عن الشرعية

زهير كاظم عبود
صحيفة الرافدين الالكترونية،
4/7/2004

وأخيراً تحقق حلم الشعب العراقي ومثل الدكتاتور أمام القضاء العراقي ، والطاغية محظوظ حين يقف امام قاضي حقيقي وملتزم بنصوص القوانين النافذة ، ويتم الطعن بقراراته أمام الهيئات والمحاكم القضائية وفق الأصول الجزائية ، والمتهم صدام محظوظ حين يقف أمام قاضي معين وفق قانون التنظيم القضائي ، وكان قد أدى اليمين القانونية المنصوص عليها في قانون التنظيم القضائي قبل أن يباشر في عمله القضائي .

بينما كانت المحاكم الخاصة في زمن صدام لايرأسها أو يكون في عضويتها قضاة أو لهم علاقة بالمؤسسة القضائية أو بالقانون ، فمحاكم الثورة التي تعاقب عليها علي هادي وتوت ثم العلاف والنجار ومروراً بمسلم هادي الجبوري وأنتهاءاً بعواد البندر لم يكن بينهم قاضي عراقي واحد وجميعهم من خارج جسد المؤسسة القضائية ، فأين المشروعية التي يسأل عنها بعض الأعراب الخائبة ؟

المحاكم الخاصة في الزمن الصدامي من محكمة الثورة ومحكمة الأمن العام والمحكمة الخاصة بالمخابرات ومحكمة الأستخبارات ومحكمة التصنيع العسكري ومحكمة اللجنة الأولمبية ومحكمة الأمن الخاص لم تكن سوى أشكال كارتونية تحصد رقاب العراقيين دون أن يكون للقضاء العراقي صلة او علاقة بها ، كما انشأ صدام محكمة طريفة من المحاكم الشكلية لها دورها المرعب في حصد ارواح الأبرياء لم يكن للقضاء العراقي علاقة بها ، وهي المحكمة الخاصة بوزارة الداخلية ، وهي اول محكمة في العالم يفترض بها أن تكون قضائية ومستقلة تتبع وزارة للداخلية ، جميع هذه المحاكم قراراتها قطعية لايمكن الطعن بها تمييزاً حتى ولو كان القرار بأعدام مواطن عن طريق الخطأ او لتشابه في الأسم ، فأين الشرعية التي يتحدث عنها الأعراب البائسة ؟

هذه المحاكم الخاصة التي كانت تطبق على رقاب العراقيين تحكم على الشك والظن والتقرير الذي يرفعه عنصر من عناصر الأمن والحزب دون أن تقوم بتحليفه والأستماع الى شهادته ودون تدقيق ودون دليل آخر ، وهذه المحاكم كانت لاتلتزم بالحدود الزمنية المنصوص عليها في متن قانون العقوبات النافذ ، فيمكن لها أن تحكم بأعدام المواطن في قضية عقوبتها القصوى خمسة سنوات ، وأن تحكم بالسجن المؤبد في مخالفة .

وفي سياق العمل القانوني والقضائي ونتيجة لعدم معرفة الطاغية بأصول وأسس القانون ولعدم اعتقاده بمبدأ العدالة والحق فقد صار يصدر قرارات متناقضة وبائسة ، أذ يصدر عن ماسمي بمجلس قيادة الثورة قرارات تشريعية تحكم بحكم الجناية والجنحة في مخالفات ، كما علق العمل بنصوص حيوية وفاعلة دون مبرر ، كما قرر أن تكون عقوبة شتم الذات الالهية بخمسين دينار بينما عقوبة شتم صدام بالأعدام وشتان مابين الله وصدام ، وقام الطاغية برفع اسم الجلالة من صيغة اليمين المنصوص عليها في نص المادة
108 من قانون الأثبات العراقي بأن تكون اليمين دون اسم الله تمهيداً ليصار الحلف بأسم صدام ، فأين الشرعية التي يتباكى عليها العرب العاربة ؟

وصدام نفسه من صادر القوانين والدستور وأختزلها لصالحة ، ومنح اولاده من الصلاحيات التي فاقت صلاحيات جميع الهيئات القضائية والقانونية والسلطة التنفيذية ، وصدام نفسه من أستخف بالقانون ، وصدام نفسه من صادر حق المواطن العراقي في منع تملك العراقيين في محافظات جعلها حصراً لعائلته وحاشيته وحدد الممنوعات على العراقيين بما لم تستطع القوانين ان تحصرها ، وصدام نفسه من منع المحامين من التوكل عن المواطن العراقي المتهم في القضايا الأمنية ، ولو تقدم محامي عربي ليتوكل عن متهم في قضية أمنية لما عثر أهله على جثته لحد اليوم ، وصدام نفسه من منع القضاء العراقي من التدخل في القضايا التحقيقية الخاصة بالأمن والمخابرات ، وصدام نفسه من أوعز الى نقابة المحامين العراقية بتبليغ المحامين بمنع مراجعتهم لدوائر الأمن والمخابرات وبقية الدوائر الأمنية في العراق ، فعن أي مشروعية يتحدث السادة من الأعراب المتباكية ؟

محظوظ صدام انه جلس امام القاضي العراقي وماكان يحق للعراقي أن يجلس أمام قضاة المحاكم الخاصة وأن لايعرف تهمته ولايستطيع أن يتحاور مع القاضي أو يناقشه أو يتحدث معه ، ومحظوظ صدام حين كان يعرف الأتهامات التي سيتم التحقيق معه بموجبها ، ومحظوظ صدام حين يعرض عليه القاضي العراقي حقوقه القانونية التي لم يستوعبها ولاتعرف عليها وطلب أن لايقوم بالتوقيع عليها الا بحضور محامية حيث كان مرعوباً وقلقاً وخائفاً ، واستجاب له القاضي لما اراد ، فعن أي شرعية يتحدث الاعراب المنافقة ؟

وصدام الذي يعتقد لحد اللحظة أن سلطانه لم يزل يرعب العراقيين ، وصدام الذي يتصور أن النصوص التي كانت تعطيه الصلاحيات المطلقة في أرواح العراقيين وفي كرامتهم وأرضهم لم تزل سارية يتم العمل بها ، وصدام الذي يتصور أن النصوص الخائبة في الدستور المؤقت التي تعطيه الحصانة لم تزل سارية لم تسقط ، وصدام الذي يتصور أنه لم يزل القائد العام للقوات المسلحة في العراق وهو المتخلف والهارب من الخدمة الألزامية المكلف بها أي مواطن عراقي ، وصدام الذي يعتقد انه لم يزل رئيساً للجمهورية العراقية وهو الذي يعرف بنعالات العراقيين وشوقهم للقبض عليه وتنفيذ حكم الله والشعب العادل بحقه ، فعن أي شرعية يتحدثون والمتهم صدام يتم التحقيق معه في جرائم أرتكبها بحق مئات الالاف من العراقيين وبحق الانسانية والتفريط بشرف العراق وكرامته وثرواته وخيراته وموارده وتدمير بنيته الأجتماعية وقيمه ومستقبله ، وهي اتهامات تنسب لأي مواطن عراقي تتم محاكمته عنها ، وصدام المتهم بجرائم ضد الشعب الكردي النبيل راح ضحيتها مئات الالاف من الأبرياء ومن الكرد الفيلية ومن الأبرياء من الشيعة في المقابر الجماعية وفي السجون والمعتقلات تحت التعذيب وفي أعداد ضحايا الأغتيالات في داخل أو خارج العراق .

حقاً تحقق فعلياً ماقاله الشاعر من ان قتل امرء في غابة جريمة لاتغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر ، ولن يستغرب اهل العراق التباكي واللطم على ماصار اليه حال الطاغية ومجموعة الدرزن القذر كما اسماها مبدع عراقي ، ولن يستغرب أهل العراق مواقف بعض من كان يعتاش على دماء العراقيين ، ولكن الغرابة حين يصير من يزعم انه حقوقي ومحامي سوقياً يتلفظ بالفاظ لاتمت للقانون ولا للخلق بصله فيكذب ويزعم ويفتري على رمز عراقي مناضل من رموز العراق السياسية ، معلم من معلمي القانون وأبناً قومياً معتدلاً للعراق وأبناً فراتياً مجاهداً هو الدكتور مالك دوهان الحسن الأستاذ والمربي والأكاديمي قبل أن يكون نقيباً للمحامين ووزيراً للعدل .