تعويض العوائل الكردية الفيلية وحل مشكلات عودتهم إلى ديارهم مسألة إنسانية
|
|
د. عدنان جواد الطعمة |
عندما
كنت طالبا في مدرسة الإعدادية ( الثانوية ) الجعفرية الصباحية بالقرب من ساحة حافظ
القاضي ببغداد عام
1960 تعرفت على إخوان وأصدقاء أعزاء من الأكراد الفيلية الذين كانوا يدرسون معي في هذه المدرسة. وأخص بالذكر منهم الأخ صالح الحاج عباس سلمان الذي كان معي في الصف الخامس الإعدادي . كان الأخ صالح ضعيفا في اللغة الإنكليزية، حيث طلب مني مساعدته في شرح قواعد وكلمات اللغة الإنكليزية
. كنت أذهب مع صالح إلى دار والده الحاج عباس سلمان الواقعة في مدينة الكاظمية للدراسة وحل التمارين المدرسية. وكنا نتناول طعام العشاء سوية وبحضور أخويه صائب وصبيح الحاج عباس سلمان .
نشأت صداقة حميمية وأخوية للغاية بيننا بحيث كنا نعمل سفرات قصيرة بسيارة الأخ صالح إلى الحبانية والصدور والحلة وغيرها في أيام الجمعة مع الإخوان الكرد الفيليين أيضا درويش أبي كواكب وفوزي لا أتذكر إسمي والديهما .
وأحيانا كان الأخ صالح يأخذني إلى محل والده الكبير لبيع الأخشاب في شارع الشيخ عمر أو شارع الكفاح .
إن الأخ درويش كان يعمل عند والد صالح في تجارة الأخشاب . ثبت لي أن الأكراد الفيلية كانوا تجارا كبارا و رجال أعمال في سوق الشورجة و شارعي الكفاح و الشيخ عمر .
وهكذا كان للأكراد الفيلية في قلب بغداد مركز خاص و دور كبير في السوق التجارية العراقية .
وبعد الإنقلاب الأنجلو- أمريكي المشؤوم في الثامن من شباط عام 1963 ضد الزعيم اللواء الركن المرحوم عبد الكريم قاسم و مجيئ البعثيين و القوميين إلى الحكم، بدأ النظام الجديد بشن إعتقالات وحملات تهجير مكثفة ضد الشيعة و الأكراد، حيث قام بتهجير الأكراد الفيلية من مدن الكوت و البدرة و زرباطية و بغداد و الكوفة و الحلة و مندلي و قرى و مدن أخرى عراقية بعد مصادرة أموالهم و بيوتهم إلى إيران و سوريا .
وفي حملة التعريب الإجرامية التي شنها طاغية العوجة صدام بقيادة إبن عمه المجرم علي حسن المجيد الملقب بالكيمياوي في منطقة كردستان العراقية، حيث تم تهجير الأكراد الفيلية و بعض العوائل التركمانية و العربية الساكنة في مدينة كركوك و القرى والمدن المحيطة بها إلى مدينتي أربيل كردستان و الرمادي بالقسوة و العنف و أسكن في محلهم عوائل عربية .
وقد قام نظام البعث الفاشي باختطاف و اعتقال أكثر من ثمانية آلاف شاب من الأكراد الفيلية الذين كانت أعمارهم تتراوح ما بين
15 إلى 30 سنة و كذلك 300 طالبة . ولازال مصير الشباب و الطالبات من الأكراد الفيلية لحد هذا اليوم مجهولا .
وقبل أيام مرت علينا الذكرى السنوية السادسة عشر لفاجعة و مجازر الأنفال الوحشية
التي اقترفها النظام الشوفيني المخلوع في الفترة 22/23 شباط 1987 و حتى أيلول من عام
1988 و التي راح ضحيتها 183 ألف مواطن كردي من النساء و الأطفال و الشيوخ ، لا ذنب لهم و لهن سوى إنتماؤهم للوطن و سكناهم في منطقة كردستان العراق و معظمهم مدنيون . كما قام النظام المقبور بحرق وتدمير
4500 قرية كردية و حرق الحقول الزراعية و الوديان الجميلة و تدمير عيون و آبار المياه العذبة وكذلك تحطيم البنى التحتية و تدمير محطات توليد الطاقة الكهربائية و ضخ المياه ، بحيث يصعب على المواطنين الأكراد من العيش في مثل هذه الأجواء الإرهابية السيئة .
و مما يؤسف له أن العالم العربي الإسلامي لم يتخذ موقفا مشرفا لإنقاذ حياة الآلاف من الإخوة الأكراد و الأخوات الكرديات وأن جامعة الدول العربية لم تحرك ساكنا في حينه ضد هذه العمليات الوحشية البربرية التي كانت تشن و بدون أي مبرر ضد الشعب الكردي في شمال و وسط و جنوب العراق .
ولم يخرج الشعب العربي بمظاهرات إحتجاج ضد برابرة النظام المخلوع أمثال علي حسن المجيد و نزار الخزرجي و غيرهما .
" إن مجازر الأنفال هي سلسلة العمليات العسكرية التي قامت بها القوات المسلحة العراقية ، حيث نفذتها قوات الفيلقين الأول و الخامس في كركوك و أربيل و قوات مختارة من الحرس الجمهوري و القوات الخاصة و قوات المغاوير و قوات الأمن و الطوارئ و المفارز الخاصة فضلا عن قوات الجيش الشعبي و أفواج الدفاع الوطني . إستخدمت هذه القوات جميع أنواع الأسلحة التي كانت بحوزتها خلال الحرب العراقية-الإيرانية من الدبابات و المدفعية الثقيلة و الطائرات الحربية المقاتلة و السمتية و الأسلحة الكيمياوية لمدة 18 شهرا ". (راجع : الأنفال : تجس! يد لسيادة الفكر الشمولي و العنف و القسوة ، للدكتور جبار قادر ) .
و بعد تحرير العراق من أبشع نظام ديكتاتوري شهده العراق المعاصر في التاسع من نيسان المبارك عام 2003 بدأت العوائل العراقية و خصوصا الشيعية و الأكراد الفيلية بالإنتظار على العودة إلى بيوتهم و ديارهم التي صودرت من قبل النظام في المدن العراقية المشار إليها أعلاه على أحر من الجمر .
فمن حق عوائلنا العراقية أن تعود إلى بيوتها و أراضيها التي تمت مصادرتها و سلبها من النظام البعثي الفاشي بالقسوة و العنف و إسكان عوائل عربية فلسطينية و عراقية فيها .
تواجه مجلس الحكم العراقي المؤقت و القيادة الكردية بزعامة الأخ السيد مسعود البرزاني و الأخ السيد الدكتور جلال الطالباني مشكلة إسكان العوائل الكردية الفيلية و التركمانية و العربية القديمة المهجرة ، في بيوتها المسلوبة بالإضافة إلى مشكلة إخلاء العوائل العربية لهذه البيوت المغتصبة التي سكنت فيها منذ حوالي ثلاثة إلى أربعة عقود مضت .
و حسب رأينا المتواضع يمكن حل هاتين المشكلتين :
1 – إعادة إسكان العوائل الكردية و التركمانية و العربية الأصيلة القديمة المهجرة في بيوتهم و تعويض خسارتها بفقدان أراضيها ،
2 – إخلاء العوائل العربية الفلسطينية و العراقية لتلك البيوت المغتصبة و إعادتها إلى أصحابها الشرعيين
نقترح على مجلس الحكم العراقي الموقر و القيادة الكردية المحترمة هـذه الإقـتـراحـات ، آمـلـيـن أن تحظى من لدن السادة المسؤولين العراقيين و كذلك الأخوات العراقيات و الإخوة العراقيين بالرضا و حسن القبول:
1 - عرض هذه القضية الإنسانية على هيئة الأمم المتحدة لإجراء اللازم و إصدار قرار بتقديم المساعدات إلى الحكومة العراقية الوطنية الممثلة حاليا بمجلس الحكم
العراقي الإنتقالي لتخصيص ميزانية خاصة من عائدات النفط العراقي تصرف بإشراف هيئة الأمم المتحدة على بناء دور سكن و أحياء جديدة في كل المدن العراقية من الشمال إلى الجنوب و من الشرق إلى الغرب للعوائل العائدة و تخصيص رواتب تقاعدية كافية لهم كتعويضات للخسائر التي لحقت بهم طيلـة هذه الفترة .
2 - تقديم قروض و مساعدات مالية إلى أهالي كركوك و العوائل الكردية و التركمانية و العربية المهجرة و العائدة إلى بيوتها في مدينة كركوك و إعادة ملكية أراضيها المصادرة .
3 - أما بخصوص العوائل العربية العراقية التي سكنت في بيوت الأكراد و التركمان و العرب المغتصبة، فإنه من الحكمة منحها وقتا لإخلاء البيوت المغتصبة للعودة إلى قراها و مدنها العراقية التي رحلت منها، و كذلك مساعدتها ماديا للسكن .
أما العوائل العربية التي كانت تعمل مع مخابرات و رجال أمن النظام الجائر في قمع و سجن و قتل شعبنا العراقي، فعليها مغادرة العراق من حيث جاءت .
ينبغي أن ترى تلك العوائل العربية الفرق بين النظام الشوفيني الديكتاتوري و النظام الديمقراطي الفيدرالي التعددي الإنساني .
نغتنم هذه الفرصة بمناسبة ذكرى شهداء مجازر الأنفال السادسة عشر لنعرب إلى عوائل شهداء الأنفال ، رحمهم الله ، عن حزننا العميق بهذه المجازر الأليمة البشعة ، سائلين المولى تعالى أن يرحم شهداء الأنفال و يسكنهم فسيح جناته و يلهم ذويهم وإيانا و الشعب العراقي كله الصبر و السلوان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
المجد و الخلود لشهداء الأنفال و حلبجة و الأهوار و أربيل كردستان و كربلاء و الكاظمية و الإسكندرية و النجف الأشرف و بغداد و غيرها !
عاش شعبنا العراقي بعربه و أكراده و تركمانه و بقية الأقليات المتحابة !