، كما أننا لا يمكن لنا طبعاً أن نكون
من ذلك الصنف الذي رقص فرحاً وهو يملأ منخريه برائحة الشواء الآدمي في الفلوجة، وأسكره منظر السحل الذي رمّم روحه التي انكسرت بعد الهزائم التي
أصابت عقيدته أو طائفته أو حزبه أو مثله الأعلى أو قائده الفذ.
ان لنا كلمة علينا الجهر بها لحفظ شرف انتمائنا إلى الثقافة، بل لحفظ انتمائنا إلى هذا النوع المسمّى إنساناً.
إننا نعتبر ان ما حدث في الفلوجة أمر مخزٍ ولا يليق بشعبنا وهو انحطاط يجب التنديد به.
وإننا إذ نعزّي أسرَ الضحايا الأبرياء نطالب أجهزة الأمن العراقية وقوات التحالف بتعقّب هؤلاء المتوحشين من القتلة ومن الذين مثّلوا بالجثث أو الذين احتفلوا
في مهرجان الضباع هذا، وتقديمهم إلى العدالة بأقرب وقت ممكن.
ولنتذكرْ: إنّ الصمت على هذه الجريمة يجمعنا مع من يحتفل بها سرّاً لكنه يضطر للصمت خجلاً لئلّا يوصم بالعار."
وطلب الأخوة العراقيون مني تعليقاً على هذا الحوادث المريعة فكتبت إليهم أقول تحت عنوان: "ما تبقى من ضباع الغابة":
" ليس بمستغرب على فئة ضالة من بقايا ضباع الغابة، وفلول وبقايا عهد "صنم الوهم" الذي هوى وتدحرج تحت نعال الشعب العراقي الأبي فجر التاسع من
نيسان المجيد 2003 أن تقوم بالانتقام الوحشي لهذا السقوط المروع. إن الشعب العراقي وحده هو القادر على وقف مثل هذه الأعمال الوحشية التي لا تليق إلا
بحيوانات الغابة التي أقامها "صنم الوهم" الساقط. إن أخلاق الغابة وقوانين الغابة وحيوانات الغابة التي أقامها "صنم الوهم" ليس من السهولة ازالتها في عام أو
عامين أو ثلاثة وقد عمل "صنم الوهم" على اقامتها مدة تزيد على ثلاثين عاماً. كما أن قوات التحالف والشرطة العراقية غير قادرة على ازالتها بالسرعة
المطلوبة ما لم يهب الشعب العراق هبة واحدة بسنته وشيعته وصابئته، بعربه وأكراده وتركمانه وفئاته الأخرى لحماية العراق من هؤلاء
المجرمين.
إن على الشعب العراقي الدور الأكبر والأول في استقرار الأمن والكشف عن المخربين من أفراد "مقاومة العبيد" و "مقاومة الحرامية" والغربان من العُربان
الأفغان.
إن الشعب العراقي كله هو المسؤول الأول والأخير اليوم عن كل ما يجري في العراق، وهو القادر وحده على تثبيت الأمن والاستقرار حين يتعاون مع رجال
الأمن العراقيين ويكشف المجرمين ويشير إلى الذين يريدون أن يُبقوا على العراق غابة للحيوانات المفترسة بعد أن سقط كبيرها "صنم الوهم"
الأكبر."
وبعد:
ماذا يريد هؤلاء المجرمون أن يقولوا للعالم؟
هل يريدوا أن يقولوا بأننا حيوانات مفترسة، نشوي لحم البشر ونأكله، ونمثّل به على هذا النحو ونرقص على الجثث عازفين على الربابة، رقصات الكلاب
المسعورة؟
كيف تبدو صورة العرب الآن في مرآة العالم ونحن نقتل البشر ونشويهم ونمثّل بهم على هذا النحو حتى ولو كانوا أعداء حقيقيين لنا؟
لا الدين، ولا العروبة ،ولا كل شرائع السماء، ولا كل شرائع الأرض، ولا قانون الغابة يجيز مثل هذه الأعمال الفظيعة التي جرت في الفلوجة، والتي تضع
العربي في صورة الحيوان المتوحش والانسان الهمجي الذي ما زال يعيش في المجتمع الحجري، حيث كان البشر يأكلون لحوم بعضهم.
ماذا نقول للعالم ونحن نفعل تلك الأفعال المشينة التي ليس بحقنا فقط ولكن بحق الإنسانية كلها والبشرية كلها.
أن صبيان الفلوجة، أو عربان الفلوجة، أو قطّاع طرق الفلوجة الذين قاموا بهذه الأفعال الشنيعة لا يستحقون إلا النفي من الأرض من الأرض والسماء وعليهم
اللعنة كل اللعنة.
وبئس ما نحن فيه من درك أسفل، بعد أن تم تصنيفنا في تقريري الأمم المتحدة في أسفل السافلين!