جواز سفر عراقي دون حق التصويت : ما أهميته ؟
الدكتور طالب مراد - القاهرة
talibelam@hotmail.com
موسوعة صوت العراق، 11/12/2004
عندما كان صدام يقول أنه رئيس منتخب بأصوات الغالبية العظمى من الشعب العراقي فإنه للأسف لم يكن يكذب ، فقد قاسى العراقيون ظلماً مركباً عندما كان النظام البائد يجبرهم على الذهاب للمقار الانتخابية و الإدلاء بأصواتهم لصالحه ، وقف الخوف من بطش النظام كدافع أكبر وراء المشاركة ( الطوعية شكلا ، القسرية في الجوهر ) في هذه الفعاليات السياسية كالانتخابات و الاستفتاءات على ولاية الديكتاتور المخلوع ، و تفنن النظام أثناء التسعينات في استخدام وسائل أخرى غير العنف و العامل النفسي ، و منها ربط التصويت بالحصول على المخصصات الغذائية في زمن الحصار الجائر على الشعب العراقي ، كان الشعب يشارك مُجبراً في تزوير إرادته أمام العالم الخارجي ، أما الآن فقد تحرر العراقيون من قبضة صدام و تحسنت لحد ما أوضاعهم الاقتصادية ، و سوف يصوتون لمن يرفع من مستوى معيشتهم الاقتصادي و الاجتماعي و سيختارون من يعزز تمتعهم بحقوقهم السياسية و المدنية ، و الفرصة سانحة الآن لدحض مقولة طالما رددها الكثيرون بأن الشعب العراقي كان يستحق الحكم المتسلط ، الفرصة سانحة لنثبت للعالم أن هذا الشعب يستطيع أن يحكم عبر نظام ديموقراطي تشاركي.
و لكن لا تأتي الرياح دوما بما تشتهي السفن فقد شاب الإعداد لعملية تصويت عراقيي الخارج بعض العراقيل و الأخطاء ، و ربما لا زال هناك فرصة لتدارك هذه الأخطاء كيلا يحرم نحو ثلاثة ملايين و نصف المليون عراقي – حسب تقديرات سابقة للأمم المتحدة من حقهم في اختيار من يديرون دفة بلادهم لمستقبل و غد جديد ، و حاول القائمون على العملية الانتخابية الأخذ في الاعتبار هذا العدد الكبير و توفير آلية مناسبة لتصويت هؤلاء خاصة في بلدان المهجر التي شكلت لعقود نقاط جذب للمهجرين و المهاجرين العراقيين ، و نقترح أن تبادر المفوضية بوضع ورقة عمل تحدد فيها مسار الهجرات العراقية على مدار أكثر من ثلاث عقود ، و هل استمر العراقيون في بلد الملاذ الأول أم انتقلوا منه و هاجروا لاحقا لبلاد أخرى ، فمثلاً في بداية السبعينات بدأ التسفير لعدد كبير من الأكراد الفيلية عبر إيران أو إليها ، و في نهاية السبعينات كانت موجات الهجرة و التهجير التعسفي لعدد كبير من الشيوعيين و التقدميين عبر سوريا ، و في أوائل الثمانينات كان الهروب الكبير للعراقيين الشيعة من أعضاء حزب الدعوة أو ممن لهم أي صلة أو تعاطف بهذا الحزب أو أي من منتسبيه إلى إيران أيضا ، كما تواصل في الوقت ذاته تهجير الآلاف من الأكراد الفيلية طوال الثمانينات و هرب عدد كبير من الكرد و الآشوريين و المعارضون للنظام و المنشقون عنه عبر تركيا و سوريا و الأردن و منها إلى أوربا ، و حتى السعودية كان بها طرق للهروب من بطش صدام بانتفاضة آذار
91 في الجنوب، كما انتقل بعض العراقيين في التسعينات للعمل في المدارس أو الجامعات الجزائرية و الليبية ، سواء قادمين من العراق مباشرة أو من بعض دول أوربا خاصة أوربا الشرقية لتحسين أوضاعهم المعيشية و لازال كثيرون منهم متواجدين للآن، و مع ذلك فلا يوجد في ليبيا أو الجزائر أو المغرب أو مصر مركز انتخابي يسمح للعراقيين بالتصويت ، و الأدهى أن قارة أفريقيا كلها و عدد دولها يصل لنحو
57 دولة لا يوجد بها أي مركز انتخابي للعراقيين ، رغم أن خلال تنقلي لأكثر من
3 عقود بين دول هذه القارة الفتية وجدت عراقيين في بلاد لم أكن أتصور أن بها مواطنين أجانب من أي دولة أخرى ناهيك عن العراق، و علها واحدة من مكارم صدام أن أصبح في كل دولة بالعالم عراقي مهجر أو مهاجر أو هارب من بطش النظام و سوء أحوال البلاد الاقتصادية .
بهذا الشكل يكون بوسع اللجنة تقدير أهمية وجود مراكز اقتراع للعراقيين في دول بعينها و بالأخص دول تركز فيها العراقيون أو سهل عليهم الوصول لها يوم الاقتراع كأن تكون لتلك الدولة حدود مع دول أخرى يكثر بها العراقيون أو تكون هذه الدولة تسمح بتيسيرات لدخول العراقيين بها و لو أثناء فترة التصويت ، و بهذا يصبح هناك أكثر من معيار يجب أخذه في الاعتبار عند اختيار الدول التي يُُوصى بقيام مراكز تصويت بها ، و لا يكون معيار تواجد و إقامة العراقيين بها وحده المحدد لاختيار هذه الدولة دون غيرها كمركز لتصويت عراقيي الخارج .
و مما أدهشني أن تُخصص الحكومة العراقية الحالية مبلغ 92 مليون دولار لمنظمة الهجرة الدولية
I O M لتنظيم تصويت عراقيي الخارج ، و بالطبع هذا الرقم الضخم كان قد عُرض ثلثه فقط في البداية و زيد بناء على طلب المنظمة ، و رغم أن عدد الدول التي سيتواجد بها المراكز الانتخابية حسب ما أعانت تلك المنظمة لا يربو عن
12 دولة فقط ، و رغم أن هناك مواطنين عراقيين مقيمين بأوربا بوسعهم التصويت في أي دولة مجاورة لهم باعتبار أن عبور حدود دولة لأخرى أمر ميسر داخل أوربا و لكنه بالطبع أمر مكلف من الناحية المادية و العملية ، لكن الأمر يزداد بالنسبة للعديد من العراقيين في دول آسيوية و أفريقية ، فلا يعقل أن يسافر عراقي متواجد في دولة آسيوية للأردن حتى يقترع ، و لا من المقبول أن يحرم آلاف العراقيين بأفريقيا كلها من حق الاقتراع ، و قد حصلت مؤخراً على جواز سفر عراقي من سفارة العراق بالقاهرة بعد حرماني منه لمدة ثلاثين عاماً ، و أعلم أنني قد لا أستفيد منه كثيراً و بالأخص هذه الأيام و لن أستخدمه في شيء إلا للتصويت في الانتخابات القادمة ، إلا أنه للأسف لا يوجد بالقاهرة ( و هي مركز إقليمي و عالمي ) مقر تصويت واحد مما أصابني و غيري من العراقيين بالقاهرة بخيبة أمل حقيقية .
و يحدوني الأمل أن يستطيع المفوضية العليا المشرفة على الانتخابات أن تجد مخرجا بتحديد ثلاث أو أربع مقار انتخابية للعراقيين في قارة أفريقيا و ضعفها في قارة آسيا ، و لتكن أحد هذه المقار في القاهرة حيث يتواجد مركز إقليمي لمنظمة الهجرة العالمية نفسها ، و لوجد نحو
3 آلاف عراقي بها حسب تكهنات السفارة العراقية بها .
لماذا يهتم بعض العراقيين بمصلحة الـ I O M أكثر من اهتمامهم بالعراق ؟
و أتمنى ألا يعول العراقيون فقط على آراء منظمات دولية في مدى إمكانية زيادة عدد مقار التصويت للعراقيين بالخارج ، فليس ما تصرح به هذه المنظمات الدولية كلاما قدسياً ، إنها مجرد وكالات يُناط بها تنفيذ مهمة معينة بالنيابة عن الأمم المتحدة ، و في حالة العراق فالأمر كله عبارة عن إشراف من الأمم المتحدة على مسار العملية الانتخابية و لكن التنفيذ الفعلي لمهمة " الإشراف " تلك يتم عن طريق هذه الوكالة المتخصصة ( منظمة الهجرة الدولية ) حيث قامت بعمل مشابه في بلدين سابقا ، و فقد تم اختيار المنظمة ذاته، و المتوقع أن تستمع للعراقيين قبل أن تملي عليهم ما تريد هي من مخططات عمل ، فعندما يطالب الحكومة العراقية بتمكين عراقيي الخارج من التصويت يجب أن يكون ذلك قرارا حكوميا سياديا و يُطلب من المنظمة الدولية توفير السبل لتحقيقه ، فالأمم المتحدة و وكالاتها المتخصصة هي المنوط بها خدمة مصالح الدول الأعضاء و من بينها العراق ، و المدهش أن هناك نحو
200 مكتب لـ" منظمة الهجرة الدولية " حول العالم و بها العديد من الموظفين ،
و كل ما ستقوم به لو رغبت في افتتاح مقر تصويت في أي من البلاد التي بها مكاتب لها
هو أن ترفع لافتة بذلك و تخرج من مخازنها الصناديق المطلوبة للتصويت و تطلب من
الحكومة العراقية أسماء من يحق لهم التصويت ثم يأتي هؤلاء يوم الانتخابات للإدلاء
بأصواتهم التي تفرز لاحقا .... و دُمتم .. ، كل هذا العملية لن تستغرق الكثير ، لا
من الوقت و لا الجهد و بالطبع لن تتطلب الكثير من المبلغ المرصود لهذه العملية ، و
لا يجب أن ننسى أن هذه المنظمة سوف تحصل على نسبة عالية من قيمة المبلغ ( 93
مليون دولار) كنفقات إدارية للعملية ندفعها من ميزانية العراق الجديد و من مقدرات
أطفالنا و أجيال الغد لمنظمة دولية نحن أعضاء بها لكي تحقق لنا ما نريد ، و من ثم
يحق للعراقيين مطالبة المنظمة بزيادة عدد المقار التصويتية و تحديد أماكن هذه
المقار ، و لا يجب على العراقيين أن يحملوا هم أو شاغل الـ I O M و كيف أنها ستتعب و تتصبب عرقاً عندما تزيد عدد مقار التصويت ، فلا أحد يمن علينا بشيء بل العملية كلها تعاقد بتراضي الطرفين ، و نحن العراقيين سندفع مقابل ما نحصل عليه من خدمة و نحن من نحدد مطالبنا ، كما أن الحقيقة أن هذه المنظمة لن تتحرك من مكانها أصلاً ، بل سيأتي العراقيون لها في وسائل النقل المختلفة و حتى سيراً على الأقدام للإدلاء بأصواتهم فلن يخرج موظفوها لحث العراقيين على التصويت و لن يذهب أحدهم لمنازل عراقيي المهجر لأخذ أصواتهم لصالح فلان أو علان .
ما دفعني لهذا التوضيح بخصوص لعمل هذه المنظمة هو سؤ فهم الكثير من العراقيين لطبيعة عملها بل و أحيانا تصورهم أن الأمر تفضل من هذه الجهة أو تلك و أن علينا ألا نجادل فيما يقدمون لنا ، و قد أوضحت ذلك الفهم المغلوط في مداخلة لي بقناة الفيحاء قبل أسبوع مع أحد المشرفين على المفوضية العليا لشئون الانتخابات ، و لا يفوتني أن أثني على الصراحة و الجدية التي تتعامل بها هذه القناة في ملف الانتخابات ، فعندما طالبت بزيادة عدد مقار التصويت لعراقيي الخارج فوجئت برده أن الأمر سيكون مُرهِقا للجنة المشرفة على العملية بالخارج و مكلفاً أكثر من الناحية المالية ، و أنه " حصل على تعهد منها إذا زاد المبلغ المدفوع لها عما أُنفق فإنها ستعيد البقية للحكومة العراقية " ، من ناحيتي أستعبد تماما مسألة عودة ما يتبقى و لا أرى لها داعٍ طالما أن الهدف هو تمكين كل عراقي بالخارج من التصويت ، و ليس الحصول على فائض من مبلغ دُفع بالفعل ، و أكرر مرة أخرى أن مطالب العراقيين يجب أن تؤخذ في الاعتبار و لا أحد يعطينا شيئا من جيبه بل نحن من يدفع مقابل الحصول على خدمة و كل دور الـ
I O M بعد تكليفها بذلك من قبل الأمم المتحدة هو القيام بهذه الخدمة ،على أن يتم بشفافية ، و بتعاون تام مع الجهات المعنية ، و قد تحدث كثيرون في أكثر من محفل مطالبين بزيادة أعداد مراكز التصويت بالخارج و أملنا في القائمين على المفوضية أن يجتهدوا فيما تبقى من وقت و وفق ما أوضحنا لتحقيق هذا المطلب .
أخيراً يبدو لكثير من العراقيين أن الانتخابات القادمة ستتحقق فيها نزاهة كبيرة بالنظر إلى أن منظمة دولية سوف تُشرف على هذه الانتخابات ، لكن هذا القول يحتاج منهم لكثير من الجهد العملي ليصبح حقيقة فليس بالأماني وحدها تتحقق الغايات.
أعلم جيداً أن صوتي قد لا يغير كثيراً في ميزان الانتخابات لكنه في النهاية حق قد حرمت منه لثلاثين عاماً ، و من الضروري أن أستعيده عل ذلك يخفف عن ، المواطن الكامل الأهلية عندي هو المتمتع بحقوقه السياسية و المدنية و أهمها حق التصويت و أنا الآن أريد حقي ، فأين حقي ؟