الانتخابات ، كركوك ، والكورد الفيليون
افتتاحية جريدة التآخي، 11/7/2004
ليس من العدل حرمان شرائح كبيرة من الكورد، من أبناء المجتمع العراقي من حق الحرية في الترشيح والتصويت في الانتخابات
القادمة، التي ستجري خلال عام ونصف ثلاث انتخابات رئيسية: انتخابات لبرلمان كوردستان، وأخرى للمجلس التأسيسي، ثم
للبرلمان العراقي.
الناس في العراق، منذ أكثر من أربعة عقود، وهم ينتظرون خوض انتخابات حرة ونزيهة، بينما إذا سارت الأمور دون حل بعض
المشكلات، سيعجز عدة ملايين مواطن من خوض هذه الانتخابات:
أولاً: ففي المنفى حوالي 4.3.5 ملايين مواطن عراقي لم تحسم بعد طريقة اشتراكهم في الانتخابات بينما يجب إيجاد آلية لمشاركتهم
الحرة وعدم حرمانهم في الإسهام في بناء الدولة العراقية الحديثة.
ثانياً: مشكلة الكورد الفيليين الأساسية لم تحل، فما زالوا من الفئات المهمشة المظلومة، انعكس ذلك أخيراً في أن لائحة الاتهامات إلى
صدام ورجاله لم يتضمن الإشارة إلى مظلومية هؤلاء القوم الكرام النجباء الذين تعرضوا للظلم والعنف بشكل مضاعف؛ فقد لوحقوا
وشردوا وهجروا من قبل النظام السابق بسبب انتمائهم القومي الكوردي وانتمائهم المذهبي وموقفهم الوطني الديمقراطي. ولما كانوا
عراقيين أبا عن جد فان الحكومات الإيرانية عاملتهم معاملة قائمة على التمييز القومي وعانوا شظف العيش والحرمان من العمل
وعذابات حتى في إيران مما حدى بمعظمهم إلى الهجرة من إيران نحو شتى بلدان العالم، وأما الباقون داخل العراق فقد ظلوا تحت
ضغط واضطهاد شديدين.
ولم يتقرر بعد عملياً أي برنامج لإعادة وتعويض الكورد الفيليين بل أن بعضهم يعانون حتى الآن مشكلة استعادة الجنسية العراقية.
فمشكلة الكورد الفيليين مزدوجة مما قد يحرم معظمهم من المشاركة في الانتخابات القادمة، كما أن حقهم في تسجيل اتهاماتهم لنظام
صدام مازال ضائعاً. ينبغي على الحكومة العراقية الحالية بحث هذه المشكلات وإنصاف الكورد الفيليين ورفع الغبن ألتأريخي عنهم
إلى الأبد.
ثالثاً: كركوك، خانقين، سنجار زمار وغيرها عانت بشدة من حملات التطهير العرقي ومحاولات تغيير الواقع السكاني بهدف تحجيم
الدور الكوردي فيها. رغم أنها مناطق كوردستانية جغرافياً وتاريخيا واجتماعيا. مع إحرام حقوق أبناء الإنتماءأت القومية والدينية
المختلفة فيها.
فإذا ما سارت الأمور حسب الضغوط الظالمة الراهنة فان معظم السكان الكورد في هذه المناطق سيشملهم الحرمان والغبن في
الانتخابات.
وتتعرض مدينة كركوك إلى حملات دعائية ظالمة من أوساط شوفينية معروفة تتصرف حسب المبدأ القائل ( الهجوم خير وسيلة
للدفاع !). فتشيع هذه الأوساط، الداخلية والخارجية، أخبار عما تسميه ( بالتطهير العرقي ) من قبل الكورد والتغطية على سنوات
حرمانهم الطويلة بدلاً من إزالة هذا الحرمان.
لا يمر يوم دون ظهور مقال أو تقرير في صحيفة عربية داخل العراق أو خارجه. فضلاً عن بعض الأوساط التركية، تتحدث عن
"تغيير الواقع السكاني" لكركوك من قبل الكورد، وتبالغ في الوضع الداخلي في المدينة زاعمة احتمال وقوع (حرب أهلية) فيها !!
والغرض من هذا الزعم، وهو إرهاب فكري معروف النوايا، هو الإيحاء بأن عودة الكورد، سكان كركوك الأصليين إلى المدينة، قد
يثير إلى مثل هذه الحرب!! وهو ادعاء مشبوه استباقي يراد منه الآن إلقاء مسؤولية أية حوادث مقبلة على الكورد وحدتهم !
أما الواقع فهو أن الأوساط الشوفينية الداخلية والخارجية هي التي تهيئ أجواء المدينة للمزيد من الإضطرابات وحتى الحرب الأهلية
إذا ما عاد الحق إلى أصحابه من سكان كركوك الأصليين. وعلى عكس هذه الإدعاءأت بأن السكان الكورد في المدينة مازالوا
معرضين للحرمان والاضطهاد وغمط الحقوق، ومن مظاهر ذلك؛
أ- سلسلة الاغتيالات والاختطافات والقتل العشوائي بحق المواطنين الكورد في المدينة، بينهم مسؤولون بارزون.
ب- الأحياء الكوردية فقيرة ومحرومة من معظم الخدمات منذ عهد النظام المباد حتى اليوم.
ج- تجري محاربة الدراسة الكوردية وتقليص حصص الكورد في التربية والتعليم والمدارس.
د- رغم مرور عام ونصف على تحرير كركوك بأن نسبة الكورد من موظفي الدولة فيها لا يتعدى 7 في المئة حسب آخر تصريحات
المسؤول عن شؤون المرحلين.
هـ - أهم مشكلة تنتظر الحل هي مشكلة المرحلين والمهجرين الذين مازالوا ينتظرون العودة إلى كركوك وتعويضهم عن الأضرار
والخسائر الجسيمة التي تكبدوها. وأما العدد القليل من العائدين منهم سواء إلى داخل المدينة أو إلى النواحي والأقضية التابعة
للمحافظة فمازالوا محرومين من تقديم الخدمات الضرورية.
ويبدو أن قدر سكان كركوك الأصليين من الكورد هو الحرمان والإهمال حتى من الدولة العظمى في العالم. إذ منذ تحرير العراق لم
تتحرك سلطة الاحتلال الأمريكية لحل أية مشكلة أساسية في المدينة بل زادتها مشكلات. ولا يظهر في الأفق القريب ما يشير إلى
احتمال تسهيل هذه المشكلة. أما العديد من القوى والأحزاب العراقية الأساسية بما فيها الحكومة الحالية فما تزال تهمل مشكلات
كركوك وتتغاضى عن آثار التطهير العرقي في عهد صدام، وكأني بها تحاول تكريس ما نفذه ذلك العهد المشؤوم!
لقد تميزت القيادة الكوردية طوال هذه المدة بالمرونة والهدوء كي لا تتعقد الأمور، وظلت القيادة السياسية الكوردستانية تطرح في
هدوء مشكلات كركوك على جدول البحث مع شتى المسؤولين في سلطات وقوات الاحتلال وفي الإدارة العراقية بما فيها مجلس
الحكم الراحل والحكومة الجديدة.
وأظن للمرونة والواقعية حدوداً لا يمكن تجاهلها إزاء هذا التعنت اللا مبرر.