سكان الاهوار: من ابناء العراق القدماء، والعرب والمعدان الكرد الفيلية
د. مؤيد عبد الستار
موقع الكاتب العراقي، 9/12/2004
ذكرني الشاعر المبدع برهان شاوي ، ببائعات اللبن والروبة ، اذ كانت في مدينة الكوت
مجموعة من نساء المعدان اشتهرن بجمالهن، يفترشن الساحة الحسينية- كانت تسمى الساحة
الحمراء ابان ثورة 14 تموز 59 - الواقعة
في ملتقى شوارع تؤدي الى حي الاكراد ، اذكر منهن جكجوكة - بالجيم المثلثة - ، وقد
سميت جكجوكة لجمالها، وكذلك وصف ، واخريات ، كن ممشوقات القوام ، يحملن اطباق اللبن
على رؤوسهن ويمشين بغنج ودلال، دون تعب او كلل، لايستحين من الرجال الذين كانوا
يلاطفوهن بالثناء والمديح حين يشترون منهن بضاعتهن، ويتحدثن بكل ثقة مع ابناء
المدينة الذين كانوا يحترمونهن، واذكر بعضهن ممن كن يجلسن مع النساء الريفيات
اللواتي يبعن اللبن المخيض في القرب الجلدية ( الجود أو الشكوة أو العكة ) ، وكنا
نطرب على صوت مخضهن اللبن كي يستخلصن الزبدة الطيبة منه ، وكن يعرضن علينا شيئا من
اللبن او الزبدة لنذوقها اغراء في شرائها . ومن الضروري ان نذكر ان المعدان كانوا
ينتشرون في اغلب مناطق وسط وجنوب العراق ، ولكن بسبب الاضطهاد المبرمج ضدهم من قبل
السلطة الطائفية ، على مدى عقود طويلة ، والتي توجها نظام صدام حسين ، بتدمير وسائل
عيشهم وقراهم وتجفيف الاهوار - وهو عين ما عمله باخوتهم الكرد في كردستان العراق،
وكردستان ايران خلال الحرب العراقية الا يرانية- تقلصت اعدادهم واهملت قراهم ومدنهم
، وشردوا الى ايران ومدن العراق الاخرى ، وراحوا ضحايا لحروب صدام مع ايران والكويت
.
تُعرف منطقة الاهوار سابقا باسم الجبايش ( بالجيم المثلثة ch = ) ، ولا توجد
لهذه التسمية علاقات اشتقاقية في اللغة العربية، خاصة وان الجيم المثلثة من الحروف
المعروفة في اللغات الهندوايرانية ، مثل الكردية والفارسية، وقد اطلقت تسمية
الجبايش على المنطقة بسبب اقامة سكان الاهوار جزر صناعية صغيرة ، يشيدونها من
البردي والطين ، وتسمى جبيشه Chebisheh، ثم يشيدون فوقها اكواخ القصب، والجبش
Chepsh بالجيم والباء المثلثتين في الفارسية هو الجدي الصغير ، ولربما كانت للجبيشة علاقة بهذه التسمية ، خاصة اذا عرفنا ان في الكردية توجد كلمة كبرة
Kepreh بالباء المثلثة ، قد تحور الى جبرة Chepreh ، وهي كوخ يشيد من اغصان الاشجار في الصيف ليكون اشبه بالسقيفة للحماية من شمس الصيف ، وبالمناسبة فان كلمة كوخ كردية / فارسية.
وعن تسمية المعدان من المفيد ان نذكر ماجاء في القاموس الفارسي العربي ، من ان كلمة ماد ، اسم قوم عاشوا شرق ايران قديما. وماد لها علاقة بالشعب الميدي الكردي.اما الهضبة الواقعة غرب ايران أو شرق دجلة ، المسماة عيلام (ايلام)، وتشمل لورستان وجبالها بشتكوه وبيشكوه، فهي موطن الاكراد الفيلية ، وهي البلاد المجاورة لاهوار وسط وجنوب العراق .
لذلك ارى ان كلمة معدان لها علاقة بالجذر الكردي ، ماد ، علما ان ( آن) هي احدى لواحق الجمع في الكردية ، مثل لاو = شاب ، جمعها لاوان : شباب . فتكون مادان ، اسم جمع للقوم الذين ينتسبون لشعب الـ ( ماد ). وتغيير مادان الى معدان شبيه بتغيير ايلام الى عيلام وآكرى الى عقرة وقس على ذلك، بسبب خصائص النطق في اللغات السامية ومنها الاكدية و العربية.
وبما ان مناطق جنوب العراق غنية بالاعشاب والاحراش والقصب والبردي ، لذلك كانت مثار اهتمام الرعاة الكرد، ينتقلون اليها من الجبال لرعي مواشيهم والحصول على اراض زراعية اضافية، وان مثال انكيدو دليل على هبوط اكراد ايلام الى البراري المحاذية لجبالهم، من اجل رعي مواشيهم ، طلبا للكلأ ، وبما انهم كانوا ضخام الاجسام ، اقوياء البنية ، كانوا مثار فزع للصيادين الذين يصيدون الاسماك والطيور، وقد جاء في ملحمة جلجامش ترجمة العلامة طه باقر صفحة
40 في حديث الصياد الذي راى انكيدو الراعي الهابط من الجبال الى اوروك، فذهب ليخبر اباه بما راى قال ( يا ابي ، رايت رجلا عجيبا قد انحدر من المرتفعات / انه اقوى من في البلاد، وذو بأس شديد / وهو في شدة بأسه مثل عزم آنو / انه يجوب السهوب والتلال ويأكل العشب / ويرعى الكلأ مع حيوان البر ويسقي معها عند مورد الماء/ لقد ذعرت منه فلم اقو على الاقتراب منه ....)
فحين يقول انحدر من المرتفعات ، تدل على انها المرتفعات المحاذية لاوروك ( وفي ترجمة اخرى ، انحدر من الجبال ، وطه باقر نفسه يذكر ذلك في الهامش رقم
17 في نفس الصفحة ) ولاتوجد جبال قرب اوروك غير جبال ايلام موطن اللور، الكرد الفيلية.
اما قول الصياد ان انكيدو يرعى الكلأ مع حيوان البر، فسببه ان اكراد ايلام كانوا من اوائل الاقوام الذين دجنوا الحيوانات البرية مثل الماعز والاغنام والابقار و الخيول وصنعوا لها العربات الشهيرة التي كان الملك الاشوري يستوردها منهم لمتانتها، بسبب توفر الاشجار و صناعة الحديد لديهم ، كما دجنوا انواعا عديدة من الحيوانات، اضافة الى ذلك اشتهرت منطقة ايلام بتوفر المعادن فيها ، ولذلك ظهرت فيها صناعات معدنية منذ عصر مبكر، واشتهرت بحداديها وصناعة الاسلحة ، واهمها الفأس، وهو مازال يسمى في العراق كما في الكردية الطبر او( ته ور ) اذ تخفف احيانا الباء في بعض اللهجات الكردية الى واو .
و بانتقال اكراد ايلام التدريجي الى هذه الاراضي المغمورة بالمياه والتي تكثر فيها المستنقعات، كانوا يكتسبون عادات جديدة ، وخبرات جديدة ، ويبتعدون شيئا فشيئا عن تقاليدهم الجبلية ، وازيائهم الكردية ، وحياتهم الجديدة التي يجب ان تتلائم مع طرق العيش المناسبة لصيد الاسماك وتربية الجاموس . والجاموس ، نوع من الابقار التي تعيش قرب المستنقعات الشهيرة والكثيرة الممتدة من العراق الى السند ( الباكستان) والهند . ويندر وجوده غرب العراق بسبب عدم توفر المياه والبيئة الملائمة له.
وكلمة الجاموس ، لها جذر كردي / سومري ، ففي السومرية يطلق على الثور غود ( خود )
God والكلمة من الجذر ( خود) ، وبما ان الثور مقدس عند السومريين ، فقد تسمى
باسمه الملوك ، مثل الملك غوديا ( خود ديا) أو( خودا ) اي الله ، والثور والبقر
والجاموس في اللغة الكردية لها تسمية مماثلة ، فالبقرة في الكردية تسمى ( غا Ga )
والجاموس: غامش( Gamish). والله في اللغة الكردية
والفارسية خودا ( وفي الكردية الفيلية خوذا أو خوضا حين تفخم للتعظيم)، ومعنى كلمة
خود : ذات ، وتاتي ضميرا مشتركا بين المتكلم والمخاطب والغائب . واذا قلنا خودا فهي
تركيب من كلمة خود : ذات + دا : اعطى ، وهب، وبعد دمج الكلمتين تصبح خوددا ، او
خودا اي خالق نفسه ، وهو الله الذي لم يلد ولم يولد ، وهي عين الكلمة التي انتقلت
الى العديد من اللغات الهندواوربية ، مثل God في الانجليزية.
وهناك علاقة بين اسم الهور والكلمة الكردية / الفارسية / السنسكريتية: هور، فهي من الجذر هور ، ومنه اله الخير او اله النور في الديانة الزرادشتية اهورمزدا، واله الشر او الظلام اهرامن وفي الكردية الحديثة مازالت كلمة هـَور تعني غيم ، ويجمعها مع المياه صفة مشتركة ، فالغيوم مياه والهور مياه، لذلك ربط الانسان الكردي الاثنين بتسمية واحدة. وباعتبار ان المطر خير، اضافة الى صفات مشتركة اخرى مثل البياض المشترك بين الغيوم والمياه ، فالمسطحات المائية تبدو من بعيد او من المرتفعات الجبلية مثل الغيوم ، وربما لهذا لانجد للاهوار استعمالات مشابهة في اللغة العربية ، وسماها العرب البطائح، اما فيما بعد وخلال تطور التاريخ المشترك للعرب والاكراد في العراق ، فقد اختلطت القبائل العربية القادمة من غرب العراق مع سكان العراق القدماء ، واصبحت اللغة الاكدية هي السائدة بعد زوال اللغة السومرية في مناطق وسط وجنوب العراق، بينما ظلت السومرية تأخذ اشكالا اخرى لدى القبائل الكردية المنتشرة في كردستان.
ولان الشعب الكردي من سكان الجبال ، وتمتاز الكثير من قبائله ببياض البشرة و حمرتها ، لذلك بقي هذا اللون والشكل لدى بعض سكان الاهوار في العراق ، ولدى الاكراد الفيلية قبائل اسمها السورميري ، و كلمة( سورمي ري ) مكونة من سور : احمر ، مي : شعر ، ري : وجه ، وهم مازالوا الى اليوم يسكنون مناطق واسعة تمتد من الكوت الى السليمانية وكركوك. ولكنهم تشتتوا بعد الفتح الاسلامي ولاحقا بسبب التهجير والتعريب وغير ذلك. علما ان مناطق الاكراد الفيلية كانت تمتد على طول جبل حمرين الى عبادان جنوبا، وبالمناسبة فان تسمية حمرين تعريب للكلمة الكردية سور اي احمر ، وهي نفس الكلمة في سورمي ري .
وارجح ان اطلاق تسمية السومري على شعوب وسط وجنوب العراق بسبب البياض وحمرة البشرة ، التي عرفت بها قبائل السورميري .وهي من باب اطلاق اسم الجزء على الكل ، فغلب اسم السومري على شعوب وسط وجنوب العراق.
واود ان اضرب مثلا على التغيير الذي تعرضت له الاسماء الكردية ، بسبب نقلها من اللغات الاوربية الى اللغة العربية، فقد كان اغلب المنقبين والباحثين في الاثار في العراق من الاجانب مثل الالمان والانجليز والفرنسيين، فعلى سبيل المثال نقرأ عن الترجمة الالمانية ماكتب من نقوش :
( لتبق نينماخ Nin- mah الى الابد الملكة السامية، ولتشهد باكبار وسرور أعمالي الجليلة )
وكذلك :
أنا نبوخذ نصر ، ملك بابل ...
لـ ( نينماخ ) ، للاميرة ، للجليلة
شيدت المعبد في بابل
وبسور ضخم من قار الارض والحجر
سورت المعبد ن باكداس التراب النقي
ملأت داخله
نينماخ ايتها الام الرؤوم
انظري بفرح
لتكن اوامرك رحمة لي
انشري ذريتي
مدي سلالتي احفظي مافي ارحام سلالتي
باركي الميلاد.....) ينظر صفحة 134 من كتاب معابد بابل ولورسبا ، تاليف
الاثاري الالماني روبرت كولديفاي ، ترجمة نوال خورشيد سعيد ، بغداد 1985 .
والملاحظ هنا ان الملكة التي يتوجه اليها نبوخذنصر هي نين ماه Nin-mah كما كتبها المترجم الالماني بالحروف اللاتينية، ولكن لان المترجمة أخضعت الاسم الى المنطق اللغوي الالماني،حولته الى نين ماخ فاضاعت بذلك فرصة تفسير الاسم استنادا الى اللغة الكردية ، لان قراءة الاسم استنادا الىاللغة الكردية يكون معناه كالاتي : نين = ننه = الام الكبيرة – الجدة - في الكردية والفارسية ، ماه = القمر . وبهذا يكون معناه الام الكبيرة - الجدة - = القمر او الالهة القمر .
وهي التي يتوجه اليها نبوخذ نصر بالدعاء .
ويجدر بنا ان نذكر ان تتابع الموجات السامية على وسط وجنوب العراق قبل الاسلام ، ومجئ القبائل العربية بعد الفتح الاسلامي ، جعل الغلبة للاكدية ومن ثم للعربية لغة وقوما في وسط وجنوب العراق وانحسر وجود الكرد الفيلية وتراجع الى الجبال والمناطق المحاذية لها مثل مدن خانقين وعلى الغربي وزرباطية .
اما ما اشاعه نظام صدام حسين من ان سكان الاهوار جاءوا من الهند ، فهو خلط لاوراق التاريخ من اجل اهداف سياسية ، يروم النظام بواسطتها الاجهاز على العراقيين ، والتخلص منهم ، وهي التهم التي توجه للكرد الفيليين ايضا ، واتهامهم بانهم ايرانيين ، من اجل ابادتهم وتهجيرهم، ولكن هذا لايعني عدم وجود هجرات من الهند الى جنوب العراق ،
فالعلاقات قديمة بين وادي السند والعراق ، وهناك تشابه كبير بين حضارة وادي السند وحضارة وادي الرافدين. وهذا لاينفي عروبة شعب الاهوار ، الذي استعاد اهواره بعد نضال عنيد.