استمرار هجرة الايزدية من العراق الاسباب والنتائج
خضر دوملي ـ دهوك
dasin.org
موسوعة صوت العراق، 18/12/2004
تتركز مشاكل الهجرة بالنسبة للاقليات من اهم المشاكل التي تؤثرفي المسار العام لحياتهم لانها التهديد المباشر لبقائهم والحفاظ
على موروثهم الشعبي الاجتماعي الذي يتضمن الاعراف التي يتميز بها المجتمع .
والايزدية بأعتبارها احدى الاقليات التي عانت ولاتزال من مشاكل الهجرة من الموطن الاصلي لها في العراق بحثا عن الملاذ
الامن او موطن يرى فيه احترامه او على اقل تقدير لايحس فيه بالتمييز ، والاحصائيات التي تشير الى هجرة مئات الالاف منهم
من كوردستان تركيا وسوريا تبرز حجم المعاناة وكذلك تغير طبيعتهم بعد ترك وطنهم لانهم دخلوا في معترك جديد للحياة دعتهم
لترك ماضيهم الاليم ، الذين كانوا يتصورون ان العادات والتقاليد كانت السبب في تعرضهم للاضطهاد ولكنها لم تكن كذلك ابدا
لان الدوائر التي جعلت الايزدية تختار الهجرة قد رسمت لها هذا المشهد الماساوي في سبيل القضاء على الايزدية لانهم كانوا
يتخوفون من عودتهم بعد ان يقوى عودهم في بلاد المهجر ش أن المهاجرين في بلاد اخرى .
لذلك لاتزال هذه الجهات تعمل بهذا الاتجاه والدليل على ذلك هو ماصرح به احدى الشخصيات الايزدية المعروفة في تركيا انه
خلال عام 2004 فقط تركت اكثر من (250) فتاة الايزدية دينها لتنجرف مع تيار العولمة الذي لايرحم في القضاء على
المجتمعات المغلقة عندما ينفتح الباب لها وهي نسبة كبيرة قياسا الى نفوس الايزدية هناك . والايزدية في تركيا هي احدى
الاقليات التي عانت ولاتزال من هذه المحنة محنة الهجرة .
فأذا كان هذا حال الايزدية في تركيا لماذا بدء هذا الشيء يسير على الايزدية في العراق خاصة وانهم هناك يختلفون في الكثير
من الاشياء لكن استمرار الهجرة دليل على وجود اسباب ومكمنات تحفزهم على الهجرة او اصبحت دوافع لا يستطيعون الهرب
منها .
فالمتتبع لأحوال الايزدية في العراق بصورة عامة وفي اقليم كوردستان بصورة خاصة لابد انه سيجد فرقا كبيرا وتحسن ملحوظا
على حياتهم لكن يبقى هاجس الهجرة يرافقهم والخوف من عدم الاحسان اليهم او التمييز في التعامل معهم مزروع في نفسية
الشخص الايزدية مترسبة حتى اصبحت جزءا من كيانه لايستطيع احيانا او لايود الانفلات منه ، وامام هذه الحالات تراه يحين
الفرصة في اي وقت ليسلك سبيل الهجرة كدافع اولا وتفريغ شحنة واحساس بالنصر بأنه قد اوجد له منفذا اخر يعبر عما في
دواخله من انفعالات قد يصعب عليه اتباعها هناك .
المسألة نفسية اكثر مما هي اجتماعية لكن هناك اسباب اخرى تدفع بالايزدي الى الهجرة اصبحت تزداد في الاونة الاخيرة ،
صحيح ان اعداد الذين هاجروا من العراق خلال عام مضى اقل من الذي سبقه لكن بتغير الاحوال او الواقع السياسي للبلد
تبدوالهجرة غير منطقية في هذا الوقت .
لذلك من يبحث في الاسباب سيراها ليست بعيدة عن الواقع سيما ان العديد من الدول التي مرت بنفس تجربة العراق قد لاقى
الاقليات فيها ما يلاقونه الايزدية الان وفي نفس الوقت يمكن ان نلخص اسباب الهجرة الحالية للايزدية بأسباب سياسية واخرى
تتعلق بطبيعة المجتمع الايزدي الذي لا يستطيع التأقلم بسهولة فأزدياد عدد القتلى نتيجة عمليات الاضطهاد والارهاب الاعمى
والتي يتعرض لها الايزدية في العديد من المدن العراقية وخاصة الموصل دافع كبير للهجرة لأنها المدينة الوحيدة التي يحيط بها
الايزدية من ثلاث جهات ولم يكن الايزدية يحسون بالانصاف في هذه المدينة منذ مئات السنين ، فمقتل اكثر من (30) شخصا
خلال شهرين من الايزدية في الموصل ليس بالقليل سيما وان اكثرهم من العمال والكسبة . لم يكونوا مسؤولين او يعملون في
مراكز القرار السياسي لأي حزب ،وفي نفس الوقت طبيعة المجتمع الايزدي الذي يرفض الارهاب ويحاول ان يفر بجلده م نها
دافع اخر لترك المدينة .
لقد كانت اعداد الايزدية مع تشكيل وحدات الجيش العراقي الجديد وجهاز الشرطة الذين
انتموا اليه اعداد كبيرة ولكن بعد موجة الارهاب ـ المنظمة ـ اي التي استهدفتهم فقط في بعض المناطق ترك الكثيرون هذا العمل واصبحوا يبحثون عن لقمة العيش
وعندما صعب الحصول عليها بعد ان اصبح العامل الايزدي ايضا يشعر بأنه مهدد في كل الاوقات لن تكون سوى الهجرة مطلبه
.
واستنادا الى هذه الوقائع اشار احد الايزدية من الذين اعادتهم السلطات التركية الى
العراق انه قضى شهرين في اسطنبول وشاهد مرور اكثر من 50 شخص الى اوربا خلال
اسبوعين وكان يوجد في المنطقة القريبة منه اكثر من (300) شخص بعضهم مضى
عليهم اكثرمن سنة هناك والبعض منذ شهور . وبعملية حسابية بسيطة نشعر بحجم المعاناة . واذا كانت هذه الحصيلة للايزدية من
الذين يعيشون في ظل حكومة الاقليم وبقية الناطق المحررة لابد ان نورد بعض الاسباب الاخرى .
فمع تحرير العراق شعر الايزدية شأنهم شأن بقية افراد الشعب العراقي ان كابوسا كبيرا قد ازيح من على كاهلهم ، ولابد انهم
سيعيشون حياة جديدة وتتوفر امامهم فرص جديدة للحياة .
لكن للاسف ظهرت معالم التمييز مرة اخرى وخاصة في مجال الحصول على الوظائف فأصبحت التأثيرات السياسية هي التي
تتحكم في ذلك ولم تكن شعارات الديمقراطية سوى كعكة زكية الرائحة من استندوا عليها . وهذه الحالة خلقت موجة جديدة اخرى
للهجرة هذه المرة للكفاءات مع انه كان يفترض العكس اي عودة الكفاءات الايزدية من خارج العراق للمساهمة في تطوير
وتحديث المجتمع الايزدي .
مع غرق مجموعة كبيرة من شبان الايزدية في نهر دجلة قرب زاخو تواجدت في موقع الحدث في اليوم التالي وشاهدت اعداد
الايزدية الذين يأتون للعمل في اقليم كوردستان ، وقبل ان نعود الى تكملة هذه الواقعة اود ان اشير ان اعداد الايزدية من ابناء
شنكال فقط من الذين يعملون في مدن الاقليم الثلاث حسب الاحصائيات الرسمية يتجاوز (3000) شخص حوالي الف منهم في
السليمانية واكثرمن الف وخمسمائة في دهوك . وبعد الاستفسار عن الاسباب والمعالجة تجمعت مجموعة كانت تود العبور الى
الجانب الاقليم . فقال احد العمل كان ثلاث من اصدقائه قد جرفتهم مياه النهر : اذا لم يستطيعوا معاقبة المقصر وهم يرونه ولم
يأتوا جهدا في البحث عن جثثهم اليس من العيب ان نعمل معهم -- آه ربي كم انت كبير متى استطيع الخلاص من بين انياب هذه
الاناس -- انتهى حديثه بعد ان ذرف دمعة حزنية ، وبعد برهة من الوقت دخلت معه في حديث ، ولم يستطيع ان يقول شيء
سوى علينا جميعا ان نترك هذا الوطن المشؤم ، قد تبدوهذه نتيجة طبيعية وانفعال للحظة الحدث لكن هناك حالات اخرى كثيرة
تدخل في هذا الحيز وخاصة في مجال الحصول على الوظائف فطبيعة الفرد الايزدي دائما ترفض الخنوع عندما يكون واعيا لما
حوله لذلك ترى العشرات من هؤلاء بدلا من السعي في الحصول على الوظيفة يودون مغادرة الوطن والتوبة في العودة اليه
عندما يرون اناس اقل منهم كفاءة يتبوؤن مناصب عليا في الدوائر عن طريق المحسوبية والتوجهات والانتماءات .. ان الأسى لم
يكن يجد له طريقا الى شخصية الايزدي الذي تحمل مئات سنين من الظلم بسبب عيشه وسط دائرة تحيط به ترفض ان تتعامل
معه بأنسانية فكيف ببعض الترهات والتميزات تخلق هذا الانعطاف ، انه سؤال بحاجة الى تدقيق وتأويلات عدة ، من جانب اخر
هذه الحالة اذا ما استمرت تترك ورائها نتائج جدا وخيمة سيتحمل المجتمع الايزدي تبعاته لفترة اخرى لا يستطيع الانفكاك مما
يحيط به من شعور بالغبن وعدم التعامل معه بجدية وروح الحوار المدني الذي بدء يشيع في العالم ، كما ان احدى اهم النتائج
المترتبة ترك الساحة لأصحاب المصالح الضيقة والانتماءات الانية وهؤلاء لايفكرون بالمصلحة العامة بقدر تفكيرهم بالمصلحة
الشخصية اينما كانوا . اما الجانب الاخر والمحزن في الموضوع هو سكوت المعنيين من الذين يستطيعون تغير المسار بتصريح
معين او تحديد المقصرين في التعامل بأنصاف مع الايزدية ، قد يقول قائل لا يوجد شيء من هذا القبيل ، نعم على السطح لا
وجود له ، لكن بتمعن دقيق تراه مترسبا في نفسية العديد من الذين يتبوؤن المراكز ويتحكمون بالقرارات في المناطق التي تحيط
بالايزدية .
وتبقى هناك نتائج اخرى اكثر اهمية سيتحملها المجتمع الايزدي لفترة ليست قصيرة وهي بقاءه مهمشا لا يستطيع ان يقرر ممثل
له في برلمان او من ينوب عن في ديوان الاديان او من يتولى امرا من اموره في الوزارات والمديريات الا وفق اهواء من
يرشحهم . نعم ان الطريقة المتبعة هي الاسلم اذا ربطناها بالدلائل والاسس المتبعةفي الاختيار ، لكن هؤلاء لم يصلوا الى تلك
المناصب حسب الكفاءات بقدر الولاءات ، واذا كنا لا نريد ذكر اشخاص معينين او تحديد جهة فليس هدفنا ذلك بقدر التوجه في
مجال التفات الايزدية الى انفسهم قبل ان يصبحوا لقمة سائغة او اوراقا في لعبة الديمقراطية التي لا ترحم من لا يعرف كيف
يلعب فيها بقدميه ورجليه ولسانه وقبل كل ذلك حسب امكاناته .
ان المجتمع الايزدي بأستمرار هجرة شبابه رغم استفادته المادية المؤقتة يدفع ثمنا كبيرا لا تظهر نتائجه في الوقت الحاضر ،
وعلى من يعتبرون انفسهم ولاة او مسؤلين او رعاة الاهتمام بهذا الجانب الخطير وفتح صفحات جديدة بدل صفحة واحدة في
ايجاد العلاج وتغير اسس التعامل من خلال استطلاع رأيه على اقل تقدير او محاولة الدخول في عالم المصالح بعقل واعي
ومتفتح يأخذ بنظر الاعتبار امور عدة واهمها انه بأستطاعة المجتمع الايزدي التكييف مع المتغيرات الحياتية لأنه مجتمع مفتوح
اجنماعيا ويمكن توسيع الفجوة في المجال الديني ايضا كي يمشي دون ان يكون قد فقد طرفي العصا في اللعبة السحرية التي
تحيط به بسبب ارتباطه بهذا الدين منذ مئات السنين .