على ضوء تشريع قانون الجنسية الجديد

الخطوة التشريعية الأولى في العراق كانت خطوة غير موفقة

 

المحامي محمد صالح العمادي

محام مستشار ، برلين 21/9/2003

موقع النهرين

 

قبل الدخول في مناقشة مسودة قانون الجنسية العراقي وتقيمه ومطابقته للمعايير القانونية الدولية، أود التطرق الى قضية فقهية مهمة تتعلق بمستقبل العراق السياسي والدستوري والمنظومة القانونية وطبيعة السلطة المزمعة تأسيسها في العراق الجديد.

على المشرعين إن يفكروا جيداً، ماذا ينوون العمل في مجال التشريع والقانون وتنظيم هيكلية السلطة.. لان لكل سلطة صلاحية خاصة في التشريع، سوءا كانت هذه السلطة منتخبة او تمثل سياسة الأمر الواقع او انتقالية... الخ.. حيث ان طبيعة الدولة هي التي تضع وتحدد صلاحياتها التشريعية.

وبما ان أطراف المعارضة العراقية قد أجمع على اختيار الفيدرالية نظاماً سياسياً للعراق الموحد، كما ان أكثرية تلك القوى السياسية حالياً هي أعضاء في مجلس الحكم الانتقالي، عليه يستوجب إتباع قواعد جديدة لإصدار القوانين وتشريعها، بالأخص فيما يتعلق بقانون الجنسية العراقي الجديد، كون الموضوع من صلاحيات الحكومة الفيدرالية وليست من صلاحيات حكومة الأقاليم.

لذا يستوجب قبل تشريع أي قانون أخذ المبادئ التالية محل اعتبار:

 

أولا: معرفة طبيعة التشريع وآلياته التنفيذية.. هل انه من صلاحيات الحكومة الفيدرالية، أم الحكومات الإقليمية في الفيدرالية العراقية. فإذا كان من ضمن الصلاحيات السلطة الفيدرالية كما يحددها الدستور الاتحادي في المستقبل، مثل قانون الجنسية وقوانين اللجوء او الكمارك على سبيل المثال لا الحصر، فيجب إتباع الصياغة الفيدرالية للتشريع، ووضع التعاريف القانونية بما تنسجم مع المركز الدستوري للقانون، وأجراء التغييرات التالية:

 

تسمية القانون بـــ ( قانون الجنسية لجمهورية العراق الاتحادية)

بدلاً من

مشروع قانون الجنسية العراقي

 

ثانياً: عند تسمية التعارف حسب ما ورد في المادة الأولى من المشروع يجب إتباع الأسس التالية:

1 - الوزير - وزير الداخلية الفيدرالي أو (الاتحادي).
2 - العراقي - الشخص الذي يتمتع
بجنسية جمهورية العراق الاتحادية أو( الفيدرالية)
3 - الأجنبي - غير العراقي
..هوغير المجنس بجنسية العراقي الاتحادي
4 سن الرشد - ثماني عشر سنة كاملة بحساب التقويم الميلادي.
5 - الساكن في العراق
(جمهورية العراق الاتحادية) عادة - من كان محل أقامته المعتاد في العراق منذ قيام الدولة العراقية.

ثالثاً: يعتبر حق الجنسية ومنحه وإسقاطه، من مهام السيادة الوطنية، وهو يتعلق بالمركز القانوني للشخص أمام الغير، وإمام سلطات الدول الأخرى، عليه يستوجب ان يكون من ضمن الصلاحيات الفيدرالية، وليست من صلاحيات الأقاليم. كما ان وثيقة الجنسية التي يحملها مواطن اية دولة هي حجة قائمة بذاتها.يبرزها عند الحاجة، على تلك الدولة مراعاة مصالح حاملها إمام الغير من الدول والهيئات الرسمية والقضائية. ووفق المعايير الدستورية فان الأقاليم الفيدرالية تنازلت عن ممارسة هذا الحق للسلطة الاتحادية وفق إحكام الدستور الفيدرالي.. وان سلطات الاتحاد تمثل ارادة جميع مواطني الأقاليم. كونها دولة ذات سيادة.. عليه فان استعمال هذا الحق نابع للإرادة المشتركة لشعوب الاتحاد. وفق العقد(الدستور) الفيدرالي  بين الأقاليم.

رابعاً: على المشرع (مجلس الحكم الانتقالي)ان يفرق بين ولاية المحاكم الفيدرالية و ولاية المحاكم الإقليمية.. وهذا يتم وفق جدول الصلاحيات الدستورية.. لكن مشروع القانون المطروح للجنسية، تناول في المادة السابعة عشرة مايلي: تنظر المحاكم في جميع الدعاوى الناشئة عن تطبيق إحكام هذا القانون.

بالطبع ان منح القضاء للممارسة تلك الحقوق والنظر في الدعوى الناشئة عن تنفيذ هذا القانون أمر حسن..لكن السؤال المطروح: أية محاكم لها الحق في النظر في القضايا الناتجة عن تنفيذ القانون؟ هل المحاكم الاتحادية او المحاكم الإقليمية...؟
ان عدم تحديد هذه الجهة يشكل الإبهام والغموض في القانون... او ان السلطة الانتقالية قد تسارعت في إصدار القانون.. قبل سن الدستور، وكان بامكان المجلس إصدار تعديل للقانون النافذ يتم بموجبه درج مقاصد المشرع من التعديل.
 

تهتم المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، اهتماما استثنائياً بموضوع الجنسية الوطنية للإفراد.. سوءا كان الفرد مولوداً في إقليم دولة معينة أو ضمن جغرافيتها السياسية، أو اكتسب جنسية دولة أخرى، بالولادة او الزواج او الإقامة الدائمة والمكتسبة لحق المواطنة..

أن أسباب اهتمام القانون الدولي الخاص و مواثيق حقوق الإنسان بموضوع الجنسية، ترجع لأسباب تتعلق بطبيعة هذا الحق وتلاصقه مع شخصية الإنسان ومركزه القانوني، الوطني منه والدولي، كما إن قاعدته الحقوقية الواسعة التي تحتضن حقوقاً متعددة منها: حق المواطنة و الانتساب، حق تملك الحقوق العينية الأصلية والتبعية(على سبيل المثال حق تملك العقار) وحق الترشيح والترشح للمجالس النيابية والتمثلية، تولى الوظائف العامة ذات الحساسية الدفاعية والسياسية والأمنية، وغيرها من حقوق المواطنة.. كما ترافق حق الجنسية التزامات قانونية منها خدمة العلم والمشاركة في درء الكوارث الطبيعية والصحية بشكل إلزامي... الخ.

لهذه الأسباب أصبح موضوع الجنسية سلاحاً بيد الأنظمة الشمولية في العالم ضد معارضيها السياسيين.. وذلك بسحب الجنسية منهم  وإسقاط حق المواطنة منهم دون اية مراعاة لقدسية هذا الحق الذي يولد مع الإنسان، أسوة بحق الوجود والكاشف له.

و قد استغل نظام الطاغية البدوي هذا السلاح ضد المعارضين لسياساته العدوانية و نهجه ألتدميري عندما اسقط حق المواطنة من شاعر العراق الأكبر محمد مهدي ألجواهري.. والذي ألف لوطنه العراق أكثر من ألف قصيدة. في حين ان أكثرية دول الديمقراطية في العالم تتمنى من ان تمنح أمثال ألجواهري جنسيتها كونه شاعر مبدع وعقل مفكر. كما اسقط جنسية اكثر من نصف مليون عراقي دون أي مبرر قانوني وبقرارات مجحفة ومزاجية.  

واليوم نشاهد على صفحات الانترنيت والصحف العراقية مشروع قانون الجنسية الجديد وهو معروض للمناقشة والاغناء. بهذه المناسبة أود أبداء الملاحظات التالية:

 

أولا: لماذا هذا الاستعجال في تقديم مشروع قانون الجنسية قبل غيره من القوانين الضرورية او قبل سن الدستور...؟

الجواب واضح لان أكثرية أعضاء الحكومة الجديدة و كوادرها هم المتجنسين بجنسيات أجنبية أخرى وبالتالي فان جنسيتهم العراقية قد سقطت وفق إحكام قانون الجنسية النافذ. وحيث إن تشريع هذا القانون يمنح المواطن العراقي المهاجر وحامل الجنسية الأجنبية الحق في إعادة الجنسية العراقية له وزوجته وأولاده مجدداً.. وفق أحكام الفقرة الأولى من المادة العاشرة من المشروع. ولكي يتسنى لهم التوظيف والتعيين في ملاكات الحكومة الجديدة، بالأخص في السلك الدبلوماسي العراقي و ديوان الوزارات.

ازدواجية الجنسية:

نصت أحكام الفقرة الاولة من المادة العاشرة من القانون المشرع مايلي: يحتفظ العراقي الذي يكتسب جنسية أجنبية بجنسيته العراقية ما لم يعلن تحريريا تخليه عن الجنسية العراقية.

واضح جداً ان المشرع اقر مبدأ ازدواجية الجنسية، حيث يتمكن العراقي والعراقية التي اكتسبت او تكتسب جنسية أحدى الدول الأجنبية، الاحتفاض بجنسيته او جنسيتها العراقية. ومقاصد المشرع هنا عديدة، منها تمكين العراقيين من ممارسة نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي في بلدهم الثاني، على ان يحتفظ بجنسيته العراقية.. لكن مشكلة المواطنين المتجانسين بجنسية أجنبية لا تحل وفق بنود هذا القانون. لأسباب قانونية عديدة منها:

 

اولاً: أنهم تنازلوا عن جنسيتهم العراقية وفق الاستمارات المعدة من قبل دوائر منح الجنسية في أوربا مسبقاً..لان هذا التنازل التحريري شرط من شروط اكتساب الجنسية الأجنبية، جدير بالإشارة أن أكثرية الدول الأوربية تشترط التنازل التحريري عن الجنسية السابقة بغية منح جنسيتها.و هناك قلة قليلة من دول العالم تقر بمبدأ ازدواجية الجنسية.و يعني ان هذا المشروع لم يسعف الحالة. بل يستوجب على العراقي الذي تنازل عن جنسيته العراقية تقديم طلب جديداً بعد أقامته لمدة سنة في العراق لكي يتمكن من الحصول على جنسيته السابقة.

ثانياً:ان مبدأ ازدواجية الجنسية تتعلق بسيادة دولتين هما:

·    الدولة الأصلية الأولى الذي ينتسب إليها طالب الجنسية.

·    الدولة المانحة للجنسية الثانية.

الشرط الأساسي لتحقق ازدواجية الجنسية هو إقرار الدولتين لهذا المبدأ في قانونيه، لكي يتمكن المواطن المزدوج الجنسية بالتمتع بكلا الجنسيتين.و يتحقق هذا المبدأ بطريقتين أيضا:

لنعرض مثلاً حياً بين العراق و جمهورية ألمانيا الاتحادية..حيث إن ألمانيا لا تقر مبدأ ازدواج الجنسية..و تشترط في قانون الجنسية الألماني منح الجنسية الألمانية شرط التنازل عن جنسيته الوطنية (العراقية) تحريراً.. وإن مجرد استعادة العراقي جنسيته العراقية.يعني سقوط الجنسية الألمانية... لان استعادة الجنسية القديمة يعني الرجوع عن تنازله الأولى وعدم تحقق شرط التنازل..

الا ان هذا المبدأ لا يشمل جميع الدول الأوربية..حيث هناك بعض الدول تؤمن بمبدأ ازدواجية الجنسية لرعايا جميع الدول... وهناك بعض الدول تحدد في قواننيها مبدأ الازدواجية لرعايا دول معينة فقط. وأسباب ذلك عديدة، ترجع بالدرجة الأولى الى الفوارق الاقتصادية بين تلك الدول .. فتحاول تضيق المبدأ خوفاً من موجات اللجوء مثل بريطانيا والسويد وفرنسا.

                                 

                                   تقيم مشروع قانون الجنسية الجديد 

 

النظام الديمقراطي الدستوري الفيدرالي له قاعدة فلسفية محددة و منظومة قانونية تختلف جذرياَ عن النظم السياسية الأخرى. حيث ان النظام يتسم بما يلي:

اولاً: أن النظام الديمقراطي لا يعترف بدور الأشخاص والكوادر الوظيفية (الوزير، المدير العام، رئيس الملاحظين...الخ) بقدر ما يعترف بالنظام المؤسساتي والتنفيذ الجماعي للقرارات الادارية..

أن النظام الديمقراطي يعتبر الصلاحيات الوظيفية منها الصلاحيات التنفيذية والتشريعية هي تكليف للواجبات وليست مركزاً للسلطة والحكم ونفوذاً سياسياً.. وهذا يتناقض مع طباع والقيم الوظيفية في العراق والدول العربية والإسلامية.. لان الأخيرة ترى بان الموظف هو الذي يزين الوظيفة والعكس هو الصحيح..وهذا المبدأ يتناقض تماماً مع المنظومة الأخلاقية للنظم الديمقراطية..

من خلال قراءة المشروع يتضح تماماً ان الزملاء الذين صاغوا المشروع، لا زالوا تحت تأثير النظام الشمولي... حيث منح الوزير نفس الصلاحية التي تتعلق بحقوق المواطن.. ويكون الحق الجنسية متعلق بقرار الوزير.. وهذا امر غير مسموح به في النظم الديمقراطية... من جانب اخر يمكن القول بان هناك مآخذ كثيرة حول وجهة نظري التي تقلص صلاحيات الوزير كونه اعلى وظيفية في سلم الوزارة والمرفق الحكومي.. ويمكن القول اذا كان الوزير لا يملك صلاحيات منح الجنسية او إقرار بعض الحقوق وإصدار بعض القرارات.. فكيف يمكن اعتباره وزيراً بالمعنى الكلمة.. من جانب أخر فان تقليص صلاحيات الوزراء ما هو الا سمة من سمات النظم الشمولية..

 

نقد وجيه وكلام جميل.. لكن الأمر يحمل في طياته أمورا قانونية أخرى، علينا ان نحددها بشكل من التفصيل ونرتب الحقوق بشكل من الدقة المتناهية..لان النظم الديمقراطية في عالمنا تملك تجربة نظرية وعملية كبيرة بالأخص في مثل هذه المواضيع المهمة..

علينا كقانونيين نملك الاختصاص القانوني الأكاديمي والعملي أن نحلل هذه القضايا الخطيرة.. لانها تكون الأساس الصلب والقاعدة الصلدة لنظامنا الديمقراطي والكفوء والمستجيب لحاجات الأفراد الطبيعية والمعنوية..

فأسس ومبادئ النظام الديمقراطي لا تمنح أي شخص إداري سوءا كان وزيراً او موظفاً في السلم الوظيفي الصلاحيات القانونية والقضائية بمنح مواطن حقاً اصلياً مثل حق الجنس والمواطنة، بل ان هذا الحق مضمون ومكفول بنص دستوري.. يخول مؤسسة مختصة تمنح هذا الحق مثل (الوزارة) او لجنة قانونية مختصة تابعة لوزارة الداخلية مهمتها الأصلية منح الجنسية العراقية للموطن الأجنبي المقيم في الإقليم العراقي. و يمكن ان يكون الوزير رئيساً لهذه اللجنة او الهيئة القانونية ويكون لصوته اعتبار قانوني وفق إحكام القانون. وتصدر قراراتها وفق إحكام القانون، وهي خاضعة للطعن إمام المحاكم القضائية ذات الولاية العامة مثل محكمة البداءة  او المحكمة الإدارية.و خاضعة للطعن تمييزاً أمام الهيئة التميزية المختصة.

الأسباب الموجبة لهذا المبدأ: القرارات الصادرة من أعضاء السلطة التنفيذية (الوزراء) التي تتعلق بالحقوق الأصلية للإفراد منها حق الجنسية، تكون قرارات إدارية ذات صبغة شخصية و ليست مؤسساتية.. وبالتالي تتناقض مع الآليات الديمقراطية.يجب تحديد تلك حقوق الأصلية للإفراد بجدول محدد، و يكون مصيرها مقروناً بقرارات مؤسساتية او هيئوية..لأبعاد النزعة الشخصية عن القرارات.

علينا ان نبدأ بداية صحيحة، ونفكر بشكل مبرمج وتعبوي، بعيداً عن الفوضى والعبث والإهمال المقصود او غير الواعي.. وندرك نتائج خطواتنا ومسؤولياتنا الوظيفة دون هذا الإدراك سوف نقع في أخطاء كثيرة، بالتالي نفسح المجال لقيام المتعشعشين ببناء أعشاشهم في الوزارات والمرافق العامة ونفتح الباب إمام الفساد الإداري والسرقات.. علماً ان هذا كوادرنا الوظيفية في العراق لهم التراث ذاخر بالسرقة والفساد الإداري والتكتل الفئوي والعصبوي في المرافق العامة.. ان رسوخ الخطوات التشريعية تلاحقها رسوخ في الخطوات الإدارية والتنظيمية ووضع الآليات الهادفة لمقاصد المشرعين يعني تضييق دائرة الفساد الإداري والتكتل الفئوي.

كما ان هذه النزعة سوف يفتح الباب إمام الانتهازيين وتشجيع المحسوبية والمنسوبية، ودخول الأفراد الغير مؤهلين لفناءات تلك المرافق المهمة. وسوف ينهار مبدأ [الرجل المناسب في المكان المناسب] و هذا الانهيار بحد ذاته كارثة وظيفية و خدمية تلحق أضرارا كبيرة بالبلد والمواطنين في آن واحد