الكورد الفيلية والانتخابات المقبلة إلى المشاركة الفعالة فيها
الدكتور مجيد جعفر
(majeed.jafar@maxima.se)
29/12/2004
1- مقدمة: شكّل الكورد الفيلية شريحة مهمة
وقديمة من مكونات سكان بغداد قبل إبعاد الكثير منهم بشكل جماعي وقسري إلى خارج
الحدود في حملات جرت في أوقات مختلفة آخرها، وأشدها قسوة وأوسعها شمولا، في بداية
الثمانينيات. حي ألأكراد ("عگد الأكراد" وليس عگد الفيلية أو عگد الأكراد الفيلية)
سَكَنَهُ ولازال يسكنه الكورد الفيلية منذ القدم (لذا سمي بهذا الاسم) يقع بالقريب
من مرقد الشيخ عبد القادر ألكيلاني وهو حي (باب الشيخ) معروف في بغداد. كما إن
التجار من الكورد الفيلية كانوا معروفين خاصة في سوق ألشورجه، أكبر أسواق بغداد
لتجارة الجملة وكان يمثل قلب السوق العراقية ومركز اقتصادي عراقي مهم للغاية. إلا
أن عددهم ونفوذهم التجاري قد فُلَ بعد وبسبب حملات ألإبعاد الجماعية ألقسرية ألتي
بدأت عام 1980. قام نظام البعث ألصدامي بحجز شبيبتهم (المفقودين ألمجهولي
المصير لحد ألآن). كما مصادر ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ووثائقهم ألثبوتية
والدراسية وسندات الملكية العائدة لهم وأسقط جنسيتهم العراقية "بجرة قلم" وفي عملية
نهب وسرقة قامت بها دولة العراق بأجهزتها ألمختلفة وأنصار النظام السابق. وحصل نفس
الأمر للكورد الفيلية في مدن العراق الوسطى والجنوبية. جرى كل ذلك بحجة أنهم من
"تبعية إيرانية" في حين يطلق عليهم الإيرانيين اسم "عرباها" (أي "العرب") وأعطتهم
حقوقا وحريات ومجالات كسب عيش مقيدة للغاية (الكل يتذكر ما كان يجري في سوق مروي في
طهران ضد الباعة من الكورد الفيلية). كما لم يحصلوا على مساعدات أو دعم من قبل
الأحزاب العراقية (الدينية وغير الدينية) المتواجدة في طهران وبقية أنحاء إيران
بالمقارنة مع بقية العراقيين المبعدين إلى هناك (عدا تعيينها لعدد ضئيل منهم كسواق
سيارات وحراس) بالرغم من تطوع الآلاف منهم لمحاربة نظام البعث ألصدامي واستشهاد
العديد منهم في جبهات القتال. هذه الأوضاع وظروف الحرب العراقية-الإيرانية اضطر
عشرات ألآلاف من الكورد الفيلية لترك الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمختلف الوسائل
القانونية وغير القانونية، من الرشاوى والى المهربين، في محاولات (قسم منها يائسة)
للوصول إلى بلدان غير إسلامية تحميهم ويتمتعون فيها بالحرية والمعاملة الإنسانية
نسبيا ويستطيعون فيها من الحصول على لقمة العيش أو مساعدات من دولها ، مثل السويد
والدانمرك وهولندا وانكلترا وغيرها من دول أوربا الغربية واستراليا وكندا والولايات
المتحدة الأمريكية. وفي محاولاتهم اليائسة لترك إيران، ومع الأسف الشديد، أصبحت
إعدادا من هؤلاء الكورد الفيلية فريسة للجشعين من موظفي الدولة في الجمهورية
الإسلامية الإيرانية والمهربين، من إيرانيين وعراقيين وعرب وغيرهم، أكثرها ألما
وبشاعة ما حصل للكورد الفيلية (وغيرهم) الذين كانوا في طريقهم إلى استراليا على متن
باخرة قديمة لا تصلح للملاحة والتي أصبحت الغالبية العظمى من ركابها (من الأطفال
والنساء والرجال) طعاما لأسماك القرش – الكواسج – حين انقلبت الباخرة خارج الحدود
الاندونيسية (المسئولان الرئيسيان عن هذه الفاجعة الإنسانية كانا شخصان، احدهما
عراقي والآخر مصري). لا زال هؤلاء المبعدون، لحد ألان ومنذ 1980، في "أحوال
مأساوية" (السيد محمد الطائي، فضائية الفيحاء، 27/12/2004 الساعة 18:30) والكثير منهم "يقيمون" في معسكرات لحد ألآن (مثل "جهرم" على
سبيل المثال).
2- تحرير العراق:
إستبشر الكورد الفيلية خيرا بسقوط النظام السابق، كلهم آمال بان النظام الجديد
سيعيد إليهم حقوقهم التي سُلِبَت منهم، خاصة في أعقاب صدور قرار بريمر بإلغاء
القانون الصادر عن مجلس قيادة الثورة الزائل (رقم 666 لعام 1980)
وتأكيد الإلغاء بقرار من مجلس الحكم المؤقت وأخيرا من قبل الحكومة المؤقتة (26/11/2004) وصدور قانون الأملاك
المتنازع عليها (الذي هو بحد ذاته وباسمه إنكار لحقوق الكورد الفيلية المشروعة في استعادة ممتلكاتهم التي سرقتها منهم دولة
عراق ثم وزَّعت الكثير منها على عملاء الأمن والمخابرات وعلى مرتزقة وأزلام النظام أو باعتها بأسعار بخسة إلى كبار
وصغار أنصارها المفضلون وخاصة تلك الواقعة في مناطق "راقية" أو ذات أثمان عالية وباعت البقية، خاصة في المناطق
الشعبية، بأسعار رخيصة جدا.
إلا أن الغريب هو أن هذه القرارات بقيت لحد ألآن بدون تنفيذ لأسباب "غامضة" ولكن من الممكن استنتاجها واستقصائها من
الشواهد والممارسات المتوفرة. هناك عدم جدية في تنفيذ قرار إلغاء القانون رقم 666 لعام
1980 وحل قضية الأملاك المسروقة
من قبل دولة العراق لأن مثل هذا التنفيذ سيؤثر على المصالح الاقتصادية (والسياسية) لفئات ذات تأثير ملموس لحد الآن. الذين
استولوا على الممتلكات المنقولة وغير المنقولة المسروقة من الكورد الفيلية والذين اشتروها من الدولة بأسعار بخسة لا مصلحة
لهم في إعادتها إلى أصحابها الشرعيين، بل على العكس، قد تتضرر مصالحهم من مثل هذه الإعادة إذا أخذت عوامل السوق
والأسعار بنظر الاعتبار. أما إعادة الجنسية العراقية إلى الكورد الفيلية المبعدين قسرا والذين يقدر عددهم بمئات ألآلف (أكثر من
نصف مليون) فسيؤثر لحد ما على موازين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي تراه بعض القوى والفئات في
غير صالحها وربما حتى ضد مصالحها السياسية، خاصة وان الانتخابات العامة على الأبواب، بسبب عدم تأكدها من الولاء
السياسي للكورد الفيلية. لم يلاحظ الكورد الفيلية مواقف عملية (وليس فقط كلمات التعاطف والتضامن) لا من القوى السياسية
الإسلامية ولا من القوى السياسية العلمانية غير الكوردستانية لرفع الظلم عنهم واستعادة حقوقهم المسروقة منهم. هناك الكثير من
القرارات الصادرة عن قوى المعارضة العراقية، خاصة قرارات مؤتمر لندن، حول إعادة حقوق الكورد الفيلية وتعويضهم عما
لحق بهم من أضرار وخسائر. (راجع الفقرة 6 أدناه).
3- موقع الكورد الفيلية في الحركة التحررية
الكوردستانية: تسنم الكورد الفيلية مراكز مسؤولية بارزة جدا في الحركة
السياسية الكوردستانية في عهد القائد التاريخي الكبير مصطفى البارزاني خاصة خلال
فترة 1970-1975 (تحديا لحملات ألأبعاد
الكبيرة للكورد الفيلية من قبل النظام السابق خلال تلك الفترة) من بينها رئاسة اتحاد طلبة كوردستان ورئاسة اتحاد نساء
كوردستان ونائب رئاسة اتحاد الشبيبة الديمقراطية الكردستاني ومنصب سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ويتسنم ألآن
العديد من الكورد الفيلية مراكز مسؤولية بارزة في تنظيمات الأحزاب الكوردستانية وفي حكومة إقليم كوردستان (إدارتي اربيل
والسليمانية) بمستوى الوزراء. كما أن سيدة كردية فيليه أصبحت عضوه في المجلس الوطني العراقي المؤقت بجهودها وبمساندة
قوى سياسية كوردستانية. كما تتضمن قوائم الأحزاب المنطوية تحت راية القائمة الانتخابية الكوردستانية الموحدة أسماء العديد
من الكورد الفيلية وخاصة من السيدات. إلا أننا لم نسمع لحد باسم أي كوردي فيلي تسنم أو يتسنم مركز مسؤولية في أي من
الأحزاب الدينية أو العلمانية باستثناء الحزب الشيوعي العراقي والمؤتمر الوطني العراقي (إلى ما قبل حوالي العام) في حين
تضم قياداتها أناس من قوميات أخرى غير الكوردية الفيلية.
4- الكورد الفيلية والقوى السياسية الكوردستانية والعراقية: أعطت الأحزاب الكوردستانية اهتماما بقضية الكورد الفيلية بدرجات
متفاوتة في أوقات مختلفة وأحيانا بمستوى لا يصل إلى مستوى موقفها من القضايا الأخرى لشعب كوردستان وللشعب الكوردي
في العراق، مثل التطهير العرقي والاستيطان (المخالف لكل القيم والتعاليم السماوية والقوانين الوضعية التي تحرم السرقة
والاستيلاء غير المشروع على ألأموال المسروقة من الناس الأبرياء – سواء كانت منقولة أو غير منقولة - من قبل الإفراد
والدولة) في مناطق عديدة من كوردستان العراق وبالنسبة للمهجرين قسرا من كركوك وخانقين وسنجار وغيرها أو بالنسبة
للأخوة الأيزيديين والشبك من الشعب الكوردي في كوردستان العراق (بالرغم من أن إبعاد الكورد الفيلية عنوة وقهرا وتهجير
سكان هذه الأماكن قسرا وسرقة ممتلكاتهم كانا فصلان من إستراتيجية شوفينية-عنصرية واحدة ترمي إلى إضعاف الكورد في
العراق سكانيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا واجتماعيا وثقافيا وبكل شكل آخر ممكن خاصة في المناطق الإستراتيجية مثل
كركوك وخانقين وبعض المناطق الكردستانية في محافظة الموصل، لاحتوائها على البترول، وبغداد وغيرها بسبب القوة
الاقتصادية للكورد الفيلية التي كانت تهيمن على السوق التجارية في مركز الدولة العراقية بغداد). والمعروف أن الأخوة
الأيزيديين والشبك حصلوا على مقاعد في المجلس الوطني المؤقت والحكومة المؤقتة بالجهود الفعالة للقوى السياسية
الكوردستانية. كما أن من المعروف أيضا أن الأخوة الأيزيديين والشبك قد تعرضوا لمحاولات التطهير العرقي من قبل النظام
السابق بإثارة الشكوك حول انتمائهم للقومية للكورد ومحاولة صهرهم قوميا في القومية العربية، في حين أن هذا النظام لم يقم
حتى بمحاولة إثارة الشكوك حول "كوردية" الكورد الفيلية.
كما يلاحظ الكورد الفيلية مواقف القوى السياسية الدينية تجاههم وتجاه شرائح من العراقيين العرب وغير العرب، مثل ألتركمان،
في أماكن مختلفة من العراق (ألتركمان في تلعفر وكركوك وغيرها والعرب الذين استوطنوا في بيوت وقرى الكورد المهجرين
قسرا في كركوك وخانقين وغيرها والتي سرقتها مع محتوياتها دولة العراق وأعطتها إليهم) ويقارنون الموقفين ويرون الفرق
الشاسع بين ألأقوال لصالح للكورد الفيلية والأفعال والمواقف الملموسة لصالح هؤلاء العرب وألتركمان وغيرهم. اهتمام هذه
القوى السياسية بالكورد الفيلية ظهر في ألآونة الأخيرة عن طريق إقامة منظمات واتحادات وضمها لقوائمها باقتراب الانتخابات
وأهمية أصوات الكورد الفيلية.
أما القوى العربية القومية العراقية، بغض النظر عن مدى تطرفهم القومي أو عدمه، فلا زالت لديها تجاه الكورد الفيلية نظرات
مبنية على إيديولوجية ومواقف النظام السابق (وعلى ممارسات دولة العراق التي ورثتها من عهد الحكم العثماني للعراق) والقائلة
أنهم "غرباء" و"ولائهم" ليس للعراق.
5- الصف الكوردي ألفيلي: الملاحظ، مع الأسف الشديد، أن وحدة صفوف ووحدة خطاب ومواقف الكورد الفيلية حول قضاياهم
الجوهرية والمصيرية، رغم المآسي والويلات ألتي ألمّت بهم، لا زالت ضعيفة أو مفقودة. ومع أن التعددية هي ظاهرة ديمقراطية
صحية، إلا أن التشتت في الأوقات العصيبة أو المصيرية ظاهرة مؤذية ومضرة بالجميع. هذا الواقع نتج لأسباب عديدة ينبع قسم
منها من داخل صفوفهم وقسم آخر من تأثيرات خارجية. ألانتشار والتوزع الجغرافي الواسع بعد عمليات الإبعاد ألقسرية والتنوع
الفكري وتغاير المصالح عوامل داخلية تؤدي إلى صعوبات في وجه محاولات وجهود رص الصفوف وتوحيد الخطاب والمواقف
حول القضايا الجوهرية والمصيرية التي تشمل كل الكورد الفيلية وتؤثر عليهم جميعا سلبا أو إيجابا. تأثيرات القوى السياسية
داخل صفوف الكورد الفيلية عامل آخر لم يقلل من الصعوبات المشار إليها سابقا بل يزيدها أحيانا تعقيدا وتصعيدا بسبب المنافسة
الحزبية لكسب اكبر عدد منهم لصفوفها (خاصة بسبب قرب الانتخابات) وبسبب حاجة الكورد الفيلية أنفسهم لدعم ومساندة هذه
الأحزاب لضعفهم السياسي والتنظيمي والمالي والميداني. دخل العديد من الكورد الفيلية، نساء ورجالا، في القائمة الانتخابية
الكوردستانية الموحدة. ودخلت منظمتين كورديتين فيليتين في قائمتين انتخابيتين، إحداهما ألقائمة الشيعية والأخرى قائمة حزب
العدالة والتقدم الاجتماعي.
6- مصالح الكورد الفيلية: الواقع المشار إلية أعلاه مؤسف وأمر غير اعتيادي بالنسبة للكورد الفيلية لما حلّ بهم من ظلم وجور
واضطهاد ولو إن التعددية وتباين المصالح والمنافسة الحزبية لسكبهم هو من طبيعة العملية السياسية الديمقراطية في الظروف
"الاعتيادية". إلا إن الظروف التي يمر بها الكورد الفيلية هي ظروف غير اعتيادية جدا. المصالح الانتخابية للكورد الفيلية هي
مع القوى السياسية التي، أولا، تتضمن برامجها الانتخابية ضمانات حقيقية وإجراءات تنفيذية ملزمة للتأثير على العملية السياسية
لإعادة حقوق الكورد الفيلية الأساسية، وثانيا، تتضمن قوائمها عددا مناسبا من الكورد الفيلية، وثالثا، على المواقف التاريخية،
على مواقفها العملية من الكورد الفيلية في حقبة النظام السابق ومنذ تحرير العراق. الانتخابات الديمقراطية هي عملية أَخذُ وعطاء
وليست العملية مجرد أخذ من الكورد الفيلية (أصواتهم) دون إعطائهم شيء مقابل ذلك (حقوقهم المهدورة).
على الكورد الفيلية أن لا ينسوا إن العملية الانتخابية والمشاركة في التصويت لا تجري على أسس عاطفية لا صلة لها بالحقوق
والمكاسب والمصالح ولا على جمل وكلمات حلوة ومجردة تخلو من محتوى عملي وواقعي. يجري التصويت عادة في كل
الانتخابات الديمقراطية وفي جميع إنحاء العالم على أسس المصالح والمكاسب الآنية والمستقبلية للمصوتين فيها من قِبل القوائم
الانتخابية والمرشحين. لذا على الكورد الفيلية أن يسألوا أنفسهم قبل الإدلاء بأصواتهم لصالح أية قائمة انتخابية أو لأي مرشح:
هل البرامج الانتخابية لهذه القوائم وهؤلاء المرشحين تتضمن تبنيا حقيقيا ودفاعا في الواقع العملي عن مصالح الكورد الفيلية في
العودة واسترجاع حق المواطنة، وضمان هذا الحق، واستعادة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة والبحث عن مصائر شبيبتهم
المفقودين وتعويضهم عما لحق بهم من إضرار؟ وهل تؤكد تجارب الماضي البعيد والقريب صدقيه ومصداقية مواقف القوى
السياسية الداخلة في هذه القوائم تجاه الكورد الفيلية وحقوقهم ومصالحهم الأساسية ألآن وفي المستقبل؟ لقد سَمِع الكورد الفيلية
الكثير من الكلام الحلو وتعب منه بعضهم، لذا آن الأوان إن تقدم لهم القوى السياسية برامج انتخابية تتضمن أفعالا وإجراءات
وممارسات ملموسة بدل الكلام المجرد، مهما كان حاواً. وكلنا آمل إن لا يرضى الكورد الفيلية (والكورد والكوردستانيون بشكل
عام) إن يصبحوا مرة أخرى أكتافا يصعد عليها البعض ثم يهملهم أو يتناساهم أو حتى يحاربهم ويضربهم بمختلف الحجج بعد
الوصول إلى أهدافه وتحقيق مراميه، كما حصل في الماضي البعيد والقريب لمرات عديدة.
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه وهو مع َمَن تكمن مصالح الكورد الفيلية، آلآن وفي المستقبل؟ قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي
النظر إلى التاريخ وإلى الواقع الحالي. أولا، دولة العراق ومنذ إقامتها على الأسس السياسية للدولة العثمانية (التي كان يطلق
عليها في حينه "رجل أوربا المريض") ووضع قيادات أجهزتها الأساسية (القوت المسلحة وأجهزة الأمن والمخابرات والجهاز
الإداري) بيد الجالية العثمانية التي بقيت في العراق بمشاركة نخبة أقلية من سكان العراق على حساب مصالح وحقوق الأغلبية
من سكانه، وعند تسليم الحكم إلى هذه الجالية ونخبة هذه الأقلية (التي شكلت نوعا من استمرارية في نظام الحكم والإدارة بعد
تطعيمه بشكل محدود جدا بنظام الحكم الانكليزي)، تبنت هذه الدولة مواقف سلبية تجاه حقوق ومصالح الكورد الفيلية (بدعوى
إنهم ليسوا من "التبعية العثمانية" وإنما من "التبعية ألإيرانية") ومعادية أحيانا كثيرة (عن طريق قانون الجنسية الذي ورثت
معظمه من النظام العثماني وتبنته بعد جعله أكثر تخلفا وشوفينيا واستخدمته لإعطاء غطاء من الشرعية القانونية لعمليات الإبعاد
ألقسري المتكررة إلى خارج الحدود منذ العهد الملكي حتى نهاية حكم نظام صدام الإرهابي). كان هناك مَدُّ وجَزر في مدى عداء
الدولة العراقية تجاه الكورد الفيلية يتوقف على نوع العلاقات بين الدولتين العراقية والإيرانية (كان الضغط من الدولة العراقية
على الكورد الفيلية يخفّ في أوقات حُسن العلاقات بين الدولتين ويشدد في أوقات سوء العلاقات بينهما (عدا فترة حكم الزعيم عبد
الكريم قاسم). ويجب التأكيد هنا أن الجهاز الإداري لدولة العراق لا يزال فاسدا، إداريا وماليا و...، يعشش فيه أنصار النظام
ألشوفيني-الدكتاتوري السابق وتطغى عليهم وتسود بينهم أفكار وممارسات النظام ألبعثي ـ ألصدامي.
قررت قوة سياسية كوردستانية تخصيص مساعدات شهرية للأقربين من عائلات المفقودين من
الكورد الفيلية. كما أصدر الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي (وهو من
قياديي قوة سياسية كوردستانية) بتاريخ 15/12/2004 تعليمات إلى جميع مديريات
الجنسية والأحوال المدنية في بغداد والمحافظات بشطب عبارة "ألترقين والتجميد" من
على صور قيد الكورد الفيلية التي فرضها عليهم النظام السابق حسب "قانون رقم 666
الصادر في 7/5/1980).
كما اصدر المجلس الوطني العراقي المؤقت، بجهود الكتلة الكوردستانية فيه، توصية بعزل السيد سهيل محمد صالح رئيس هيئة
فض نزاعات الملكية من منصبه وإعادة النظر في آلية عمل الهيئة وهيكليتها لمسؤوليتها عن تأخير أعادة ممتلكات المتضررين
في عهد النظام السابق إلى أصحابها الشرعيين وبسبب طبيعة وتأريخ رئيس الهيئة كونه أحد أزلام النظام السابق.
7- الاستنتاج: مصالح الكورد الفيلية تكمن في رص
صفوفهم وتوحيد خطابهم ومواقفهم ورفض محاولات نزع هويتهم القومية الكوردية عنهم من
قبل عدد من كاتبي المقالات وبعض القوى (لأنهم كورد فيليه وليس أي شيء آخر) وفي
المشاركة الفعالة وبأكبر شكل ممكن في الانتخابات المقبلة في
30/01/2005 والتصويت للقائمة الانتخابية التي دافعت ولا تزال تدافع عن
مصالحهم بالأفعال لا بالأقوال فقط، وعلى ضوء التجارب ألتاريخية السياسية للقوى
المنظمة إليها. وهذه القائمة، على ضوء ما الواردة أعلاه، هي القائمة الكردستانية
الموحدة، التي ينبغي أن يتضمن برنامجها الانتخابي الاستمرار في تبني أكثر وضوحا
لقضيتهم ودفاع أكثر صراحة عن مصالحهم وبذل كل الجهود الممكنة لتحقيق المكاسب ألأخرى
المشروعة لهم والاستمرار على العمل الدءوب لتنفيذ قرارات وتعليمات إعادة جنسيتهم
العراقية وحقوقهم وممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة التي سرقتها منهم دولة العراق
وبذل الجهود لتوثيق مصائر شبيبتهم المفقودين، بهدف سد الطريق أمام المتصيدين في
المياه العكرة في الوقت الحالي وفي المستقبل ولإقناع مَن لازال مترددا أو متشككا.
كل ذلك لإحقاق حقوق ومصالح جميع الكورد والكردستانيين وخدمة مصالح كوردستان في هذه
المرحلة المصيرية الحرجة. ونذكر هنا، إن نفعت الذكرى، بالمثل الكوردي ألفيلي الذي
يقول "قوم أَگر گوشتد بخوا، سخاند ناشكني" (أي أن القريب "إذا نهش لحمك، فلن يكسر
عظامك").