عاطلون عن القتل ينضمون لجيش المهدي، بعد ان فقدوا وظيفة فدائيي صدام
امير الدراجي، اوسلو
موقع ايلاف، 11/4/2004
لنفس الاسباب التي حدت بالعراقيين من مثقفين وكتاب ان يمحو أسماءهم او يكتبوا باسماء حركية في عهد صدام، هذه عينة من بيئة الخوف وهي تنتقل من ارهاب الدولة الى ارهاب المليشيا والاحزاب، الامر الذي يجعلني عدم ذكر الشخص والمصدر خوفا على حياته من جيش الرحمان بعد ان كنا نخاف من جيش الشيطان ودولته القديمة. وهنا انقل الرسالة كما وصلت من الناصرية:
الرسالة الأولى:
خلت المدينة هذا الصباح من المظاهر العسكرية، ولم تسمع ليلة البارحة اصوات لطلاق نار بالرغم مما تقوله الفضائيات العربية. ويوم امس بعد صلاة الجمعة سارت تظاهرة سلمية في المدينة اثر صلاة الجمعة منادية: الله اكبر، يتقدمها ممثل الصدر في المدينة.
صباح هذا اليوم عرفت من بعض اعضاء في المجلس للاعلى للثورة الاسلامية: ان هناك اتفاقا قد تم بين طرفي النزاع الايطالى والصدري، على ان ينسحب جيش المهدى من المدينة مقابل انسحاب القوات الايطالية وتسليم الامور الى الشرطة الوطنية، وهذا ماحدث فعلا اذ انتشرت قوات الشرطة في المدينة وثمة احساس بالامن بدا يتسرب الى نفوس المواطنين الذين بادروا الى فتح محالهم التجارية ومزاولة اعمالهم، بالرغم من ان الدوام الرسمى لايزال معطلا.
هنا استطيع القول ان الاتفاق ليس معناه ابرام صفقة تحفظ ماء الوجه للطرفين، قدر ما هو تكتيك لمواجهة قادمة، فقوات المارينز الاميركية تسيطر على حدود ومداخل ومخارج المدينة، وافراد جيش المهدى بلباسهم المدنى لايزالون يتزودون بالعتاد والاسلحة من سوق السلاح الواقع في احد ضواحى المدينة. لنا ان نتساءل: لماذا لايُغلق سوق السلاح هذا...؟
اجدنى هنا في موقف الشاهد اكثر من الفاعل وليس ذلك انى مع او ضد، لان الطرفين، وخاصة جيش المهدى، ذهبوا الى نقطة اللاعودة، تحت اصرار امريكا على تفعيل القاء القبض على السيد مقتدى الصدر، واعتقد ان الادارة الاميركية سوف تستخدم هذه الازمة لضرب قوى مسلحة اخرى تحت شعار: لامليشيا مسلحة.
بالمناسبة لم يكتم مصدر مقرب من المجلس الاعلى تخوفه امامى من ان يكون الدور قادما على مليشا "ثار الله او 15شعبان او منظمة الطليعة او حماس العراقية"، وهى منظمات ومليشات باضتها الاحزاب الاسلامية التقليدية في الساحة وتتلقى تمويلها من ايران عبر وسطاء.
الموجودون في المدينة هم على شقين: الملتزم، الذى يتلقى تعليماته من النجف او الكوفة، وشق ثان غير ملتزم يتلقى اوامره من هواجسه وميوله فقط. اي صورة قاتمة ارسم اذن...!!
الرسالة الثانية:
اكتب الان من الناصرية التى يوشك وضعها الامنى على الانفلات ثانية. بعد يومين من الهدوء الحذر بين القوات الايطالية التى تمثل قوى التحالف في المدينة وبين مسلحى جيش المهدى الذى يمثل تيار مقتدى الصدر.
قبل هذين اليومين تحولت ضاحية الادارة المحلية في الناصرية الى ساحة حرب بين الطرفين استخدمت فيها كافة الاسلحة الثقيلة والخفيفة قتل خلالها العديد من المواطنين الابرياء، بالاضافة الى افراد من كلا الطرفين المتحاربين.
اثناء ذلك استبيحت بعض مقرات المنظمات الانسانية وتعرضت ممتلكاتها للنهب والسلب، اما الدوائر الرسمية فلم يلحق بها ضرر ما لحد الان عدا مبنى الاذاعة والتلفزيون الذى اعتقل مديره من قبل انصار السيد مقتدى الصدر، وتعرض للجلد تحت طائلة احكام محكمة شرعية وجهت اليه تهمة الفساد والافساد، ثم اطلق سراحه بعد ذلك، فيما استمر التلفزيون ببث المواد التى تبثها قناة العربية الفضائية، علما بان الدوام الرسمى قد تعطل في كافة مرافق الدولة منذ اربعة الايام ولزمن غير معروف.
صباح امس بعث قائد القوات الايطالية الى سكرتير المحافظ يطلب اليه ان يقوم بابلاغ ممثل الصدر في المدينة بسحب قواته او حلها في مهلة تنتهى الساعة الخامسة فجر اليوم، وفي عكس ذلك فان قتالا داميا سينشب، ويبدو الان ان ثمة تمديد لهذه المهلة قد حصل لحد الساعة السادسة فجر غدأ.
من الملاحظ ان القوات الايطالية -كى اكون منصفا- تحاول ان تتجنب القتال، وقد عبرت عن ذلك منسقة مع الادارة المدنية عندما اعلنت استغرابها لاستهداف القوات الايطالية في المدينة كونها ليست طرفا في النزاع، ومن هذ يمكن استنتاج راي اغلبية القوات المشاركة في التحالف في كونها تنظر الى الصراع يجب ان ينحصر بين امريكا وبريطانيا من طرف وبين قوات مقتدى الصدر.
لقد كانت هناك محاولات من طرف القوى السياسية في المدينة لاقناع الشيخين اسعد واوّس - وهما ممثلا الصدر في المدينة - الى سحب قواتهما الى خارج المدينة حقنا للدماء لكن بدون فائدة، او قولوا هذا هو الموقف لحد الان.
القوات الايطالية الان تتموضع وتحفر الخنادق متهيئة لمعركة قد تحدث او لاتحدث والاغلبية الصامتة، لاتزال تتعامل مع الموقف بسلبية، لاعنة الطرفين، بل جميع الاطراف بما فيها تلك التى تنادى بالديمقراطية. اذن هذه هي الرؤيا الان في المحيط الذى اتحرك فيه، وليس ثمة زوادة غير الامل بان يكون احد طرفي النزاع عاقلا، فليست امريكا وحدها اللاعب الوحيد في الساحة بوجود عمالة ايرانية كثيفة تمظهرت بمؤسسات خيرية وانسانية ودينية عديدة. من خلال تجربتى في ايران استطيع ان اقول اننى اتمتع بقدر كبير مالخبرة في هذا الملفّ!!
افرازات هذا الوضع كما تابعناه افضت الى انقسام تيار مقتدى على نفسه حيث تحول الى تيارات، بدات تفلت عن سيطرة الصدر نفسه خصوصا بعد المواجهات الاخيرة. ومن خلال المتابعة لتيار الصدر من بدايته الى نهايته استطيع ان اقول ايضا ان من غذى تيار الصدر عراقيا هى الاحزاب الاسلامية وبعض الاحزاب المتطرفة، فقد كانت الاولى مناصرة لجيش المهدى في حربه ضد السفور والخمور والموسيقى والاغانى، ولنا في الناصرية تجارب مريرة ربما كان الزميل الدراجى شاهدا عليها، الطريف الان هو ان تكون هذه الاحزاب في موضع المتفرج من هذا التيار بعدما قدمت له دعما لوجستيا في البداية. اما الاحزاب المتطرفة فقد اثنت وشجعت ميله الى العنف والمشاكسة وتضامنت معه في مجمل فعالياته التى تنال من مجلس الحكم والتحالف لوجود اكثر من هدف مشترك في هذه الفعايات. ;واليوم تحل الزيارة الاربعينية، التقليد الشيعى المعروف، وهو ما يجعل الموقف حرجا لو ان احد طرفي النزاع استفز الاخر: جيش المهدى مؤلف من شباب معظمهم من الارياف، عاطلون عن العمل، وهناك في صفوفهم العديد العديد من فدائيي صدام، العاطلون عن القتل!!! الموقف شائك كما تلاحظون...والحركة بركة كما يقولون... تلك هي صورة تنفتح على اسوأ المشاهد ولعل القادم ابشع.