ضرورة إيجاد الحل المناسب لقضية الكرد الفيليين في العراق
زهير عبد الملك
موسوعة صوت العراق، 16/7/2004
أهملت لائحة الاتهامات التي نسبها حاكم التحقيق العراقي إلى صدام حسين، من بين ما أهملت، تهمة تنكيل المتهم المذكور وسلطاته
الأمنية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي عمدا وعن سبق إصرار بشريحة واسعة من أبناء الشعب العراقي من الكرد
الفيليين، وذلك بتهجيرهم من العراق جماعيا وبالقوة الغاشمة، وإسقاط جنسيتهم العراقية ناهيك عن اعتقال وتعذيب ومن ثم قتل
الألوف من الشبان الفيليين الذين احتجزتهم السلطات رهائن لديها.
والكرد الفيليون من السكان الأصليين للعديد من المدن العراقية ولاسيما في بغداد والعمارة والكوت، والعديد من المراكز الحضرية
والقرى الواقعة على طول المناطق الحدودية بين إيران والعراق مثل خانقين ومندلي وبدرة وجصان وزرباطية وغيرها.
ولا شك في أن أجداد الكرد الفيليين الذين طردت الحكومة العراقية أحفادهم جماعيا من العراق بلا رحمة أو واعز من ضمير كانوا
من السكان الأصليين للعراق القديم والحديث .
وهذه حقيقة ثابتة من حقائق تاريخ الشعوب والأقوام التي استوطنت بلاد ما بين النهرين منذ القدم.
وقد شهد تاريخ العراق الحديث نشاط وتفاني طلائع الكرد الفيليين وجماهيرهم في مقارعة كافة أنظمة الحكم الرجعية والدكتاتورية
في العهدين الملكي والجمهوري دفاعا عن حقوق الشعب العراقي في الحرية ومن أجل إرساء قواعد كفيلة بقيام نظام ديمقراطي في
البلاد يتساوى يظله العرب والكرد، وبما يضمن لسائر القوميات الأخرى المتآخية في العراق كامل حقوقهم القومية والثقافية .
وليس من المعلوم على وجه الدقة أسباب مثل هذا الإهمال، الذي أثار في أوساط العراقيين عامة والكرد الفيليين بوجه خاص قدرا
كبيرا من التساؤل والاستغراب. فهل هو إهمال على مستوى سياسات الحكومة المؤقتة ؟
فعلى مستوى السياسات ، كان موضوع تهجير الكرد الفليين من النقاط التي ركز عليها مؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن في
14-15 كانون الأول/ ديسمبر 2002 أي قبل سقوط النظام العراقي بقرابة أربع أشهر فقط. فقد نص البيان السياسي للمؤتمر
المذكور في فقرته بالحرف الواحد على التزام أطراف المعارضة (ومن بين الموقعين على بيان العارضة المشار إليه عدد من
المسؤولين في الحكومة المؤقتة العراقية الحالية وعلى رأسهم رئيس الوزراء الدكتور إياد علاوي) بما يلي:
" ت" - عودة الكرد الفيليين وجميع العراقيين المهجرين بذريعة أصولهم الإيرانية إلى خارج البلاد بغض النظر عن أصولهم والذين
جردتهم السلطة دون وجه حق من مواطنتهم العراقية، إلى العراق وضمان تمتعهم بجنسيتهم العراقية وإعادة ممتلكاتهم إليهم
وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم والكشف عن مصير المعتقلين الفيليين منذ أبريل/نيسان 1980.
وفي ذات السياق، تبرز قضية الفيليين من بين أشد مشكلات العراقيين إلحاحا . ومرد ذلك دون شك ضخامة المأساة المتمثلة بتسفيرهم
قسرا من العراق على عهد الطاغية صدام حسين ، تلك المأساة التي طالت مباشرة شريحة واسعة من أبناء الشعب العراقي، يناهز عدد المهجرين منهم قرابة نصف مليون نسمة، وخلفت في ما خلفت نتائج وتداعيات أضرت بالغ الضرر اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا
بالجيل التي تعرض لمآسي التهجير وبأبنائهم وأحفادهم في منافي العالم أجمع .
وقد يتعذر تقدير تأثيرات التسفير القسري السلبية غير المباشرة على مجمل أبناء الشعب العراقي في الوسط والجنوب والشمال ممن
اندمج الفيليون وإياهم في نسيج موحد ومتكامل من المصالح المشتركة والعلاقات الاجتماعية والثقافية والعادات والتقاليد التي نسجها
العراقيون من مختلف الملل والنحل في ما بينهم بنجاح عبر التاريخ.
ولقد سعى نظام الحكم البائد نحو تفتيت النسيج العراقي المتماسك تاريخيا بكل الوسائل بما في ذلك غير الإنسانية، ومنه تهجير، بل
سبي، الكرد الفيليين وإخراجهم من موطنهم في العراق رغما منهم وعلى الضد من إرادتهم.
وإذا ما كان من المنتظر أن تنتهج الحكومة المؤقتة العراقية سياسات تستهدف إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تستند بالدرجة
الأولى إلى العمل على استيعاب مشكلات الشعب العراقي المتنوع بأصوله وثقافاته وإمداداته القومية في إطار من الديمقراطية
والتعددية السياسية والفيدرالية بصفتها آلية مجرّبة وفعالة لضمان دعم تجانس المجتمع العراقي وازدهاره، فحري بها أن تمنح
القضية الفيلية في إطار الفقرة "ت" من البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المشار إلية في أعلاه أولوية بارزة.
ومن الأهمية بمكان عدم إهمال أو تأجيل النظر في مسألة الكرد الفيليين في العراق في ضوء الحقائق التاريخية والموضوعية
المتعلقة بانتساب هذه الفئة من الشعب الكردي إلى الوطن العراقي. واتخاذ القرارات المناسبة بما يضمن حقوقهم الوطنية والقومية.
ودعوة المهجرين منهم في إيران وفي منافي العالم للعودة إلى الوطن، وإنصافهم وإعادة ممتلكاتهم المصادرة والمسروقة في أقرب
وقت ممكن وإيجاد حل مناسب لهذه القضية السياسية بامتياز والإنسانية بكل المعايير .
أم يا ترى هناك أسباب أخرى !!!؟؟؟