إساءة محكومة وأخرى حاكمة
نزار حيدر
nazarhaidar@hotmail.com
11/5/2004
لحسن حظ سجناء أبو غريب ، أنهم تعرضوا لسوء المعاملة على يد رعايا بلد ، للسلطة الرابعة فيه دور مفصلي يهلك ملوكا ويستخلف آخرين ، لتثار لصالحهم
كل هذه الضجة السياسية والإعلامية ، إثر تسريب صور التعذيب النفسي والجسدي الذي تعرضوا له على يد عدد من عناصر الجيش الاميركي .
ولحسن حظهم كذلك ، أنهم تعرضوا للإهانة في موسم التنافس الانتخابي الرئاسي الاميركي ، لتتحول قضيتهم إلى مادة انتخابية دسمة ، ينفخ في نارها قوم ،
ويطفؤها آخرون .
ليحمدوا ربهم ، إذن ، أنهم عذبوا على يد أناس يتربص بهم الإعلام ، وليشكروا الله تعالى ، لأنهم وقعوا بيد عناصر يعتذر رئيسهم بالنيابة عنهم
إذا أخطأوا ، ويوبخهم ، وقد يصدر ضدهم أحكاما قضائية ، بسبب ارتكابهم جريمة .
فلو كانوا قد تعرضوا لمثل ذلك ، وأكثر ، على يد ازلام نظام الطاغية الذليل صدام حسين البائد ، أو أي من الأنظمة العربية ، لذهبوا مع الريح ، من دون أن
يحس بهم أحدا .
ففي اللحظة التي كان العالم يشاهد فيها تلك الصور البشعة التي تسربت من معتقلات سجن أبو غريب في العاصمة العراقية بغداد ، كان آلاف ، وربما ملايين
آخرون ، يطعمون وجبات طازجة من اشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي في المئات من سجون ومعتقلات أنظمة البلاد العربية والإسلامية ، ولكن ، ولسوء
حظهم ، من دون أن يسمع أحد صراخهم وعويلهم أثناء وجبات التعذيب ، أو يصغي إلى أنينهم الهادئ المتسرب من حناجرهم المتعبة بعد الانتهاء من تلك
الوجبات القاسية ، التي يموت تحت طائلها الكثير ممن لا تسعفهم أجسادهم النحيفة تحمل آلام العذاب والتعذيب .
وفي الأثناء كذلك ، تتعرض آلاف النساء الطاهرات العفيفات الشريفات ، لاعتداءات جنسية على يد وحوش وأزلام هذه الأنظمة ، التي هبت جميعها ، هبة
رجل واحد ، لتستنكر ما حصل في (أبو غريب) متجاهلة حقيقة أن في كل بلد عربي و(إسلامي) العشرات من (أبو غريب) تشهد صورا أبشع مما يشهده أبو
غريب بغداد ، ومنذ عشرات السنين .
فارق واحد فقط بين الصورتين ، فبينما تتسرب فضائع بغداد ، يظل الإعلام المأجور يتستر على فضائح العواصم العربية الأخرى .
الجريمة بشعة ، لا شك في ذلك ، والصدمة كبيرة ، لا أحد ينكر ذلك ، فقد عرت تلك الصور، ثقافة جندي الاحتلال الاميركي الذي يقول عنه رئيسه جورج
بوش ، انه ذهب إلى العراق لمساعدة شعبه لإقامة النظام الديمقراطي .
كما كشفت جانبا من حضارة الغرب الذي يتشدق بإيمانه بحقوق الإنسان وكرامته ودفاعه عن الحرية والديمقراطية .
إنها وصمة عار في جبين الإنسانية وحضارة الغرب على وجه التحديد ، لذلك اهتز لها العالم فاضطر الرئيس بوش للاعتذار ، أو هكذا فهم من كلامه ، كما
ارتجت لها أركان البيت الأبيض وقبة الكونغرس وأضلاع البنتاغون الخمسة ،فتسابق المسؤولون الاميركان لرمي مسؤولية ما حصل على الآخر ، كل لتبرئة
نفسه وجهازه وجنوده ، بطريقة أو بأخرى ، حتى انتهى المطاف بوزير الدفاع رونالد رامسفيلد الذي لم يجد بدا ، وهو يدلي بشهادته أمام اللجنة الخاصة التي
شكلها الكونغرس للتحقيق في الفضيحة ، من تحمل المسؤولية والاعتراف بالذنب .
ولكن .....
هل سمعنا يوما ، أن حاكما عربيا إرتجف له جفن ، بسبب تعرض مواطن للمعاملة السيئة على يد خزنة سجونه ؟
وهل سمعنا يوما ، أن زعيما عربيا إهتز له شارب ، بسبب حالة انتهاك شرف تعرضت لها مواطنة على يد جلاد في إحدى زنزاناته التي امتلأت بها البلاد ؟
وهل سمعنا يوما ، أن حاكما عربيا إعتذر لشعبه بسبب معاملة سيئة تعرض لها سجناء ؟
وهل سمعنا يوما ، بأن زعيما عربيا وعد مواطنيه بتوبيخ جلاد ، ارتكب جريمة ضد سجين عن طريق (الخطأ) مثلا ؟
وهل سمعنا يوما ، أن حاكما عربيا أقال وزيرا أو مديرا عاما أو مسؤولا في مصلحة السجون ، لأنه لم ينتبه إلى ما يجري في السجون والمعتقلات من انتهاكات
خطيرة لحقوق الإنسان ؟
أم سمعنا بأن زعيما عربيا مارس التعذيب والقتل وكي وجوه ضحاياه بالمكواة بيديه الملطختين بدماء الأبرياء ، كما فعل الطاغية الذليل صدام حسين مع
المئات من ضحاياه ، منهم الشهيد الصدر الأول ؟
أم سمعنا بأن زعيما عربيا يبصق بوجه أسيره ، لأنه قال بيتا من الشعر هجا فيه حزبه وعصابته ، كما فعل (القائد المؤسس) ميشيل عفلق بالشهيد السيد حسن
الشيرازي ، عندما زاره مرة في سجنه ؟
أم سمعنا بأن زعيما عربيا يمنح الجلادين أنواط الشجاعة وأوسمة الشرف ، بما يتناسب وحجم الجرائم التي يرتكبها ضد ضحاياه في السجون والمعتقلات ، كما
كان شأن المجرم ناظم كزار ؟
أم سمعنا بحملات تنظيف السجون ، ليس من الأوساخ قطعا ، وإنما من نزلائها كلما امتلأت بهم ، كما كان يفعل ابن الطاغية الذليل قصي الذي كان يصدر
أوامره بقتل من في السجن من المعتقلين ، كلما زار سجنا ورآه ممتلئا ، فكان عدد ضحاياه في كل وجبة إعدام جماعية ، يصل في بعض الأحيان ، إلى أكثر من
ألف معتقل وسجين ؟
أم سمعنا بأن زعيما عربيا لم يسعفه الوقت لاعتقال الناس قبل إعدامهم ، فأمر بدفنهم أحياء في مقابر جماعية ، تم حتى الآن الكشف عن أكثر من (600) ألف
ضحية في مختلف مناطق العراق ؟
أم سمعنا بأن زعيما عربيا أراد أن ينتقم من الأهالي ، ويختبر سلاحه الفتاك في نفس الوقت ، فأمر برش مدينتهم بالسلاح الكيمياوي ، ليقتل ويجرح ويصيب
بعاهات مستديمة ويشرد أكثر من (150) ألف من أهلها ، تلك هي مدينة حلبجة ؟
أم سمعنا بأن حاكما عربيا يفتخر بإبنه الذي أطلق يده ليعبث بأعراض الناس صباح مساء ، تحميه سلطة أبوه وعصابات القتلة المجرمين الجاهزين في أية
لحظة ، للانقضاض على فريسة الابن المدلل ، لإحضارها عنوة ، أو قتلها إذا أبدت مقاومة ، ذلك هو عدي ابن الطاغية الذليل ؟
أم سمعنا بان زعيما (قوميا) غزا جارته (الشرقية) ، فاعتدى على النساء العربيات ، فانتهك شرفهن وتجاوز على عفتهن ، ثم قتلهن ودفنهن في مقابر جماعية
، من دون أن يحس به أحدا ؟
أم سمعنا بان هذا الزعيم (العروبي) غزا جارته الأخرى (الجنوبية) ، فاغتصب النساء واخذ الرجال أسرى ، غيبهم في طوامير السجون ثم قتلهم وأخفى أثرهم ،
وظل طوال الوقت ينكر الحقيقة ، إلى أن أسقط نظامه ، وعثر عليه ، متخفيا كالوحش الذليل ، في بالوعة ؟
أم ... أم ... أم ...
أف لهذا الزمن التعيس الذي يحتج على جريمة ويبررأخرى ، ويستهجن إساءة ويستحسن أخرى ، ويوظف خطأ ويسكت عن آخر .
لم كل هذه الازدواجية في المعايير و....الشخصية ؟
أو ليس الظلم واحد ، وكل لا يتجزأ ؟ أم أن هنالك ظلم قبيح ، وآخر حسن ؟
أف لهذه الازدواجية التي ترى القذى في عيون الآخرين ولا ترى الجذع في عيونها ؟ وترى الليرة المسروقة في بطن (غوار) ــ وهو هنا المواطن العربي
المغلوب على أمره ــ ولا ترى الملايين المسروقة في بطون الحكام وعوائلهم وزبانيتهم ؟
لقد أثبتت أزمة الصور بأننا أسرى الإعلام ، وليس أسرى الحقيقة ، فما يسربه الإعلام يشغل بالنا ، فنبكي عليه أو نضحك منه ، أما صراخ المواطن ، وآلام
الضحايا المغيبين في طوامير السجون المظلمة ، أو الرعايا المسحوقين ظلما وعدوانا ، فلا نعير لهم أية أهمية ، أما إذا اقتضت الضرورة والمصلحة القومية
العليا ، فنتهمهم ونكذبهم ولا نصدق ما يقولون ، فنشيع مثلا ، أنهم عملاء لصالح قوى أجنبية ، أو يعملون لصالح أجهزة مخابرات خارجية ، لا يعرف أحدا
عنوانها فربما يكون في المريخ أو فوق القمر ، لا ادري .
أما إذا تزامن التسريب الإعلامي مع صرة من المال يجود بها الحاكم ، فنهمله والحجة جاهزة (إنها قصة مختلقة ، وصور مركبة بإخراج فني محكم) .
الإعلام العربي من جانبه تلاقف الصور تلاقف بني أمية للخلافة بعد مقتل الخليفة الثاني ، والتي شبهها شيخهم الأعمى (أبو سفيان) بتلاقف الصبية للكرة
، فراح هذا الشيطان الأخرس يعيد ويصقل ويكرر ، كما يقول المثل العراقي ، لدرجة التقزز والاشمئزاز ، أصابت الحياء في مقتل .
ترى ، أين هذا الإعلام من ملايين الصور المماثلة التي تشهدها يوميا سجون الأنظمة العربية ؟
وأين كان على مدى (35) عاما ، عندما واصل النظام الديكتاتوري الشمولي البائد سياسات القتل والاغتصاب والتعذيب والثرم والتذويب بالأسيد لضحاياه ،
ومن مختلف شرائح المجتمع العراقي ، وغير ذلك ؟
لو لم يكن هذا الإعلام ، ليخون شرف المهنة ، فيبادر إلى فضح جريمة الطاغوت ، ونقل احتجاج المواطن ، ولا يسكت على جرائم الأنظمة ، ويصطف مع
مصالح الشعوب ، رافضا هبات الحاكم التي يقدمها له لقطع لسانه ، لما آلت الأمور إلى ما نراه اليوم من أنظمة ديكتاتورية وأمية وفقر واستبداد وعنف
وإرهاب وسحق منظم لحقوق الإنسان ومصادرة دائمة لحرية المواطن وتجاوز على كرامته وإنسانيته ، وأخيرا احتلال أجنبي .
والآن ...
أغلب الظن ، فان الرئيس الاميركي بوش لم يصدر أوامره للقوات الاميركية في العراق لتمارس كل هذه الفضائح ضد العراقيين السجناء ، ومع ذلك فانه اعتذر
على ما فعلوا ، أما في بلادنا فلا يصدق أحدا بان جريمة من هذا النوع ترتكب من دون أن يكون الحاكم قد أصدر الامر بنفسه ، للجلاد الذي ينفذ بلا نقاش تحت
شعار (أوامر) ، ومع ذلك لا يعتذر الحاكم لأحد إذا ما تم الكشف عنها .
فكم هو جميل أن يتعلم زعماءنا من الرئيس بوش ، فيعتذروا إذا تسربت فضائحهم للإعلام ، أو أزكمت روائحها العفنة ، أنوف الملأ .
ما أحلى أن يتعلموا كيف يعتذرون لشعوبهم عندما يرتكب رعاياهم جرائم إرهابية فضيعة ضد الشعوب الأخرى ، كتلك التي يرتكبها الإرهابيون القادمون من
خلف الحدود في العراق .
ما أحلى أن يتعلم الإعلام العربي من زميله الاميركي ، فيلاحق الجريمة التي يرتكبها الحاكم ، ولا يسكت عن الفضيحة إذا مارسها ابن الحاكم ، ويتابع الباطل
في عقر داره ، بلا كلل أو ملل أو خوف أو طمع .
كم نتمنى أن يكون العراق الجديد ، على الأقل ، مكشوفا أمام السلطة الرابعة ، ليس فيه مناطق معتمة ، لا يسمح للإعلام بالوصول إليها ، حتى لا يدبر أمر
بليل ، ولا ترتكب جريمة ، ولا يقع خطأ ، ولا تمارس فضائح ، ولا يسرق مال عام ، ولا تشيع الفاحشة السياسية والرشاوى والمحسوبية وانتهاك حقوق
الإنسان وسحق كرامته .
إذ ، لو تيقن المسؤول انه مراقب من أجهزة السلطة الرابعة ، فلا يحدث نفسه بخطأ أو سرقة أو تجاوز على احد ، من جانب ، وحتى يتعلم الحاكم كيف يعتذر إذا
أخطا ، ويتعلم الوزير كيف يستقيل إذا اكتشف فضائح في وزارته وهو نائم على أذنيه أو مشغول عن موظفيه ، ويعاقب شرطيا إذا ظلم مواطنا بلا ذنب ،
ليطمئن الناس على أرواحهم وأموالهم وحقوقهم وأعراضهم وكرامتهم .
أخيرا ، فلقد صدمت وأنا استمع إلى الرئيس بوش ، وهو يقدم اعتذاره إلى ملك الأردن عبد الله الثاني في حديقة البيت الأبيض ، بسبب فضيحة صور أبو غريب
(العراقي) ، إذ ما الداعي لان يعتذر له ؟
كان من الأجدر أن يعتذرا معا إلى العراقيين ، بوش بسبب جرائم جنوده ضد سجناء أبو غريب ، والملك عبد الله بسبب جرائم رعايا بلاده من الإرهابيين ضد
المواطنين العراقيين الأبرياء الذين استشهدوا بالعمليات الإرهابية ، التي ثبت أن مواطنين أردنيين يقفون وراءها .
أم أن الرئيس بوش أراد أن يقول للعالم ، والعراقيين على وجه التحديد ، بأنه قرر تسليم ملف العراق إلى الأردن ، ومن وراءه أجهزة معروفة في إدارته تتخذ من
الأردن قاعدة لعملها ونشاطها في المنطقة ، وهي التي قالت عنها مرة تقارير موثقة بأن الملك وأبوه يتقاضون رواتبها بشكل منظم ، ومنذ أمد ليس بالقصير ؟
ألغز يبحث عن حل ؟ . أم فهمه واستوعبه العراقيون ؟