تقرير رون شليكر حول كركوك ـ قراءة وتحليل

احمد الشواني
4/5/2004

آذار (
28) زار مندوب السفير بول بريمر رون شليكر محافظة كركوك في الفترة على رأس وفد كشف ((الحقائق)) بعد الأحداث التي شهدتها المحافظة وانسحاب المجموعتين العربية والتركمانية من مجلس المحافظة. وبعد اختتام الزيارة رفع رون شليكر تقريراً مفصلاً الى بول بريمر، تضمن أهم المشاكل المطروحة وكذلك جملة توصيات. محددة الى أدارة بريمر حول سبل انتهاج سياسة أمريكية جديدة حيال كركوك:

أولآ: مضمون التقرير:
تطرق التقرير الى أهم نقطتين رئيستين في وضع كركوك الحالي وهما حسب (التقرير) نقص الثقة العامة في الشرطة بسبب تدخلات الاحزاب السياسية، وتفضيل مجموعة على مجموعة اخرى، والثانية قضية الموظفين الذين تم تنسيبهم من قبل حكومة أقليم كردستان في دوائر المحافظة وكون هذا التنسيب متضارب مع القانون الأداري. الأنتقالي تضمن جانب آخر من التقرير توصيات لجنة كشف الحقائق الى السفير بريمر، ويمكن تلخيص تلك التوصيات في:
1- اعادة هيكلة مؤسسة الشرطة في كركوك من حيث تحسين وتقوية التوازن العرقي في الشرطة على حد قول التقرير.
2- ابعاد تأثير الاحزاب على مؤسسات الشرطة وعدم السماح للاحزاب في التدخل في شؤون الشرطة.
3- عدم السماح بنشوء ميلشيات مسلحة في المدينة.
4- اعفاء جميع الرؤساء الحاليين للدوائر من مناصبهم وتحديد تاريخ محدد لذلك، والخاص باعطاء الصلاحية للسلطة وجعل امر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (
71) في القيام بالترشيحات لاشغال تلك المناصب المحلية.

ثانيا: خلفية وضع التقرير:
من الواضح ان لجنة كشف الحقائق الى محافظة كركوك جاءت بعد سلسلة من التوترات شهدتها المدينة وانسحاب المجموعتين العربية والتركمانية من مجلس المحافظة احتجاجاً على ماسمي بـ الاختلالات (الامنية) في المدينة. ولكن رغم ان مهمة وفد رون شليكر كان محدداً بوضوح وهي كشف (الحقائق) الا ان كيفية عرض المشاكل والتوصيات المتعلقة بها تحمل المتتبع لشأن السياسة الامريكية حيال كركوك الى الاعتقاد بأن اللجنة بتوصياتها تلك تحاول ان تنتهج سياسة امريكية جديدة حيال القوى السياسية والاثنية في كركوك. بنى الامريكان سياستهم الامنية والادارية في كركوك على خلفية تحالفاتهم السياسية مع قوى المعارضة العراقية الكردية منها والعربية قبل حرب تحرير العراق، لذلك فان سياستهم في المدينة تأثرت بعلاقاتهم الوطيدة حينذاك بالاحزاب والجهات الكردية، وقد ظهر ذلك بصورة جلية في قضيتي تشكيل مجلس المدينة الاول وقضية. ترشيح محافظ كردي في كركوك، إلا ان القوى السياسية الغير كردية، وخصوصاً العربية والتركمانية، استطاعت ان تعقد تحالفات قوية خلال الفترة المنصرمة نيسان (
2003) الى نيسان (2004) مع بعضها من جهة، وتنشيء جسور علاقات اكثر وداً واقل توتراً مع قيادة قوات التحالف و الـ (CPA) في كركوك، ونتيجة لذلك جرى خلال الاشهر الاخيرة الماضية تضييق واضح على المطالب الكردية في كركوك بدءاً بالاعتراض على عودة المرحلين الكرد الى ديارهم ومروراً بتوسيع تمثيل العرب والتركمان في مجلس المدينة وصولاً الى توصيات رون شليكر وما تبع ذلك من توسيع ثاني لأعضاء مجلس المدينة لمصلحة العرب والتركمان وتسليم الملف الامني وادارته مؤخرا الى المجموعتين العربية والتركمانية. ان توصيات لجنة شليكر حول سياسة التحالف في كركوك يمكن اعتبارها نقطة تحول في سياسة امريكا حيال اثنيات كركوك المختلفة وتفضيل مجموعة او مجموعتين على مجموعات اخرى، مما قد يؤدي الى حدوث اختلالات في التوازن الاداري والسياسي الحساس اصلاً في كركوك، الامر الذي يقود علاقات اثنيات كركوك الى المزيد من التوتر والاحتقان.

قراءة في التقرير:
بعد الإمعان في قراءة تقرير رون شليكر حول الاوضاع في كركوك يمكن ان نسجل عدة ملاحظات او انتقادات:
1- قام التقرير بعرض مشكلة او مشكلات كركوك حسب وجهة نظر جهه سياسية معينة ولم يأخذ في الاعتبار الابعاد الاخرى لمشاكل كركوك، ففي حين تعرض شليكر الى موضوع الشرطة وتنسيب الموظفين من حكومة اقليم كردستان الى محافظة كركوك واعتباره ذلك منافياً للقانون الاداري الانتقالي، لم تنظر اللجنة على الجانب الآخر الى مشاكل اخرى ينوء الكرد تحت وطئتها في كركوك واهمها مشكلة المرحلين والمهجرين. ونسبة الكرد في دوائر كركوك المختلفة مابين (
150 الف) أي بالنسبة لمشكلة المرحلين والمهجرين فان عددهم يفوق ربع او ثلث سكان مدينة كركوك وخمس سكان محافظة كركوك الحالية.
2- ان قضية المرحلين الكرد والتركمان هي قضية انسانية في الاساس وان معالجتها يتطلب حل انساني وموقف واضح وعاجل من جميع الاطراف في حين لم تأخذ اللجنة هذه القضية في اجندتها. ولم يتطرق التقرير اليها بالمرة.
3- ان قضية تنسيب الموظفين من دوائر حكومة اقليم كردستان الى دوائر كركوك جاءت بالأساس لسد النقص الحاصل في عدد موظفي الكرد في دوائر كركوك المختلفة فالنظام السابق ابعد ابناء القومية الكردية من معظم دوائر الدولة و ان نسبتهم في بعض الدوائر والمؤسسات لاتتجاوز( نصف بالمئة
50 %) فكيف ينظر التحالف الى قضية الاختلالات الكبيرة في عدد موظفي الكرد في دوائر كركوك ويعالجها؟ ان ترك المشكلة بهذا الشكل وعدم الاعتراف بـ (الحل المؤقت عن طريق التنسيب) سيؤدي حتماً الى ابعاد الكرد من معظم دوائر كركوك مرة اخرى وهذا منافي لمنطق العقل والعدالة في التعامل مع مجموعة اثنية تشكل اكثر من 40% من سكان المدينة.
4- ان وضع سياسة عقلانية وعادلة في مدينة تعج بالمشكلات الاثنية والسياسية والامنية هو بالتأكيد مهمة صعبة ودقيقة تتطلب من جميع الاطراف الانفتاح على راي ومشاكل الاخرين وعدم اهمال طرف على حساب طرف آخر. لقد ترك النظام ارث متراكم من الاحقاد والحساسيات بين اثنيات كركوك المختلفة، لذلك فأن ادارتها وايجاد حلول سلمية وعادلة لها، يتطلب قدر كبير من نكران الذات والاعتراف بالآخر.

الاطراف السياسية الكردية والتقرير:
رغم مايتضمنه التقرير من غبن واضح بحق الكرد في كركوك، الا ان الاداء الغير كفوء لبعض الاطراف الكردية في مجلس المدينة ومعظم محافظة كركوك لعب دوراً واضحاً في صياغة شكله النهائي. فالمجموعة الكردية، بعكس المجموعتين التركمانية والعربية، لم تستطيع ادخال مشاكلها وطروحاتها في الاجندة السياسية لواضعي التقرير، ففي حين اثارت المجموعات العربية والتركمانية قضية التنسيب في الدوائر والملف الامني لدى سلطات التحالف، لم تستطع المجموعة الكردية جعل مشكلة المرحلين والمهجرين قضية انسانية تتطلب حل سياسي وانساني عادل وعاجل.
من جانب آخر فان ايجاد حلول لمشكلة نسبة الكرد في دوائر كركوك كان يتطلب اتفاق واضح وصريح بين اثنيات كركوك المختلفة وسلطة التحالف منذ تحرير المدينة، إلا أن اهمال هذه المشكلة وعدم جعلها قضية سياسية ملحة من جانب الكرد تحت تأثير الحلول و المساومات المؤقتة، اوجد للمشكلة ابعاد هي في غير صالح الكرد ومطاليبهم العادلة في كركوك.

الخاتمة:
يمكن القول انه بصياغة هذا التقرير دخلت السياسة الامريكية حيال كركوك مرحلة جديدة تتسم بإعادة ترسيم هيكلية علاقات اثنيات كركوك المتعددة بشكل تختلف تماماً عما كان في الماضي، وان المدينة ستشهد ـ اذا ما تم تنفيذ ما ورد في توصيات التقرير ـ تغييراً واضحاً في مدى التزامات الولايات المتحدة السابقة حيال الأكراد. ان تحالفات ايام حرب تحرير العراق وتداعياتها السياسية قد خبى بريقها وان المرحلة الحالية تتطلب من القيادات الكردية ترسيم اسس جديدة للمصالح والاحلاف وتاخذ بعين الاعتبار المصالح الامريكية والكردية المتجددة في المنطقة. على الاطراف الكردية و قياداتها في كركوك بعد اليوم اعادة ترتيب اوراقها واولوياتها والتركيز على حل مشكلاتها الملحة بدلاً من لعب ادواراً وسيطة لحل مشاكل آخرين!