اشلون انشيل الزنجار-4- عقدة الشعور بالنقص

 

صباح دارا

01/12/2004

 

خلاصة تعريفية عن الزنجار

المقصود بالزنجار هو كل التراكمات التي حصلت في المجتمع الفيلي في العراق والتي ادت بها الي حالة من الشلل القومي وفقدان الهوية وعدم وجود اية صفة  فعلية للانتماء او الاصطفاف داخل الطيف العراقي كفئة من الفئات المكونة للامة العراقية.

            سبب البحث في هذا الموضوع هو في تسليط الاضواء على الحالة الخمولية المزرية عند الكرد الفيليين للتعبير والدفاع عن انفسهم .   وكما اشرنا اليه في الكتابات السابقة ، الفيليون الكرد لم ينجحوا لحد هذه اللحظة في فرض حضورهم ووجودهم داخل المؤسسة السياسية والدولة العراقية

                      -  رغم مرور اكثر من عام ونصف على ازالة جمهورية الخوف

                       -ورغم قيام 235 حزب سياسي جديد في العراق،

                       -  ورغم قيام بعض الاطياف العراقية التي لا يتجاوز نفوسها ’عشر نفوس الكرد الفيليين وتجد هؤلاء   لديهم العديد من الاحزاب السياسية.

                         يجب على الكرد الفيليين ان يكون لهم ممثلين سياسيين والا فسوف نضل نتراوح في اماكننا الحالية وهي نفس الاماكن التي كان فيها ابائنا واجدادنا اي نضل كفئة مهّمشة لا تملك اية حقوق لان الذي لا يطالب بحقه ليس فقط هو شيطان اخرس، وانما ليس له حقوق لان الحقوق تؤخذ ولا تعطى كهبات!

 

 

 

           قبل عدة سنوات حين كنت ادرس لشهادة الدكتوراه في الجيولوجيا الهندسية  في جامعة نانت الفرنسية، جائني احد المعارف طالبا استشارتي في موضوع دراسته التي كانت ايضا في الجيولوجيا، واقمت له بالواجب.

            في الايام والاسابيع التي تلت، كنت بين الحين والاخر اصادف احد الاصدقاء العرب او الاجانب الذين كانوا يخبرونني بأن الصديق الفيلي كان يستفسر منهم حول الدراسة في الجيولوجيا وكانوا مستغربين من ذلك لكوني الوحيد من الشرفيين الذين كنت اتخصص في هذه المادة في نانت انذاك.

            ماذا يمكن استخلاصه من هذه الحادثة؟ ان ذلك الصديق لم يملك الثقة في كلامي ليس بسبب عدم كفائتي ، لان المعلومات التي كان يحتاجها كانت المعلومات الاولية عن الجامعات التي تعمل الجيولوجيا والمواضيع المختلفة التي يمكن التخصص فيهاومثل تلك المعلومات لا تحتاج الي ذكاء.     السبب كان لكوني من ابناء جلدته، لان الكثير من الكرد الفيليين يعاني من ازمة التنقيص بابناء جلدته، وتفضيل الاخرين عليهم حتى ان كانوا اقل شئنا منهم.

           حادثة اخرى اتذكر حول هذا الموضوع  دارت سنة 1972 حين كان مقترحا من قبل القيادة الكردية انذاك في ترشيح السيد حبيب محمد كريم لمنصب نائب رئيس الجمهورية. العديد من الفيليين كانوا يتسائلون عن اهلية وكفائة حبيب لذلك المنصب مع العلم بأن الرجل كان احد الكوادر العريقة في الحزب الديمقراطي الكردستاني وكان سكرتيرا لهذا الحزب انذاك. الكثير من الفيليين كان مستغربا من وجود رجل كردي فيلي في منصب رفيع وعلى وشك تعلي منصب عال في العراق.

           من خلال هاتين الحادثتين اردت الاشارة الي ظاهرة متفشية في جميع سكان العالم الثالث وبالاخص ضمن اوساط الاقليات العرقية، وهي ظاهرة الشعور بالنقص. هذه الظاهرة تبرز في مختلف الفئات الاجتماعية بدرجات متفاوتة اعتمادا على نسبة التخلف في تلك الفئة وتاريخ تعرضها الي الاحتلال اوالهيمنة من قبل الفئات الاقوى منها.

                 الكرد بشكل عام مرشحين بالدرجة الاولى للمعاناة من ظاهرة الشعور بالنقص بسبب فترة استعبادهم التي ترجع الي اكثر من  25 قرن الي الوراء.

             الكرد الفيليون يحتلون مركز الصدارة في المعاناة من هذه الظاهرة بسبب تعرضهم للتعريب والتفريس بدرجة اقوى بكثير مما حصل لبقية الاكراد، وكذلك بسبب خمولهم السياسي والعسكري وفقدانهم لكل انواع المبادرات الرامية الي فك سلاسل التسلط الاجنبي من على كاهلم لكي يردّ الاعتبار لقيمهم وهويتهم وتاريخم السحيق.

 

                 الشعور بالنقص هو شعور الفرد بكونه اقل شأنا من الاخرين ، وهو شعور يتواجد في اللاوعي بشكل تام او بشكل جزئي واستنادا الي علماء الاجتماع مثل الفريد ادلر فأن هذا الشعور هو الذي يدفع بعض الافراد الي القيام باعمال  خارقة للتعويض عما يشعرون به ، وهذه الاعمال  اما ان تكون اعمال بناءة وباهرة، واما ان تكون اعمال سلبية خاطئة.

             اود جلب انتباه القارئ هنا بأنه   ليس المقصود هنا بعقدة  الشعور بالنقص الحالات المرضية النفسية المصنفة ضمن مجال الامراض ، وانما الحالات الشمولية الاجتماعية الطابع، والتي بسببها يتبع الافراد المقصودون بهذه الظاهرة نوعا معينا من التصرفات النابعة بسبب موقعهم الاجتماعي او السياسي او الاداري المتواضع والسفلي نسبة الي المجتمعات المتعايشة معهم والمهيمنة فيهم.

           يمكن لفئة اجتماعية معينة ان تشعر بالمكابرة في منطقة ما، وتشعر بالنقص في منطقة اخرى كما هو الحال مثلا عند العرب او الترك او الفرس او الهنود الذين يحتلون في بلدانهم مراكز الصدارة والسمو في حين انهم مهملين ومهمشين في اوربا والولايات المتحدة.

   هذه الظاهرة ممكن ان تحدث لاي مجتمع حتى اولئك القاطنين في الدول المتطورة.

 

ملامح وجود ظاهرة الشعور بالنقص عند الفيليين

1- ضعف الشخصية:

               من الطبيعي ان اي شخص يشعر بالنقص، سيكون تلقائيا ضعيف الشخصية مقارنة بالاخرين لان هذا الشخص لو كان قويا لاستطاع من تدارك هذه الظاهرة، وان لم يستطع على ذلك ، فعلى الاقل يستطيع مكافحتها والتقليل من حدتها او حتى اهمالها.

ضعف الشخصية يمكن ترجمتها بالممارسات التالية :

التردد في القيام بابسط الاشياء:

              في اجتماع مدينة ليل الفرنسية من قبل حوالي 70 ممثل عن الجالية الفيلية في الخارج، لم يستطع المؤتمرون من الشروع في المؤتمر وافتتاحه الا بعد تردد استغرق تقريبا كل الفترة الصباحية. وحتى حين افتتح، تبعثر الحاضرون بسبب معارضة البعض للاسلوب الذي تم فيه الافتتاح، ورفض اخرون لتلاوة القرأن في الافتتاحية وغيرها من الاختراعات       " العرقلاوية " التييبرع بها الفيليون بسبب ظاهرة التردد . 

التردد هو نوع درجة من درجات الرفض او الخوف من البدء، وهو عامل مشلّل ومحبط للامال.

ضعف الارادة:

            تبرز على شكل صعوبات في اتخاذ القرارات المهمة. هذه الحالة تشجع الفرد وتحفزه في الاتكاء على الاخرين  والطلب منهم واستشارتهم في اتخاذ القرار نيابة عنهم.

            في بداية الثمانينيات، وكّل الكرد الفيليين في ايران امر تمثيلهم السياسي والعسكري الي بعض الاشخاص القوميين العرب او الي المنظمات الشيعية او السلطات الايرانية لتمثيلهم ومحاربة النظام العراقي من خلالهم. الم يكن باستطاعة الفيليين انفسهم من تشكيل منظمات سياسية وعسكرية خاصة بهم ، طالما ان الايرانيين كانوا محتاجين في ذلك الوقت الي اي سخص او جهة تحارب معهم ضد صدام؟

سرعة فقدان الامل:

                كما يعلم الجميع، لا توجد حاليا اية منظمات فيلية ذي شعبية وجماهيرية كافية لكي نستطيع الاشارة اليها كممثلة  حقيقية وشاملة للكرد الفيليين، لان الكيانات الموجودة حاليا هيكلية الطابع، ومحصورة على نفر قليل من الاشخاص الغير ملزمين لا في الاستمرار في دعمهم لهذه الكيانات، ولا متعهدين للقيام بذلك. اما الكيانات الموجودة داخل العراق، فأنها مع شديد الاسف خاضعة لتوجيهات الاحزاب العراقية الرئيسية، وكما وصفها احد الفيليين ولو بشكل تهكمي: انها دكاكين  وواجهات للاحزاب العراقية!

        يمكن تعليل ظاهرة افتقار الكرد الفيليين للكيانات السياسية او الاجتماعية الفعالة الي ظاهرة  سرعة حصول خيبة الامل عند الفيليين. فأن تشكل كيان ما، ولم يستطع في كسب الشعبية اللازمة او تحقيق بعض الاهداف، فأن المجتمع الفيلي سرعان ما يضع ذلك الكيان في سلة المهملات وتقاطعه لكي ينتهي به الحال الي الجمود والركود اللذان يؤديان في نهاية المطاف الي زوال ذلك الكيان.

                تأسيس كيان سياسي او اجتماعي ليس بالامر الصعب بقدر ما هو الحال بالنسبة الي  الحفاظ على ذلك الكيان وديمومته على المدى البعيد، لان ذلك يتطلب منه العمل والنضال والنفس الطويل المفقود عند الفيليين الذين يريدون كل شئ  بسرعة ، وان تأخرت في تحقيق امانيها ، فسوف يفرضون عليها طوق السكوت والمقاطعة .

          سبب هذه الحالة البائسة هوانعدام التجاوب والتفاعل الفيلي مع الكيانات التي تنشأ. فلو كان الفيليين ذي ارادة قوية ومصممين على ما يبغون ولا يتنازلون عنها بسهولة، لاستطاعوا من دعم الكيانات التي تنشأ حتى لو كان وجود تلك الكيانات غير متكاملةن غير ان الواقع هو عكس ذلك مع كل الاسف وكما  يقول مثل فيلي

 ( نه خويان جشتيك ئه كه ن، وه نه ئيلين يكي تر جشتيك بكا) [1] .

     

انعدام الجرأه المعنوية:

               ليس المقصود هنا الجرأة الشخصية في المشاكسات او الحروب ، انما الجرأة في التصدي للمعضلات و باعصاب باردة.

على سبيل المثل،  لنأخذ مثلا عدد المتكلمين الفيليين المتكلمين باسم الفيليين  في الفضائيات او غرف البالتولك وباسم الفيليين. انها نادرة جدا، والكثير من الفيليين لا يتطرق الي لقضيته الاساسية الا بشكل سطحي وثانوي، بينما نجدهم يتدخلون بشكل اكثر حماسة وعمقا حين يكون الامر متعلقا بالعراق او بالشيعة وحتى في مواضيع غير عراقية.

           صورة اخرى للتعبير عن فقدان الجرأة هو في الانعدام التام لاي صوت فيلي داخل العراق طوال الفترة السنية لعمر هذه الدولة. اما في الفترة ما بعد التحريرفانها ما زالت خجولة وما زالت بعيدة كل البعد عن مفهوم الجرأة.

انعدام المبادرة :

               رغم قساوة محنة التهجير من الناحية المادية والمعنوية، ورغم ان هذه المأساة مسّت اكثر من نصف مليون كردي فيلي، ورغم احتجاز الالاف منهم كرهائن عند السلطات البعثية، لم تصدر اية بوادر فعلية وعملية عند الكرد الفيليين  في الماضي ، من اجل الرد على تلك الجرائم لا في العراق، ولا في ايران، ولا حتى في الخارج!

                في بداية الثمانينيات صارحت محاولة بائسة في كوجة مروي من اجل جمع شمل الفيليين، غير انها سرعان ما اضمحلت بسبب عدم اهلّية الاشخاص الذين كانوا يتصدرون ذلك التحرك ، وجهلهم الفكري، وعلاقة البعض منهم بجهات خارجية. صارت محاولة اخرى في كرمانشاه، ومصيرها ايضا كان الفشل. ثم تبع ذلك قيام مجموعة اسلامية بتشكيل حركة فيلية ، غير انها كانت ضائعة في دهاليز الحركات العراقية الكبيرة والحرب العراقية الايرانية،  ولم يكن لها اي شعبية او دور يمكن ذكره هنا.

انعدام الدوافع :

          عقد  سنة 1990  اجتماع للفيليين في اوربا في مدينة هامبورك الالمانية، وحضرها حوالي 20 شخصا بضمنها كاتب المقال. الاجتماع كان في سبيل عمل تحرك فيلي من اجل توحيد الصف الفيلي وجمع شملهم وتمثيلهم.

                كان الكثير من المجتمعون يفيقون من النوم الساعة الحادية عشرة صباحا ويحضرون قاعة الاجتماع حدود الظهر، ويبدؤون بالتعبير عن تذمرهم ابتداء من الساعة الثانية بعد الظهر ، بحجة انهم جياع!  (يللى دي خلاص بكه يمن، برسيمانا ).  طبعا في المساء كان كل واحد يذهب لزيارة اقرباءه او اصدقاءه القدامى او للتنزه.

             في نفس هذا الاجتماع ، كان هنالك اشخاص اخرون منهمكين في مسائل المقايضة والمتاجرة واسعار السلع والخضرة في البلدان التابعين لها، وكأن الاجتماع كان معقودا في احدى العلاوي في بغداد.

             هل يمكن اعتبار هؤلاء "النخبة" الذين سافروا مئات الكيلومترات للمجئ الي الاجتماع المذكور، بأنهم  كانوا  مدفوعين باية دوافع وطنية مخلصة لشعبهم ، ام انهم كانوا  اشخاص مجردين من اية هوية بضمنها الكردية!

 

                     هذه الخصائص كلها تشكل عوامل معرقلة ومحبطة للامال وحجز عثرة امام المرء للقيام بأبسلط الامور، بل و حتى في التفكير في القيام بهم. الذي يعاني من هذه الظاهرة هو انسان محكوم عليه  بالمراوحة في مكانه ومعرض الي السير من وراء الاخرين والي تجنب القيام باي عمل او بادرة ذاتية. لقد سار اباءنا واجدادنا على هذا المنوال، ولسوء طالعنا

 

2- الشعور بالذنب

        تعريف  الشعور بالذنب  شعور الفرد في عقله  الواعي او اللاواعي بتحمله لمسؤولية تبعات احداث اليمة حصلت في الماضي له او لاهله او لشعبه.

             في هذا الجزء كما في كل هذه المقالة، ساتناول هذه المسألة من الجوانب الاجتماعية السياسية وليست الجوانب النفسية المدرجة ضمن مجال الامراض النفسية ، ولهذا فأن الملاحضات المذكورة هنا تشير الي نتائج هذه الظاهرة داخل المجتمع الفيلي ككل، وكيف يتصرف المجموع في ضل وجود هذا الهاجس الغير المرأي!

 

                في الفقرات الموجودة ادناه، ساتطرق لمختلف معالم الشعور بالذنب وازيّن كل حالة بمثال فيلي او اكثر لاعطاءه صورة واقعية.

 

فقدان الرغبة للدفاع عن النفس:

 حين يشعر المرء بالذنب، فأنه يمنح الاخرين وبشكل تلقائيا صفة الصواب والعدل، واستنادا الي ذلك، فأن هذا الفرد يفقد دافع الدفاع عن نفسه لانه خاسر قبل البدء بسبب اعترافه بالخطأ من خلال شعوره بالذنب.                   خلال الكتابات السابقة تمت الاشارة الي عقم الفيليين المزمن في التعبير عن رغبتهم في الدفاع عن انفسهم، ولا اعتقد بوجود الحاجة في الالحاح اكثر حول هذا الموضوع هنا.

                  الفيليون لا يتصرفون فقط كايتام بدون والي او حامي يحمي مصالحهم ووجودهم ، وانما لا يرغبون حتى في التفكير في حماية انفسهم وهذا هو مصدر" الورم السرطاني" الموجود داخل الكيان الفيلي.

الشعور بكونهم مهملين و مهمشين وغير مرغوبين وغير ذي قيمة:

               هذه الظاهرة تحفز الكرد الفيليين وتهيئهم نفسيا لتجنب العمل تحت راية الفيليين وعدم اثارة قضيتهم الا من خلال كيانات اخرى ومن خلال هوية هذه الكيانات. انها تشكل احد المسببات الموجودة وراء التجاء الفيليين الي الاتكال على الاخرين والعمل تحت رايتهم والاستمرار في نهج الجندي المجهول الذي لا يقّيمه احد لانه مجهول الهوية!

 

الشعور بالوحدة والعزلة وبكونهم بدون حماية:

                   من البديهي بان الشخص الذي يشعر بالوحده بغض النظر فيما اذا كان وحيدا ام لا، هو انسان يعاني من الضعف وشعر بتعرضه للخطر، وبعجزه عن الدفاع عن نفسه. نفس هذا الكلام يمكن تطبيقه على المجتمع الذي يشعر بالوحدة، فهو محكوم بالضعف ومهزوز الشخصية ومعرض للاعتداء، كما حصل للفيليين خلال  الثمانية عقود من عمر الدولة العراقية.

شدة الحساسية والتأثر:

             كما نشاهده في الحياة اليومية من خلال المجادلات والمشاكسات والعركات التي تحصل بسبب هفوة لسانية او اشارة قد تكون غير مقصودة. كل هذه المصادمات الفردية لها ثمارها السئ والمنعكس في اساءة العلاقات فيما بين العشائر الفيلية  لتخلق شقوق عميقة في داخل المجتمع الفيلي، وتمنع فيما بينهم من اقامة روابط الالفة والوحدة والعمل الجماعي لخدمة الجميع.

الماسوشية او ظاهرة ايذاء النفس:

          يمكن ترجمة هذه الظاهرة من خلال الممارسات الدموية والمبالغ فيها اثناء مراسيم عاشوراء والتطبير، وكذلك في المأتم بعد وفاة الاعزاء.

            احد التعابير الاخرى للماسوشية هي في محاولة المبالغة في الطيبة الي درجات طوباوية ومحاولة ابداء النزاهة الشديدة والمترفة وكأن الفيليين يحاولون التعويض عن جريمة كبرى عملوها او عملها اجدادهم.

من الطبيعي القول ان الطيبة والنزاهة هي من محاسن الاخلاق، ولكن المبالغة فيهما هي حالة غير طبيعية وغير مناسبة التطبيق في المجتمعات البشرية العادية، لان تصرفات مبالغ في نزاهتها وعفتها  مثل تلك التي تم ذكرها، يمكن ان تفسر من قبل بعض الجهات كدلالات ضعف ونقص، ويشجعهم على الانقضاض على حقوقنا.

                                

3- النرفزة والانفعالات العصبية:

           استنادا الي الفريد ادلر ، مبتكر اصطلاح عقدة الشعور بالنقص، حين يشعر الفرد بالنقص بسبب شئ ما حقيقي ام وهمي، فأنه يحاول اصلاح او تعديل ذلك النقص. وفي حالة عدم تمكنه من اصلاح النقص، سيتعرض ذلك الفرد الي الاتصاف بالعصبية او النرفزة.

                  الاكراد مشهورون بظاهرة العصبية في المزاج الي درجة ان بعض العنصريون ينعتوننا بالحمقى. الفيلون ليسوا بمختلفين عن بقية الاكراد، واكبر دليل هو ظاهرة الشقاوات التي كانت ولا تزال تميّز حي عكد الاكراد المشهور في بغداد.

             النرفزة ايضا هي احد المؤثرات الرئيسية التي تقلل من الالفة والمودة والانسجام داخل المجتمع الفيلي بسبب المجادلات والمشادات الكلامية والعركات التي تحصل نتيجتها.

            الانقسامات العشائرية او السياسية او حتى المنطقوية داخل المجتمع الفيلي هن نتاج طبيعي لسلسلة المنازعات الشخصية التي تحصل بين الافراد، والتي في الكيير من الاحيان يمكن تلافيها لو لم يكن الاكراد عصبيي المزاج.

 لقد وصل الانشقاق داخل المجتمع الفيلي الي درجة التجاء بعض العشائر الي اقامة حسينيات تابعة فقط لعشيرتهم.

                مظهر اخر من مظاهر المزاج الحاد المتنرفز هو ظاهرة الاستهزاء والتنقيص بالاخرين والنفاق، وكل هذه التصرفات هي مؤشرات لمعاناة شخصية او اجتماعية ، يحاول الفرد الذي يقوم به للتعويض عن معاناته من خلالها.

                        يمكن اعتبار النرفزة والمزاج الساخن الحاد كعوامل هدامة تعمل على اضعاف الفيليين وتشتيتهم ومنعهم من توحيد صفوفهم لان المزاج المتنرفز هو بمثابة  الفيروس الذي جعلنا امة مشتته ومضطهدة ومهمشة. فأية امة غير قادرة على رص صفوف ابناءها وبناتها، هي امة محكومة بالهيمنة الاجنبية ومهددة بالزوال.

 

4- العناد:

           العناد هي وسيلة دفاعية للتعويض عن الشعور بالنقص ، وهي صفة قلما تتواجد عند اولئك الذين لا يشعرون بالنقص.

ظاهرة العناد يمكن ان تتضخم عند الفرد الذي يعاني من الشعور بالنقص اذا كان هذا الشخص جاهلا ايضا.

          الاصرار عند الاكراد هي صفة  ينفردون فيها عن غيرهم ويفرطون بها الي درجة صار يقال بنا كمثل في العراق ( الكردي اذا قال نه يعني نه) .

              هنالك اخرون من العنصريون العرب او المستعربين الذين استعملوا صفة العناد عندنا للنعتنا بالحمير، وكأنهم اناس معصومون ولا يتصفون باية عيوب، لان هؤلاء العرب الذين ينعتوننا بالحمير لو كانوا على علم بنظرة الفرس او الترك او الاوربيين للعرب، لاحمرت وجناتهم من ذكر كلمة كردي.

 

اسباب وجود ظاهرة الشعور بالنقص عند الفيليين

هنالك اسباب تأريخية وسياسية وعرقية وراء هذه الظاهره .

الاسباب التأريخية:

                  ابتداء من سنة 553 قبل الميلاد، وسقوط الامبراطورية الميدية الكردية وحلول امبراطورية الاخمينيون الذي كان يمثل بداية الهيمنة الفارسية في المنطقة، اخذ دور الاكراد يتضائل تدريجيا وبدأ الفرس في تعلي السلطات الامبراطورية شيئا فشيئا. تلك السنة دشنت بداية اكثر من 2500 سنة من التسلط والهيمنة الاجنبية على كردستان.

الهيمنة تعني الاخضاع وتفرض حالة الشعور بالتبعية والضعف والنقص على كل اولئك الموجودين تحت سلطة الجهة المهيمنة.

        اذن فأن ظاهرة الشعور بالنقص عند الكرد بشكل عام هي ظاهرة قديمة جدا وهي وليدة تراكمات كل هذه القرون من الاستعباد والتسلط و تحفزنا الي الادعاء بانها قد رسخت طبيعة الشعور بالضعف او بالنقص في نفوسنا وحوّرت تصرفاتنا لتجري بشكل محاذ لهذه الظاهرة.

 

الاسباب السياسية:

1-  عدم وجود اي طرف او حزب لتبني قضية الفيليين بصورة جدية.

2- عدم وجود اي تمثيل للكرد الفيليين داخل المؤسسة الادارية لدولة العراق.

3- عدم وجود اية سلطة عشائرية لتقديم الدعم والوقوف كقوة معنوية ومادية وعسكرية للدفاع عن الفيليين. الفيليون العراقيوا الاصل قد تبعثرت عشائرهم بسبب الهجرة والتعريب. اما الفيليون ذوي الاصول الايرانية، فأن عشائرهم بالطبع موجودة في لورستان ايران.

4- عدم وجود اي نوع من السلطة للفيليين لا قانونيا ولا عسكريا ولا ماليا ولا من جهات اجنبية.

5- اتهام الكرد الفيليين من قبل الاخرين بالعمل كطابور خامس.

6- تصعيب الامور الادارية امام الفيليين ومحاولة منعهم من التمتع بالمزايا الممنوحة للمواطنين العراقيين وتحريم الكثير منهم من الجنسية العراقية، ومنعهم من تعلي الوظائف العسكرية والوظائف الرفيعة في البلاد.

 

الاسباب العرقية:

1- نعت الفيليين والكرد عامة بالغباء.

2- نعت الفيليين بكونهم من  اصول جنية.

3- نعت الفيليين والكرد قاطبة بانهم حمير.

4- اقتباس النكات من موسوعات النكات العالمية لتحويرها واستعمالها للاستهزاء من الاكراد.

2- استعمال اصطلاح الشعوبيون للاشارة الي الكرد الفيليين.

3- ترسيخ الفكرة الخاطئة في التاريخ المدّرس في العراق بأن الكرد هم مهاجرون قدموا الي العراق من الخارج.

 

 

الاستنتاجات

                  يمكن تشبيه  ظاهرة الشعور بالنقص بموّلدة للطاقة عند الفرد او المجتمع الذي يعاني منه.

كيفية استغلال هذه الطاقة هي التي تحدد مدى الفائدة او الضرر الممكن توّلدها من هذه الطاقة. لهذا يمكن تقسيم ردود الافعال عند اولئك المعانين من هذه الظاهرة بالايجابية او السلبية.

النتائج الايجابية لظاهرة الشعور بالنقص:

               هذه النتائج هي كل تلك الاعمال الجليلة والابداعية والابتكارية التي ينتجها الاشخاص الذين يعانون من الشعور بعوز او ضعف او نقص ما. مثلا الموسيقار بيتهوفن كان انسان ابكما اصم.

             الكرد الفيليون اظهروا هذا الجانب الخلاب والايجابي من معاناتهم من خلال الشخصيات البارزة والغزيرة التي وهبوها للعراق ولا زالوا(انظر الفصل الرابع من دستور حزب ايلام سومر).

             مقاومة عكد الاكراد المسلحة الباسلة  في 8 – 12 شباط 1963 ضد الانقلاب البعثي الاول والتي كانت المقاومة الوحيدة التي حصلت في العراق انذاك، كان مثالا اخر للطاقة الوفيرة الموجودة في احشاء الكرد الفيليين والتي تم استغلالها بشكل بنّاء ومشّرف من اجل الدفاع عن الوطن ضد عرب الشركات النفطية الذين تأمروا على جمهورية عبد الكريم قاسم.

           مساهمة الكرد الفيليون ضمن صفوف الحركة الكردية والحركات الوطنية العراقية الاخرى باشكالها السياسية والمسلحة هي بمثابة وجه اخر من محاولة الفيليين في التخلص من الطاقات الوفيرة المتولدة من ظاهرة الشعور بالنقص والتهمشية في العراق.

النتائج السلبية لظاهرة الشعور بالنقص:

هي كل النتائج التي تم ذكرها في قسم ملامح وجود ظاهرة الشعور بالنقص عند الفيليين المذكور اعلاه ولا توجد الحاجة لاعادتها مرة اخرى.

 

  خاتمة القول، ارجو الاعتذار من كل انسان كردي يكون قد تأثر بقراءة هذه المقالة بسبب طبيعتها الصريحة ومغزاها المثثير للعواطف ، واشاراتها الواضحة الي ممارسات تعسفية كنا في السابق ضحية لها.

             القصد من وراء هذه المقالة كان اولا بسبب كونها جزء من مسلسلة الزنجار، وثانيا لسبب اكثر اهمية وهي ان احسن طريقة للحد من ظاهرة الشعور بالنقص هو في مصارحة النفس بمنابع الشعور بالنقص  ووضع الابهام على جوهر المشكلة ومحاولة تفهمها وتحليلها ووضع الحلول اللازمة لتخفيف حدة تأثيرها عليه وان يتذكر بان

الكمال لله فقط

 

الصفحة الرئيسية

 

اشلون انشيل الزنجار - 1 - مقدمة 

 

اشلون انشيل الزنجار - 2 – مشكلة الهوية الكردية للفيليين

 الخوف اشلون انشيل الزنجار - 3 –عنصر الخوف

 

sabah@dara813.fsnet.co.uk

    


 

[1] لا هم يعملون شيئا ولا يسم