ذاكرة المستقبل
محمود الفَيْلي وزهور اللامي ................. جمعة اللامي
جريدة الخليج،
6/7/2004
وما منْ يدٍ إلا يدُ اللّهِ فوقها
وما مِنْ ظالمٍ إلا سيُبْلى بأظلَمِ
(زهير بن أبي سلمى)
حمل البريد إليّ هذا الأسبوع رسائل عديدة، من داخل العراق ومن خارجه، يدعو أصحابها إلى إنصافهم من ظلم لحق بهم إبان فترة
“الدكتاتورية” المقبورة، وينادي آخرون بالانتصاف لمجموعات عرقية عراقية كنتُ شخصياً شاهداً على مظلوميتها في تلك الأزمنة
التي نريد أن نسميها أزمنة غابرة.
من هذه الرسائل عريضة وقعها أفاضل وذوات من “الكورد الفيْليّة”، ورسالة أخرى ذيّلها بتوقيعاتهم نفر من عائلة السيدة زهور بنت
حمود اللامي.
“الكورد الفيلية” عراقيون من جَد لأبٍ لولدٍ، وهم قوم من أصول عيلامية، لعبوا أدواراً مهمة في تاريخ العراق القديم والحديث، في
ميادين السياسة والتجارة والثقافة، وتربّوا على حب وطنهم والتضحية في سبيله بالغالي والنفيس.
لكنهم وجدوا أنفسهم، بين ليلة وضحاها، يُدفعون الى خارج بلادهم دفعاً، وبطرائق وحشية، خصوصاً بعدما اتهم أحد شباب “الكورد
الفيلية” بمحاولة اغتيال طارق عزيز في “جامعة المستنصرية” سنة 1979.
قبل ذلك، كانوا قد هجروا، أي في سنة 1972، 1973
بصورة قسرية الى إيران. وبعد سنة 1979 تمت مداهمة بيوتهم ومحلاتهم
التجارية في ليالٍ ظلماء، وسيقوا الى الحدود تحت شمس حارقة، أو في طقس جليدي، شبه عراة أحياناً. والسبب في هذا أنهم
“فَيْليّون”!
وأعيد الذكر، هنا، أنني كتبت عن “تهجيرهم” سنة، 1981 في “الخليج”، ورويت قصة الرجل الذي جاء الطلق امرأته وهي في
الطريق الوعر إلى إيران، فرمى الوليد الى السماء، قائلاً: يا رب، أنت أعطيت، وأنت تأخذ!
وفي عقد الثمانينات من القرن الماضي، تمّ تجميع شباب “الكورد الفيلية” بين أعمار
15 و 45 سنة، وأودعوا معتقلات العراق
الرهيبة، ومنها مقر “الشعبة الخامسة” وفُقدت آثار الألوف من هؤلاء، الى يومنا هذا.
أما السيدة زهور حمود اللامي، “أم حيدر” كما يعرفها أهالي منطقة “العطيفيّة” ببغداد، فلا ذنب لها، سوى أنها امرأة متعلمة، وزوجة
رجل متعلم، وأنهما اختارا مساراً فكرياً وسياسياً ليس بعثياً.
“في الساعة 4 من فجر 2/9/1980 داهمت جماعة مسلحة من رجال الأمن ومنظمة حزب البعث في العطيفية، منزل المواطن علي
حسين علي، المعروف باسم “أبو حيدر”، واعتقلوا زوجته زهور بنت حمود اللامي، المعروفة باسم “أم حيدر” وطفليهما، ومنذ ذلك
الحين اختفت آثار الزوجين”.
هكذا، بدم بارد قتلوا زهور اللامي، من دون أي محاكمة، كما اتضح فيما بعد، ولا سبب مقنعاً إلا بكون هذه السيدة نصيرة للحزب
الشيوعي العراقي. ذلك ما عرفه آلها بعد سقوط “الدكتاتور” حين عثروا على “أمر إعدامها” سنة
1983.
أما الشاب “الفيلي” محمود عبدالكريم، الذي اعتقل في أحد دهاليز “الشعبة الخامسة” عندما كان عمره 20 سنة، فلم يعثر له على أثر
الى يومنا هذا.
من ينصف زهور اللامي؟ ومن ينتصف للشاب العراقي محمود عبدالكريم؟!
جمعة اللامي
zaineb@maktoob.com