ايها العراقيين افصحوا عن وجعكم

زهير كاظم عبود
موسوعة صوت العراق،
23/12/2004

الحرقة التي نلمسها في أرواح ووجع اهل العراق حين يبثون شكاواهم الى بعض الكوات العبقة من الفضائيات والصحف والشخصيات التي تسمح للمظلوم أن يتحدث بحرية عن وجعه ومأساته وماحصل له مع السلطة البائدة . الحرقة التي نتلمس شجونها ووجعها في أصوات العراقيات المكلومات والمفجوعات بأخوتهن وأولادهن وأزواجهن في زمن لم تعد للكلمة الحق ولاللحقيقة من مكان في أعلام العرب العاربة والمستعربة ، الأعلام العربي الذي تعود وأدمن ظلم وعبادة الطغاة والقتلة والسفاكين فلم يعد يستغني عنهم بالأضافة الى أحترام الدكتاتورية وتوقيرها . فقد شحت على العراقيين مجالات الحديث عن حقيقة ماصار في الزمن العراقي الهجين ، فقد عز عليهم أن يجدوا فضائية واحدة تسمح لوجعهم بأن يخرج للعالم ، وصوتهم أن يصل الى الناس ، فقد قمعتهم المؤسسات الأعلامية العربية والتي ساهمت بشكل غير مباشر في دفن حقيقتهم مع جثث اولادهم في المقابر الجماعية التي انكشفت او التي لم تستكشف بعد .
كنت أستمع الى أتصال هاتفي في برنامج قناة فضائية يديره الأعلامي العراقي الذي اثبت أنه ينتمي حقاً لهذا العراق ، وانه حقاً شرب من ماء البصرة وتربى على طيبتها ونهل من كرم وأخلاق أهلها ، الأعلامي البارع هشام الديوان حين كان في برنامج تبثه فضائية شبكة الأخبار العربية في لندن (
ANN ) ، لفت أنتباهي صوت فتاة عراقية اسمها (( إيمان )) يدل احتراق روحها واحتدام مشاعرها وجبال الحزن التي تتراكم فوق انفاسها وسعة الفجيعة التي لحقت بها ، مايجعل أقسى وأغلظ القلوب المتحجرة تحن اليها وتتعاطف معها .
وسمعت جزء يسير لم يكن يتسع زمن البرنامج اليها لتبث كل شكواها ، ويقيناً انها كانت ترفع يديها بالشكوى لله فلم يكن الطاغية قد سقط والى الأبد ، فلم يزل يتحدى اهل العراق .
وحين اكملت أتصالها لم اكن اعرف سوى أسمها وصوتها ووجعها الذي جعلني وكل من أستمع اليها في ذهول عما لاقته هذه الحرة العراقية المنكوبة والأصيلة في سجون صدام وما تحملته من أشباه الرجال في زمن الخصيان العربي .
لم يكن بوسعي الا وأنا اكتب لها رسالة تعبر عن أعتزازي بها نشرتها في موقع صوت العراق أعيد نشرها ضمن مادتي هذه تحت عنوان :

رسالة الى الأبنة العزيزة أيمان من السويد والتي أتصلت بقناة الأخبار العربية
ANN

هي محنة العراق التي غطت كل سماء العراق ، المحنة التي أكلت أكبادنا وفتت قلوبنا وشلت ضمائرنا وأنتهكت شرفنا .
هي غفلة الزمان أيتها الحرة ، حين تسلطت الثعالب والأفاعي تنفث فحيحها لتخيفنا ، وأنت ورفيقاتك تتوسدين تراب السجون وتهمتك العراق الذي يحل في أرواحنا .
هي غفلة الزمن العاهر حين يصير المخانيث قادة للعراق وتصبح الرجـال تحت التراب لانعرف أماكن قبورهم .
أيتها الموجوعة حد العظم ، يامن يسري صوتك في شرايين روحي ويغسلني بدموعي حين تتحدثين عن العراق ، كل العراق من الهور حتى الجبل .
تتحدثين عن الأكفان التي برقعنا بها بقايا الجثث ، هل يحق لنا أن نلثم بقايا العظام ؟
هل نتلمس ظفائر الصغير بعد أن نزيح التراب ؟ هل نرفع ماتبقى من سوائل ألتصقت بالتراب عن أجساد الشباب ؟
التراب العراقي الذي يعانقنا في أجواء الصيف وفي الشوارع المتربة والطرق الريفية التي لم تصلها الكهرباء ، التراب العراقي المعجون بالماء والتبن لسقف بيوتنا ، والتراب العراقي الذي يملأ أفواهنا ويلف أجسادنا ، والتراب العراقي الذي نتمناه مبللا بدمع عيون أمهاتنا المتبرقعات بالأسود منذ الأزل .
أي حزن يلف أرواحنا وأي فجيعة هشمت فرحنا وأي عزاء يليق بموتانا ؟
أيتها الحرة الطاهرة يامن تشرفت عيونك لتكون شاهداً على العصر الصدامي العاهر الذي أكل كل ماهو شريف وخير ومبدع في هذا الوطن الجميل ، أحكي لأخوتك المتطلعين الى كلماتك كل مشاهداتك في الزمن الصعب واللحظة الهمجية ، حين ترين الثعالب والأفاعي تتحدث بلهجة غير لهجة أهلنا وقيم غير قيم أهلنا وأخلاق غير أخلاق عراقنا ويقينا أنهم من تراب غير هذا التراب المقدس .
الحرقة التي تترسب داخل روحك هي حرقة كل عراقي ممتليء بحب الهور والجبل والصحراء العراقية والنخلة والمآذن والقباب الذهبية ، الحرقة التي تترسب داخل روحك وتفيض أحياناً ، أتلمسها في النفثات العطرة التي تقوليها بلغة العراقية الأصيلة المؤمنة الطاهرة الصامدة حين تتصلين بالعزيز الدكتور هشام الديوان في برنامجه الناجح .
أيتها الراية العراقية هل تستطيعين أن تكتبي مشاهداتك الأمينة لما لاقته أخياتنا وبناتنا وأمهاتنا من شذاذ الأفاق ومعدومي الخلق والضمير والشرف ؟ وفاقد الشيء لايعطيه .
نحن بحاجة لكلماتك العراقية العبقة كشاهد لزمن همجي لم تعد حتى الكلمات أن تستوعب ماحصل فيه وكنت أنت شاهداً من شهودة .
أكتبي دون تردد بأية لهجة تريدين وبأية صيغة تريدين فأنت النخلة العراقية التي نعتز بها ونتطلع اليها بفخر .
سيدتي أيمان أفتخر بأنتمائي اليك .

وبعد كل هذا يشاء الزمن الغريب أن نلتقي وجهاً لوجه وتحكي لي بوجع أكبر وتتحدث عن معلومات غاية في الأهمية والدقة وبحاجة للتوثيق والتسجيل لتستفد منها محكمة التحقيق الخاصة ومحكمة الجنيات الخاصة بالطاغية وأقطاب العهد البائد .
وحين تسمو إيمان مشني سلطان وتكبر يتضائل المتهمين ليرتموا تحت نعال إيمان يتوسدون اقدامها وهي تتباهى بعطائها للعراق من الشهداء والتضحيات الجسام .
وهي دعوة لكل العراقيين الذين لم تتسع لهم الفرصة ولاعرفوا الدرب الذي يوصلهم الى تسجيل شهاداتهم وشكاواهم ، وكلي ثقة من فائدة المعلومات التي سيدلي بها البعض في هذا المجال ، وكلي أستعداد لأيصال هذه الشهادات الى الجهة العراقية المتخصصة في هذا المجال خدمة للعراق .