تحليل إخباري قضية الجنسية العراقية ستكون أم المشاكل بعد الـحكم الانتقالي

زهير الدجيلي
موسوعة صوت العراق،
3/4/2004

اصدر مجلس الحكم العراقي الانتقالي قرارا اباح به ازدواجية الجنسية للعراقيين، بحيث يكون في مقدور المواطن العراقي ـ بموجب هذا القرار ـ حمل جنسية اخرى الى جانب جنسيته العراقية، ورغم صدور هذا القرار فإن القانون السابق الذي كان معمولا به في النظام السابق ما زال ساري المفعول في ادارات الدولة. مما تعذر معه على العراقيين الذين كانوا في الخارج وحصلوا على جنسيات اخرى وعادوا الى العراق اجراء معاملاتهم في ادارات الدولة كمواطنين عراقيين. فالقانون السابق يحرم ازدواجية الجنسية، ويجعل العراقي يفقد جنسيته الاصلية حال حصوله على جنسية اخرى.

دوافع القرار
كانت دوافع مجلس الحكم لاصدار قراره الذي يبيح للعراقي حمل جنسيتين كثيرة في مقدمتها حل اشكاليات نتجت عن عودة المهاجرين والمهجرين الى العراق. فجميع الذين يعملون الآن في المجلس واداراته ومؤسساته والوزارات ومجلس الاعمار وهيئاته ممن عادوا من الخارج هم من حملة جنسيات اخرى، اكتسبوها بحكم اقامتهم في الخارج كمنفيين معارضين للنظام السابق، وهم بحكم القانون السابق المعمول به منذ عهد نظام صدام حتى الآن غير عراقيين، ويترتب عليهم تسوية اوضاعهم، اما الاحتفاظ بجنسياتهم الجديدة او التخلي عنها.

ولاضفاء الشرعية على وجودهم واعتبارهم عراقيين ما زالوا يحتفظون بحقوق المواطنة اصدر المجلس قراره، الذي لم يصادق عليه بريمر لغاية الآن. وما زالت اشكالية عراقيي الداخل وعراقيي الخارج تأخذ لها حيزا في مساحة الخلافات السياسية بين النخبة الحاكمة في المجلس وتلك التي خارج المجلس.

ومن الاشكاليات الاخرى التي كانت دافعا للقرار قضية المهجرين والمبعدين بقرارات سابقة من قبل نظام صدام. ففي حملتي تهجير سابقتين نفذهما نظام صدام قبل عام 1980 وبعده، تم ابعاد اكثر من نصف مليون عراقي الى ايران، معتبرا اياهم من التبعية الايرانية، رغم ان عددا كبيرا منهم يحمل الجنسية العراقية، وآخرون منهم يحملون جنسية ايرانية الى جانب جنسيتهم العراقية المكتسبة، لكن هناك ايضا كانت فئة متضررة من تلك الحملات هي فئة «البدون» اولئك الذين كان بامكانهم اكتساب الجنسية العراقية، الا ان عزوفهم عن الخدمة العسكرية وتهربهم من ادائها كان يدفعهم لعدم التجنس والبحث عن مبررات وذرائع تدفع عنهم التجنيد الاجباري مثل الانتساب للمدارس الدينية في حوزات النجف وكربلاء والكاظمية، حيث كان الطلبة في هذه المدارس وبتأييد من المراجع الدينية يعفون من الخدمة العسكرية، والبعض الآخر يحصل على شهادات بكونه عائلا للأم والاخوات اليتيمات، او تسجيل انفسهم تبعية ايرانية او هندية دون ان يعلموا ان الاقدار ستهيئ لهم صدام حسين ليبعدهم فيما بعد عن بلادهم التي ولدوا فيها بالذريعة نفسها التي هربوا بها من الخدمة العسكرية.

استرجاع الحقوق المصادرة
وجميع الذين ابعدوا في حملات الابعاد تلك صودرت اموالهم واملاكهم بما في ذلك منازلهم التي اعطاها نظام صدام فيما بعد للعاملين في اجهزة الامن والمخابرات او حولها الى مقار حزبية. فيما اجبر بقرار من مجلس قيادة الثورة الزوجات العراقيات اللواتي تزوجن من بعض المبعدين في وقت سابق على تطليق ازواجهن، وكذلك الحال بالنسبة للعراقيين المتزوجين من زوجات مبعدات بتهمة التبعية لايران.

لقد شكل هذا العدد الكبير من المبعدين قوام الاحزاب الدينية الشيعية في معسكرات المغتربين العراقيين في ايران وهيأ قوة للمد الشيعي السياسي المتنامي المدعوم من ايران، واندمج الكثير منهم من جديد في المجتمع الايراني.. فمن كان حاملا الجنسية الايرانية مارس حياته في بلده المبعد اليه بشكل طبيعي، ومن لم يحملها حازها او جنسية اخرى فيما بعد.

وبعد سقوط نظام صدام عاد اغلب هؤلاء الى العراق، وقد ازداد عددهم بالتأكيد بسبب زيادة النسل. فالاسرة التي ابعدت قبل عقدين او عقد من الزمن وكانت من شخصين او ثلاثة عادت بضعف هذا العدد تطالب بكامل حقوقها التي فقدتها واملاكها وجنسيتها التي صودرت منها حتى لو ان افرادها حصلوا على جنسيات اخرى. ومن اشكاليات هذا الجانب من القضية ان هذا الذي نتحدث عنه قد ينطبق ايضا على العراقيين اليهود الذي ابعدوا الى اسرائيل ويريدون العودة الآن واسترداد املاكهم وهم يحتفظون بجنسيتين عراقية فقدوها بالاسقاط واسرائيلية او اميركية او اوروبية اكتسبوها بالابعاد فيما بعد.

وهذا الجانب من الموضوع يضفي تعقيدات اضافية على مشكلة (الجنسية والحقوق المصادرة). فأعضاء مجلس الحكم منقسمون في وجهة نظرهم حول هذا الجانب من المشكلة. قسم يرى ان من حق الجميع ـ ممن ابعدوا وفقدوا جنسيتهم واملاكهم بسبب هذا الابعاد ان كانوا ايرانيين الآن او هنودا او يهودا او اي صفة اخرى ـ في العودة الى بلادهم واسترجاع حقوقهم المفقودة. وقسم آخر لا يختلف مع وجهة النظر هذه لكنه يستثنى منها اليهود ويدعو الى الاحتفاظ بمادة في القانون تمنع عودة اليهود العراقيين او استرداد املاكهم.

التوظيف والتغيير السكاني والتزوير
ان جميع العائدين من الخارج، ما عدا قلة، احتل وظائف كثيرة في السلطة الجديدة. ان كانت هذه الوظائف في مؤسسات سلطة مجلس الحكم او ادارات سلطة التحالف كمستشارين او مترجمين او اداريين، فيما اصبح العديد منهم يدير محافظات وادارات محلية ويقود احزابا ومنظمات وبالنسبة للمؤسسات الدينية وبالاخص الشيعية وفي مقدمتها (حوزة السيد السيستاني) التي كانت تفتقر الى القليل من الاشخاص الناشطين اصبحت الآن ممتلئة بالآلاف من هؤلاء، واغلبهم رجال دين قادمين من الخارج. وفي خضم هذه الموجة الهائلة نحو البناء السكاني الحضري، خصوصا في المحافظات الجنوبية والوسطى التي تشهد اغلبية شيعية، تبرز اكثر فأكثر اشكالية الجنسية فيما يخص التوظيف والعمل، والتملك وشراء العقارات. فالقانون يشترط في كثير من تلك الحالات ان يكون الشخص عراقي الجنسية. والقانون المعمول به الآن والذي ينتظر التعديل او التغيير يؤكد وحدانية الجنسية ويحظر ازدواجيتها. وازاء هذه الاشكالية راجت تجارة تزوير الجنسية في ظل غياب الدولة وفقدان سجلات ادارات الجنسية الحكومية في الكثير من المحافظات واستيلاء البعض على الاختام الرسمية والسجلات الاصلية، بحيث اصبح الآن في مقدور اي شخص قادم من الخارج ان كان عراقيا بالاصل او غير عراقي الحصول على وثائق الجنسية العراقية وبتاريخ سابق وشهادة مصدقة رسميا تثبت انه عراقي. وبات هذه التزوير يستخدم على نطاق واسع حتى في العلاقات السياسية. او لاضفاء الشرعية على الوافدين من ايران نحو المحافظات الجنوبية لغرض احداث تغيير في البنية السياسية والسكانية في تلك المحافظات لصالح المد الشيعي في مواجهة المستقبل الليبرالي للعراق غير المرغوب فيه من تلك الجهات.

الحلول العسيرة
وقبل الاشارة الى مستقبل هذه المشكلة وما تتطلب من حلول، علينا ألاّ نغفل قضية الجنسية بالنسبة للاكراد اذا نظرنا الى الموضوع من زاوية المطالب الكردية التي قد تشترط صيغة ما على قانون الجنسية العراقية، بحيث تعطي للقومية الكردية ولأقليم كردستان شرطا للتوصيف في الوثائق. وما ينشأ من خلال حوف ذلك من الجهات الاخري التي ترى في ذلك ازدواجية غير مقبولة.

ان قرار مجلس الحكم الذي يسمح للعراقي بازدواجية الجنسية قد يلغي كل هذه الاشكاليات، ويستفيد منه الجميع بما في ذلك اكثر من 700 الف ايراني نزحوا الى العراق حسب تقديرات متواضعة لأسباب سياسية واجتماعية وتجارية وحزبية وبعضها اقليمية، فالجميع في ظل اجازة هذا القرار لن يخفي كونه حاملا لجنسية اخرى او جنسيتين الى جانب جنسيته العراقية. اما المشاكل الناتجة عن ذلك فهي في الجانب السياسي وبالاخص بالجانب الديني المتشدد الذي يدعو الى اقامة نظام ديني يقارب الصيغة السياسية الايرانية.

لكن المعارضين لقرار السماح بازدواجية الجنسية يبنون معارضتهم على مخاوف كثيرة. وهم يدعون الى الالتزام بالقانون السابق المعمول به في نظام صدام والانظمة التي سبقته. ويعتقدون ان ازدواجية الجنسية توجد خللا اخلاقيا في المواطنة العراقية. او تخلق ولاء مزدوجا يبقي العراق مفتوحا للتلاعب السياسي والاجتماعي. وبالتأكيد ستبرز هذه المشكلة اكثر في الشهور المقبلة بعد تسليم السلطة للعراقيين، والشروع في اعادة بناء الدولة، ومناقشة الدستور من قبل الجمعية الوطنية (البرلمان) فيما بعد.

القبس