قائمة شندلر العراقية
أميرة الطحاوي
جريدة
الشرق الاوسط ، 21/9/2003
عندما بدأت وسائل الإعلام في نقل المشاهد المؤلمة للمقابر الجماعية المكتشفة بالعراق، تذكرت أنه منذ سنوات، منع في مصر الفيلم الأمريكي «قائمة شندلر» لمخرجه ستيفن سبيلبرج، والذي يتناول مذابح اليهود على يد هتلر. ومما جاء في حيثيات المنع، وقتها، أن الرقابة وجدت مشاهد القتل والعنف من الفظاعة ما لا يتناسب وجمهور المشاهدين! أتذكر، وقتها، أن الكاتب المصري، أحمد بهجت، انتقد هذا القرار في عموده اليومي بالأهرام «صندوق الدنيا»، وإن لم يتبنّ مضمون الفيلم، لكنه هاجم أسباب منعه «المعلنة»; فالفيلم سيتسلل للمشاهد بصورة أو أخرى، وسيأتي يوم لا تحتاج فيه الحقائق والآراء والأفكار لخاتم من الرقابة، وربما أيضا، ستنقرض الرقابة نفسها ويصبح الانسان رقيبا على ذاته، وآمل أن يحالفنا الحظ ونعيش لنشهد تلك اللحظة.
ربما كان السبب ذاته وراء احجام بعض التلفزيونات العربية الحكومية، عن عرض مشاهد المقابر الجماعية المكتشفة دون توقف يوما تلو الآخر بالعراق. فالسادة مسؤولو الإعلام في تلك الدول، يخافون على مشاعر مواطنيهم المرهفة، لذا، ففي الوقت الذي يتسابق فيه «إعلاميو العالم الحر» لكل موقع جديد تكتشف فيه مقبرة، وينقلون، بالاضافة لعشرات الصور مئاتِ القصص، فإن هناك من «اعلاميي العالم الآخر»، من يحول بصره بعيدا عن المحاويل، حيث أكبر عدد من المقابر الجماعية حتى الآن، لكن لسوء حظ هؤلاء، فإن المقابر بدلا من المدن والورود تتوالى في الظهور جنوبا وشمالا، وأينما تولي وجهك فثم مقبرة ووجه ضحية وشبح جلاد، الكل يبحث ويتمنى أن يتعرف على رفات فلان أو علان، ومع ذلك، فهناك أيضا، من مازال يعيش على أمل العثور على أحدهم حيا، هناك من يشكك في أن هذه المقابر الجماعية كلها عائدة لفترة قمع الانتفاضة الشعبية في مارس 91، والحقيقة أن أحدا لم يقل ذلك، فهناك مقابر لأشخاص اختفوا على مدار سنوات السبعينات والثمانينات، في التهجير القسري الذي تم بانتظام للأكراد الفيلية مثلا، هناك أطفال أجبروا على السير في حقول من الألغام، هناك من أجريت عليهم اختبارات كيماوية لأسلحة استخدمت على آخرين، منهم من اقتيد للخلاء وقتل، ومنهم من مات في رحلات التهجير القسري، ومنهم مات في السجون أو قتل خارج أسوارها، وبالطبع لم يكن أحد واثقا أنهم ماتوا من قبل إلا بعد العثور على رفاتهم ـ معذرة عظامهم، هناك قتلى القادسية الجديدة! وتحرير الفاو! و تحرير الكويت، الذي تم عن طريق القاء آلاف القنابل على المدن والقرى العراقية!، وهناك شهداء الانتفاضة، وهناك غيرهم الكثيرون.
توثيق عذاباتنا لنستطيع تذوق أفراح المستقبل
في أكتوبر 2001 غرق مركب للاجئين في الطريق من إندونسيا الى أستراليا، وراح ضحيته أكثر من 350 عراقيا معظمهم من الأطفال والنساء، استفز الحدث الجلل الكثيرين للكتابة والتنديد بالنظام الذي أدى بهؤلاء المساكين إلى ارتياد البحر بحثاً عن بلد آمن يضمهم وسماء حنون لا تمطر القنابل والسموم ، أما هادي ماهود ، المخرج العراقي المغترب، فقد غلبه حس الفنان الملتزم أمام هذه الكارثة، و قارنها مع هجرة مماثلة قام بها عراقيون منذ آلاف السنين، أو هكذا خيل له، استمد من قصة السندباد البحري العراقي ـ حسب الأسطورة الشعبية ـ الذي وصل إلى جزر الواق واق والمعتقد أنها أستراليا الحالية، منطلقاً لتوثيق رحلة هؤلاء العراقيين الذين غرقوا، مقارناً إياهم بالسندباد العراقي الذي دفعه الولع بالجديد للوصول لهذه البحار، بينما دفع القهر أحفاده من العراقيين لهذه الرحلة المأساوية، واصفاً إياهم بـ«السندباديون الجدد»، مسجلاً حتى الآن ثلاثين ساعة كاملة، بين أستراليا وإندونيسيا، ملتقياً مع ممن قدر له النجاة من رواد المركب المنكوب، وعددهم خمسة وأربعون ناجياً، ولكن هذا المشروع، الذي كاد أن يرى النور، لم يجد من يسانده لنهايته حتى يضاف للسجل الذي نطمح لتوثيق نقاط زمنية هامة في تاريخ شعبنا، ماهود كان يريد أن يكمل مشاهد هامة في سيناريو فيلمه; مثل مشاهد سقوط النظام البعثي، ويلتقي أسرا لها أبناء وأقارب ماتوا في حادث قارب الصيد المشار اليه، ويسجل أيضا مشاهد عودة أول أفواج اللاجئين العراقيين لبلادهم، ومع هذا لم يستطع، وحتى ما سجله من مادة فيلمية، لم يجد لليوم طريقه للعرض.. وعلى شاكلة ماهود، هناك الكثيرون لا يساعدهم أحد في التعبير عما ألم بوطنهم.
بغداد أوف أوف حتى إشعار آخر
أما المخرج العراقي سعد سلمان، فقد قدم فيلمه «بغداد أون أوف»، وعرض الفيلم عام 2002، في عدة دور عرض أوربية ومهرجانات عالمية، لكنه منع من العرض في أغلب المهرجانات العربية التي تقدم لها، وحتى معهد العالم العربي بباريس، ووجد أنه من غير اللائق عرض فيلم عن أوجاع العراق تحت حكم النظام الجائر لصدام حسين، وأنه كان من الاجدر بصانعه أن يقدم فيلمه عن الانتفاضة الفلسطينية!، وحتى الآن، ما يزال الفيلم ينتظر العرض في العواصم العربية، يرى المشاهد بعضا مما حدث في عراق ابو الليثين.
في المقابل، سمح لآخرين بالعودة السريعة للعراق، وتصوير مشاهد استخدمت للتباكي على النظام البائد، في منتصف أبريل ـ تحديدا بعد أربعة أيام من سقوط تمثال صدام! ـ لتسجيل.. تسجيل ماذا؟ لم يسجلوا شيئا أكثر مما يمكنهم توظيفه للترحم على النظام البائد - أو الذي في حكم البائد، إنه الفيلم الفلتة الذي قدمته احدى العراقيات عن رحلتها الجبارة للعراق بعد أيام أربعة من سقوط التمثال ـ على حد قولها، وفجأة، وبعيد الحرب، أصبح فيلمها هو أول فيلم وثائقي عراقي بعد سقوط النظام يترحم على الأمن في عهد صدام!، ويبكي على الآثار المنهوبة ويغض البصر عن نعال أبو تحسين، ويصم الأذن عن هلهولة صادحة مازالت ترن منذ التاسع من نيسان وحتى الآن.
منذ أيام بثت شبكة الإعلام العراقي حواراً مع سيدة تبكي عائلتها التي عثرت على رفات بعض أفرادها بمقبرة جماعية في مايو (أيار) الماضي، آسيت لحالها فلا زالت المرأة تبكي منذ أربعة أشهر، ثم انتبهت إلى أن المرأة تبكي ليس فقط منذ أيار الماضي ولكن منذ عام 1982، أي منذ أكثر من عشرين عاما عندما فقدت أول ضحية من أسرتها، وما يزال بكاؤها مستمراً، تذكرت أحد فقهاء السلاطين ممن هاجموا المقابر الجماعية بقولهم «اكتشاف هذه المقابر الجماعية سيشكل ضغوطاً كبيرة على المحاكم العراقية والمؤسسات المدنية التي ستكون مضطرة إلى النظر في آلاف الدعاوى الخاصة بإلغاء عقود القران، وتثبيت الوفيات، وما يتعلق بقضايا الإرث»!
عندما يحول العراق إلى جمجمة
عندما وصلت بغداد للمرة الأولى بعد سقوط الظام البعثي البائد، استقبلتني عبارة «العراق جمجمة العرب وكنز الانسان» على الحدود، ثمة نصب تذكاري لا أعلم تحديدا بعد أي من الحروب الخارجية الثلاث بنى النظام هذا المسخ الخرساني المقيت، وكم من الجماجم استخدمت لتعلو عليه صورة صدام التي أتلفها أحرار العراق بعد سقوط الطاغية، لم أر قط في أي ميناء أو مطار مثل هذه العبارة، ولا أعتقد أن هناك من يصف بلاده أيا كانت بالجمجمة، كيف أصف بلادي وفيها النهران والنخيل والطمي الخصب والأعناب، بلد الشعراء وعاصمة الرشيد، جبال لثلج ومهد آشور بانيبال وشريعة الحق بأنها جمجمة!. كيف أنسى المسيب وأبو نواس والرشيد وأتذكر الجمجمة، وأختزله امام القادمين له من ضيوف وعراقيين عائدين بأنه جمجمة، حوَّل صدام العراق إلى جمجمة نخرها ورفاقه الذين أطلق سراحهم قبل رحيله ليملأوا البلاد جورا وظلما، بانتظار مخلص للبلاد من هذا السوس والعطن الذي ينخر العراق حتى الآن، كان البعث محقا في جانب واحد من عبرته لك، إذ حوّل صورة الجمجمة والهيكل العظمي الى مؤشر على أخبار العراق طوال الشهور الأخيرة، حيث عشرات المقابر الجماعية المكتشفة.
مشهد سينمائي للأخوة في الفضائيات العربية إياها:
في المطعم «كاكه حسن»، الذي أتناول به معظم وجباتي ببغداد، كان المالك كردياً مشاركاً أحد العراقيين العرب، الحارس «حيد»، شاب شيعي يصوم يومياً من الآن وحتى شهر رمضان!، هيلين موظفة الخزينة ـ الكاشير ـ كلدانية، حيدر لا يحلو له الحديث ولا التشاقي إلا مع هيلين، تسأله كل يوم عن صومه الطويل وتشفق عليه، فيقول لها «ليش ما تصومين انتي فد اسبوع على الأقل، لا تصيرين هيجي سمنانة». تبدأ المعركة اليومية، ثم ينتهي حوارهما بنكتة على الأكراد أو الكلدان أو الآشوريين، أسجل بعض هذه النكت، وأكتشف أنني سمعت احداها من قبل، أين تحديداً؟ ربما في مصر عن الصعايدة من شخص صعيدي، وربما في السودان عن الشايقية أو الجنوبيين: الدنكا، النوير أو الشلك، من أبناء نفس القبائل، لا أتذكر ، فقط أتيقن أكثر أنه لا توجد حساسية فظيعة بين قوميات وأديان ومذاهب العراق مثلما تدعي الأقلام الكسولة والبرامج الفضائية المريضة، المبالغة لعبة الساسة المغرضين والمتثاقفين البلهاء، لعبة سمجة لا أخالها تصمد كثيراً هنا، لو صدقت النوايا ورفع الملالي والباشوات والمتطفلون الآخرون أيديهم عن هذا البلد.
عندما ذهبت لهذا المطعم أول مرة طلبت «لبن أربيل»، «الشيف» الكردي، بدا سعيدا للغاية أنني أطلق على اللبن - الزبادي - لبن أربيل تحديداً، يحكي لي نكتة قديمة توضح شهرة وأهمية ألبان أربيل، عن اهل المجند الكردي، الذين بعثوا برسالة لوزارة الدفاع العراقية وكتبوا على المظروف الخارجي للخطاب: وزارة الدفاع مقابل ألبان أربيل!، أسمع هذه النكتة ربما للمرة العاشرة، يسألني كل مرة يراني فيها: ليش ما يسوون شيء بال……… عن الأكراد الفيلية، ويذكر لي اسم إحدى الفضائيات اياها، يضحك: «ذوله بعد ما يعرفون انه آكو شيء بالعراق اسمه أكراد فيلية، ع بالهم احنا مو عراقيين؟»