الديمقراطية: فاكهة الرافدين المحرمة
د. مؤيد عبد الستار
17/5/2004
muayed1@maktoob.com
بسقوط تمثال صدام حسين ، يكون قد مضى على هروبي من العراق نحو ربع قرن من الزمان، وهي حقبة مليئة بالمعاناة والهموم ، كان معظمها صراع يومي
مع ديكتاتور يلاحق أنفاس العراقيين ليكتمها ، بل يلاحق نظرات كل من يرفع بصره إليه، ليتفحصها . ويقرر مصير صاحبها، وغالبا ما تكون قراراته ، لعبة
مبتكرة في القتل والتعذيب فكيف يصبر علينا ونحن نحرّض عليه بأقلامنا ، ونفضح أعماله وننال من هيبته ، وننازل مرتزقته
، ونحقره بشتى الأساليب التي لم
ندخر منها شيئا، حتى أن قصة حمار ( الرئيس) التي نشرتها في عدة صحف معارضة ومواقع الانترنيت ، لوحدها . كانت كافية لان تذهب برأس كاتبها لو
كانت قبضة الدكتاتور تصل إليه يوم سقوط تمثال الطاغية 9 نيسان 2003
، ارتأيت أن أتمتع بإجازة من الكتابة ، يوم في السياسة، وحسبت أن المهمة التي
شحذنا لها ما نستطيع من أسلحة قد وصلت إلى مبتغاها ، وكفاية ربع قرن من الصراع العنيد مع هذا الطاغية الذي يتمثل أمامك ويلاحقك في كل مكان ، من
خلال صوره وأخباره التي تنقلها جميع محطات العالم ، ومرتزقته من العراقيين الذين جندهم مقابل حفنة من الدنانير ، وعملائه الأجانب الذين اختاروا الوقوف
إلى جانبه مقابل حفنة من الدولارات ، والذين لم يخجلوا من الانحناء أمامه ، ويفخرون بالتبختر في مرابد البصرة ، ومهرجانات .
بغداد بعد كل تلك السنوات العجاف، والركض في بلدان العالم بجوازات مزورة ، وطلبات العمل ، واستمارات تأشيرة الدخول والإقامة ، والإذلال الذي يواجهك
فيه ضباط المطارات والحدود ومخافر الشرطة والاستخبارات …. بعد قلق كل تلك السنوات ، شعرت بأننا نتنفس الصعداء ، وأن حياة أجمل تنتظرنا…. وما
كان ذلك إلا وهما ، وحلما نأمل أن يتحقق ، بل يجب أن نعمل بجد ومثابرة ، مادام في العمر .
من متسع ، وإلا لن يتحقق لا أريد ان أجادل في ضرورة الديمقراطية للعراق، كي ينعم أسوة بالعديد من البلدان بقسط من الهدوء السياسي، ويستطيع المضي
قدما في دفع عجلة التقدم ، ويتخلص أبناؤه من صنوف القهر وأشكال الاضطهاد
. ولكن كيف السبيل لإرساء أسس الديمقراطية، وكيف نخلق قاعدة شعبية
وأحزاب تؤمن بتداول السلطة بسلام ؟
أود أن أدخل إلى موضوع الديمقراطية من خلال الندوة التي حضرتها مدريد/ في إسبانيا ، والتي انعقدت في نيسان
2003 اثر سقوط نظام صدام حسين ،
وكانت تحت شعار ( الديمقراطية للعراق ) ، وقد حضرها بعض الكتاب والفنانين العراقيين .
ومعظم ممثلي الأحزاب السياسية العراقية ، وشخصيات مستقلة كان مناخ المؤتمر يتسم بالانفعال العالي ، وقد حرص السياسيون على احتلال المقاعد.
الأمامية على المسرح ، رغم ان نغمة الديمقراطية والتعددية كانت شائعة طلبت في إحدى جلسات المؤتمر تحريم عمل حزب البعث العراقي ، على أساس أنه
قاد المجتمع والبلاد عامة نحو الكارثة ، ودمر البنية الثقافية ، والاجتماعية ، والاقتصادية والحضارية لبلاد الرافدين . وقد أيد معظم الحاضرين هذا الطلب
ودوى التصفيق في القاعة ، ولكن فيما بعد اعترض بعض الزملاء على ما طلبت، وأشار متسائلا ؛ أن كيف أطالب بالديمقراطية للعراق ، وأحرم عمل حزب
سياسي ! له أنصاره والحقيقة أن في هذا التساؤل يكمن الإشكال الحقيقي لفهم الديمقراطية. فالكثير من الناس في بلداننا التي لم تنعم بالديمقراطية ، ولم تمارسها
وتعرفها بشكل تدريجي وفق الظروف التاريخية التي نمت فيها في أوربا ، يفهم الديمقراطية على أنها إباحة أو تحليل كل شيء ، وهو عين الفهم السياسي لدى
العديد من الأحزاب السياسية العراقية ، ولذلك شرحت لهم شيئا عن تجربة السويد الديمقراطية، والتي تعد من أعرق الديمقراطيات الأوربية ، ومع ذلك فهناك ما
لا يجوز في السويد . فعلى سبيل المثال ، لا يحق للأحزاب العنصرية ، أن تعمل في السويد بشكل علني ، فالقانون يمنع تشكيلها ، على أساس أنها أحزاب تضر
المجتمع السويدي .
كما أن تحريم عمل حزب البعث لايعني منع أعضائه من الانتساب إلى الأحزاب الأخرى أو تشكيل أحزاب على أسس غير عنصرية ، أو قمعية . بالإضافة إلى
أن العمل السياسي يجب أن يكون علنيا ، ويهدف إلى تغيير الواقع نحو الأفضل ، لا الاستيلاء على الحكم فقط والتمتع بمزايا نهب الثروات وتوزيعها على
العشيرة .
والأحباب لقد عانى المجتمع العراقي الحرمان من ابسط حقوقه السياسية ، منذ حكم الولاة والسلاطين العثمانيين ، الذين ظلوا يحكمون العراق لغاية دخول
البريطانيين ، بأكثر الأساليب تخلفا وهمجية، بدء من الرشوة ، وانتهاء بالخوزقة ولم يساهم الحكم البريطاني للعراق منذ أوائل عشرينات القرن الماضي، حتى
ثورة الرابع عشر من تموز في تغيير جذري في بنية المجتمع العراقي ، و إنما ساهم في تغيير طفيف في أساليب الحكم ، وانتعاش فئة طفيلية في المجتمع ، فيما
ظل .
الإقطاع المتخلف ، الظهير الأول للدولة ورجال السياسة والحكم ورث العراقي أمراضا
خطيرة من عدة مؤثرات ، وأخطر مؤثر في بنية المجتمع العراقي ، جاء من البادية ، فقد
سيطرت تقاليد البادية على المجتمع الزراعي العراقي في بلاد الرافدين ، خاصة وسط
وجنوب بلاد ما بين النهرين ، ودمرت المجتمع الزراعي وحولته إلى مجتمع هجين ، يتبع
الأساليب والعادات والتقاليد البدوية في الروابط الأسرية ، والحكم ، فبدلا من
المجلس القروي ، الذي يراعي مصالح الفلاحين ، تحكّم الأسلوب البدوي الفردي ، فحكم
الشيخ ، الذي يستلم الثروة ، ويوزعها حسبما يريد ، وفق مبدأ الأنفال ، أو الغنائم.
وشاع الثأر والانتقام ، وهو مالم يكن له أن يشيع في بلاد الرافدين، البلد الزراعي ،
الذي يتكئ . على آلاف السنين من التحضر والفلاحة، لا على الغزو ، والثأر ، وغسل
العار لم يكن لأسرة صدام حسين وعشيرته ، حين تمكنوا من الحكم ، سوى اتباع الأساليب
البدوية التي عاشوا ضمنها منذ قرون ، إضافة إلى تخلفهم الثقافي والحضاري الذي زاد
الطين بلة ، فأشاعوا أحط العادات والتقاليد العشائرية ، وحاربوا كل ما له علاقة
بالمدينة والعمران ، وخربوا ما وصلت إليه أيديهم من مدارس . وجامعات ومكتبات ودور
لهو وموسيقى ورقص وغناء وشراب ومطاعم إن العراقي بحاجة الى جهود جبارة كي يستطيع
التغلب على امراض الماضي وعلاجها، وليس له سوى العمل المثابر الجاد من أجل الوصول
الى الهدف وتغيير الواقع الحالي .
والسؤال الجوهري هو : هل يستطيع العراقي انجاز التغيير دون مساعدة كبيرة من الغرب ؟