اشلون انشيل الزنجار (5) : تراكمات ستة وعشرون قرن

 

صباح دارا

11/12/2004

 

 

خلاصة تعريفية

المقصود بالزنجار هو كل التراكمات التي حصلت في المجتمع الفيلي في العراق والتي ادت بها الي حالة من الشلل القومي وفقدان الهوية وعدم وجود اية صفة  فعلية للانتماء او الاصطفاف داخل الطيف العراقي كفئة من الفئات المكونة للامة العراقية

 عن الزنجار.

            سبب البحث في هذا الموضوع هو في تسليط الاضواء على الحالة الخمولية المزرية عند الكرد الفيليين للتعبير والدفاع عن انفسهم .   وكما اشرنا اليه في الكتابات السابقة ، الفيليون الكرد لم ينجحوا لحد هذه اللحظة في فرض حضورهم ووجودهم داخل المؤسسة السياسية والدولة العراقية

                      -  رغم مرور اكثر من عام ونصف على ازالة جمهورية الخوف

                       -ورغم قيام 235 حزب سياسي جديد في العراق،

                       -  ورغم قيام بعض الاطياف العراقية التي لا يتجاوز نفوسها ’عشر نفوس الكرد الفيليين وتجد هؤلاء   لديهم العديد من الاحزاب السياسية.

                         يجب على الكرد الفيليين ان يكون لهم ممثلين سياسيين والا فسوف نضل نتراوح في اماكننا الحالية وهي نفس الاماكن التي كان فيها ابائنا واجدادنا اي نضل كفئة مهّمشة لا تملك اية حقوق لان الذي لا يطالب بحقه ليس فقط هو شيطان اخرس، وانما ليس له حقوق لان الحقوق تؤخذ ولا تعطى كهبات

 

 

المحتويات

مقدمة

مخلفات الاحتلال عند الشعوب المحتلة لكردستان

مخلفات الاحتلال عند الاكراد

مقارنة بين التصرف التلقائي والعادة والغريزة

التصرف التلقائ

العاادات الاجتماعية

الغريزة

 

مقدمة

                            اخر دولة كردية كانت الدولة الميدية التي تم اسقاطها سنة 550 ق. م. من خلال عملية انقلابية عسكرية بقيادة سايروس الذي مهّد الطريق لمجئ الامبراطورية الاخمينية التي كان يتغلب عليها الطابع الفارسي، رغم وجود الكرد بشكل محسوس وقوي في اغلب اركان تلك الامبراطورية.

               ابتداء من تلك السنة ولغاية هذا اليوم، صارت كردستان منطقة محتلة وتابعة لمختلف القوى والقوميات التي فرضت وجودها وهيمنتها على الشرق الاوسط مثل الفرس والعرب واليونانيون والترك والمغوول والانكليز كما يبين الجدول التالي

 520 ق م الي 331 ق م :    كردستان كانت خاضعة لسيطرة الاخمينين الذين جعلوا من سوسه عاصمة لهم.

331 ق م الي 224 ب م :  انتصار الاسكندر المقدوني على الامبراطور الاخميني دارا ادى الي هيمنة اليونانيون علي الشرق الاوسط بشكل عام لمدة 107 اعوام.

224 ب م الي 642 ب م : كردستان تخضع للامبراطورية الفارسية الساسانية مرة اخرى.

637 الي 1400 ب م : مجئ العرب المسلمين وتاسيس عدة ابمراطوريات اسلامية متتالية في الشرق الاوسط.

لم يستعطع العرب من احتلال كردستان الا بعد قرنين من المعارك حيث سقطت القوات الكردية المدافعة عن دينها الاصلي ، الزرادشتية في القرن التاسع الميلادي.

1500 الي 1918 :  قيام الامبراطورية التركية العثمانية على اشلاء الامبراطوريات الاسلامية السابقة، وتقسيم كردستان بين الترك والفرس الصفويين سنة 1514 في اتفاقية جالديران.

1501 – الان:  فترة  الامبراطورية الصفوية ثم القاجارية ثم البهلوية ثم الخمينية في ايران. تم اخضاع حوالي ثلث كردستان ضمن حدود الحكم الايراني الفارسي الطابع.

1923 :   قيام  الدولة العراقية والسورية والتركية وتقسيم كردستان مرة اخرى الي اربعة اجزاء، وبدء حروب كردستان التي كانت تصاحبها مأسي المذابح وعمليات التهجير والحملات الانتقامية لقوات الاحتلال.

 

                الاحتلال يعني التسلط والعبودية والاضطهاد واستغلال الثروات البشرية والمادية من قبل المحتلين، انها عملية اغتصاب لحقوق الشعوب الاخرى لان عمودها الفقري مبني على عامل القوة و الجور والطغيان. الاحتلال باختصار هي عملية اخضاع شعب لشعب اخر بالقوة والاكراه ومن خلال الحروب والغزوات.

                الهدف من التطرق الي مسألة الاحتلال هنا لم يكن في البحث في هذا الموضوع الحيوي الذي كان ولا يزال يشكل مصدر غالبية المأسي التي تعرضنا لها في الماضي البعيد والقريب،  وانما في التكهن والتحليل في الاثار والمخلفات النفسية والاجتماعية التي ولدتها هذه الظاهرة على حياة الفرد الكردي ومجتمعه من ناحية، وعلى سلوك الفرد التابع للشعوب المتسلطة على الاكراد من الناحية الاخرى. هذه المقالة هي محاولة لسبر عمق تلك المخلفات في نفوس الاكراد ومحتلي كردستان،  ودرجة التصاق هذه المخلفات في شخصية الانسان الكردي وكذلك في شخصية الانسان التابع للشعوب المتسلطة في كردستان.

              يلفت انتباه القارئ هنا بأن المخلفات الناتجة عن الاحتلال لا تقتصر على طبقة او شريحة معينة من الاكراد او من الشعوب المحتلة لبلادهم، وانما يشمل كل الشرائح الاجتماعية في الطرفين وذلك لاننا هنا بصدد البحث في ظاهرة امتدت على مدى حوالي 26 قرنا من الزمان، بحيث اصبحت نتائجئها تنعكس على المشاعر والافكار و تشكل جزءا من العادات والاعراف الاجتماعية عند الشعوب المحتلة او عند الاكراد.

             اصبحت ممارسة المظاهر التسلطية نمطا من انماط التصرف التي يتحلى بها شعوب الدول المحتلة لكردستان حين يتعاملون مع الاكراد، وفي نفس الوقت، دخلت المخلفات التي ولّدتها قرون التسلط عند الاكراد في نفوسهم وعاداتهم بحيث صارت التصرفات الكردية تنبعث من منبع الشعور بالتهمش والدونية واصبحوا يعيشون كاناس من الدرجة الثانية  واستمروا هكذا طوال كل تلك القرون بحيث اصبحوا اليوم متقبلين حقيقة الاحتلال في كردستان وكانها قانون وحق طبيقي للمحتلين . لقد تعود الاكراد على احتلال بلدهم الي درجة ان وجود كردستان بالنسبة للبعض قد اضمحل حتى في مخيلتهم وتصوراتهم، وهذا قد يكون تعليل حقيقة استعمال كلمة (وولات ) عند الفيليين للاشارة الي كردستان بدل من الاسم نفسه.

 

مخلفات الاحتلال عند الشعوب المحتلة لكردستان

 

المخلفات المادية :

                 بما ان السلطة والقرارفي كردستان كان وما يزال بيد اناس غير اكراد، لهذا فمن الطبيعي ان يتم استغلال بلاد الكرد من كل النواحي ولصالح الشعوب والحكومات المحتلة لكزدستان وعلى مر العصور التاريخية التي مضت.  الثروات الطبيعية والمنتجات الحيوانية والزراعية، الامكانيات البشرية، كلها تسخر وتستغل بأسم الدولة والملك والرئيس لصالح شعوبها ، انها باختصار عملية التعامل مع كردستان كبقرة حلوب لا غير.

                        بناء على ذلك، لا يمكن للاكراد ان يكونوا اكثر غناء ورخاء من العرب او الترك او الفرس لان ثرواتهم ليست ملك لهم، وحتى لو فرضنا ان الكرد تمكنوا عن طريق استعمال الذكاء واستغلال الظروف لكي يصبحوا احسن حالا من الاخرين، فمن الطبيعي سوف يعرضون انفسهم لخطر الهجوم المباشر او الغزو او السطو من قبل جيوش الشعوب المتسلطة عليهم مدفوعين بشراهتهم واحتقارهم للعنصر الكردي الضعيف في نظرهم والغير مستحق للارتقاء الي درجات اعلى من تلك التي وضع حد لها من قبل المحتلين.  

المعادلة بسيطة ومفادها ان المحتل لا يمكن ان يكون افقر من الذي يعاني من الاحتلال.

 

 المخلفات المعنوية:

تتلخص هذه المخلفات بعبارة واحدة وهي : الشعور بالمكابرة والاستعلاء بالنسبة للاكراد  وتنعكس في الممارسات التالية:

نظرة شبه عنصرية  تجاه الاكراد وفي كل الدول المتقاسمة لكردستان اضافة الي الدول العربية المشرقية.

                ففي العراق ينعتون الاكراد بالحمير، وهي نظرة غير اقليمية اي انها غير مقتصرة على هاتين الدولتين ، لان بقية الدول العربية يحملون اراء تصب في نفس الاتجاه .

الكل يتذكر نكتة (وين اذانك ) التي كان يتشدق بها بعض العنصريين في العراق للاشارة الي غباء الاكراد وتأكيد تفوقهم العرقي عليهم . السوريين يتشدقون بانكتة نفسها للتخفيف من شعورهم الحاد بالنقص من جراء موقعهم المتخاذل امام اسرائيل التي تحتل اراضيهم.

                   اما بقية العرب ، فأنهم  يشبهون الاكراد بالهنود اي محتقرين، وفي لبنان يستعملون كلمة دمويين بالنسبة لهم، والكل متفقين حول اثم الاكراد الازلي في عدم انتمائهم الي القومية العربية!

            وفي تركيا فانهم ينظرون الي الاكراد كاناس همج ما زالوا يعيشون في القرون البالية، وفي احسن الاحوال ، يشيرون اليهم باكراد الجبل، وكانهم يعملون اجرا وفضلا عظيما لنا بقبولنا ضمن انتمائهم العرقي.

              اما الفرس ، فانهم يشيرون الي الاكراد كاناس قرويين بسطاء ما زالوا لم يخرجوا من طور العلاقات العشائرية والتقاليد القديمة المنقرضة واعتياديا يكون كلمة كردي مصحوب بكلمة بسيط اي ساذج.

 

التعريف المتوارث للانسان الكردي عند الكثير من العرب هو ان الكردي  انسان عربي يتكلم بلغة اخرى. وللتعبير عن هذه النطرة، استدّل بالكلام التالي الذي نطق به انسان سوري في مرحلة دراسة الدكتوراه في فرنسا، حيث قال:

ان مشلكة الاكراد الرئيسية انهم لا يعتبرون انفسهم عربا!

  النظرة الاستعلائية الفوقية تنعكس ايضا في الممارسات وطريقة التعامل والكلام التي يستعملها الكثير من العرب مع الاكراد. هذه النظرة الاستعلائية انفجرت اثناء اتفاقية الحادي عشر من اذار 1970 حين شعر العرب والمستعربين فجأة بخطر مساواة الاكراد معهم، لذلك اخذوا في صب نيران غضبهم على الاكراد من خلال الالاف من النكات المستوردة من الخارج وتحويرها وتطبيقها على الاكراد.

             لقد كان بعض الحاقدون يجهرون علانية عن حقدهم المضاد للكرد حيث كانوا يقولون :

اتفاقية اذار طلعت عين الاكراد  او ان البعثيين هم الذين طلعوا عين الاكراد من خلال الحكم الذاتي.

 

احدى النتائج الناجمة من توارث النظرة الاستعلائية عند شعوب  الدول المتسلطة على كردستان هي في تقبل اغتصاب حقوق الاكراد واضطهادهم. فالكرد تعرضوا طوال القرن العشرين الي مختلف انواع الممارسات القمعية والتعسفية والسجن والاغتيالات والتهجير والابادة الجماعية من دون ان يتعاطف معهم شعوب الدول المقتسمة لكردستان الا الاحزاب الشيوعية.

 هل هو من الصعب تفسير هذا الصمت بالرضا، ان لم نقل بالتواطئ من خلف الكواليس مع حكام الدول المقسمة لكردستان!

فالشارع العربي كان دائما متحمس للنزول الي الشوارع في تأييد الشعوب الفلسطينية والجزائرية والمصرية وغيرهم, ولم يحرك ساكنا حين كانت تقام حمامات الدم في كردستان!

            هذا التواطئ المثير للريبة والتشكك ان دّل على شئ فانما يدل على وجود رغبة تقبلية للممارسات العنصرية واعمال الابادة ضد الشعب الكردي، لان قانون الغابة ، سواء كانت تلك الغابة مقرا للحيوانات ام البشر، هو ان القوي يميل الي القضاء على الضعيف!

                لقد كان جليا وواضحا ان العرب والمستعربين لا يمكن لهم ان يزيلوا اثار قرون طويلة من تسلطهم على الاكراد في سنوات قصار، لان الفكرة الاستعلائية عندهم قد اصبحت جزء من تقاليدهم واعرافهم  في التعامل مع الاكراد.

              تصرفات مشابه عند الاتراك حين يتعلق الامر بقبرص او الجيجان او اتراك بلغاريا او تركمان العراق ، في حين ان مذابح كردستان الشمالية وتدمير 4000 قرية كردية وتشريد مليونين من الاكراد لم يؤنب ضميرالشارع التركي، وهذا ليس بالمستغرب من شعب يهاجم ويعارض منظمات حقوق الانسان وكانه يريد القول بانهم معادون للبشر!

             كذلك الامر بالنسبة للايرانيين الذين يدافعون عن المسلمين من الفلبين الي امريكا ، واصبحت فلسطين قميص عثمان الخمينيون ، والشوارع الايرانية ومساجدها دائمة التضاهرات والخطبات دعما لاخوانهم المسلمين، في حين انهم كانوا يقتلون ويعدمون ويحرقون ويدمرون في كردستان الشرقية ولا احد مبال!

 

مخلفات الاحتلال عند الاكراد

 

المخلفات المادية:

          الفقر والجهل وضعف الحالة الصحية والهجرة والاعتماد على الدولة ورموزها بشكل بائس واتكالي. هذه هي هوية الانسان الكردي بشكل عام منذ 2554 سنة لان الكرد محكومين في العيش كاناس من الدرجة الثانية ان لم نقل من العبيد!

        لقد كانت وما زالت كردستان بمثابة البقرة الحلوب التي زودت ايران والعراق وتركيا بالمواد الزراعية والحيوانية والايدي العاملة والجنود في القرون السابقة للقرن العشرين، وبعد ذلك اخذ هؤلاء في امتصاص نفط كردستان ومعادنها لكي يشتروا بها السلاح الذي كانوا يستعملونها في قتل الاكراد.

 

المخلفات المعنوية:

            تم التطرق الي اغلب المخلفات هذه في الفصول الثلاثة السابقة وتتلخص بعبارة الشعور بالنقص .

                   نلفت انتباه القارئ مرة اخرى بأن هذه المخلفات غير مقتصرة على شريحة معينة من الاكراد وانما كل الاكراد بسبب طول فترة الاحتلال والتسلط وامكانية تحول هذه المخلفات الاجتماعية الي عادات واعراف اجتماعية متداولة من قبل الجميع وبدون اي تردد او شعور بالذنب. في السطور المدرجة ادناه نذكر اهم هذه المخلفات الاجتماعية.

- الشعور بالمواطنة بدرجة ثانية :

 هذا الشعور منبعه هو مثلا ندرة وجود الاكراد في الوظائف الحساسة مثل الضباط او المدراء العامين او الوزراء . وفي حالة الاكراد الفيليين فأنه عدم وجود فيليين بتاتا في مثل تلك المراكز الوظيفية.

- فقدان الجرأه في الوقوف ضد المظالم:

        لم يقف اي كردي فيلي ام غير فيلي وفي اي عهد من العهود العراقية ضد اعمال التهجير المطبقة ضد الاكراد الي ايران او الي جنوب العراق، وكذلك الحال بالنسبة لموقفهم من حروب كردستان. صحيح ان هنالك كانت العديد من الاحزاب السياسية والمسلحين في كردستان، الا ان نشاطات هذه الاحزاب في مقارعة النظام كانت مرهونة بوجود او عدم وجود هدنة او اتفاقية مع الحكومة، لكي تبدأ المغازلات والاتفاقيات الشاذة على حساب الاخرين!

- فقدان الرغبة او الشجاعة في تشكيل كيانات

اجتماعية او علمية او سياسية او نقابية للتعبير عن وجودها والدفاع عن مصالحها.

- قلة او فقدان الشعور بالافتخار بالتاريخ والامجاد الكردية.

 الحقيقة هو وجود شعور بالحياء والاشمئزاز من ماضينا وتراثنا.

-                                                                              قلة او انعدام المبادرة في الهجوم:

-                      في كل المنازعات والمشاكل والحروب التي تعرض لها الاكراد، قلما كانت المبادرة كردية ، لان الاكراد كانوا دائما يتخذون دور الدفاع وانتظار مأسي الحكومة وويلاتها.

 

التساؤل الكبير

هل يمكن اعتبار المخلفات التي تركتها 26 قرنا من التسلط تصرفات انية تولدت على شكل ردود افعال للمؤثرات الموجودة في الدول المقسمة لكردستان ، ام انها قد اصبحت عادات شخصية واجتماعية ام اكثر من ذلك انها تحولت الي جزء من غريزتنا مبرمجة في جينات الاكراد ومضطهديهم؟

           للاجابة على هذه التساؤلات، يتحتم علينا ان نحدد معنى العادات والتقاليد وكذلك مسألة الغريزة البشرية، ومن ثم نعود الي مساءلة حقيقتها ضمن سياق المخلفات الاجتماعية والنفسية الناتجة من القرون الطويلة للاضطهاد.

 

مقارنة بين التصرف التلقائي والعادة والغريزة

 

التصرف التلقائي

هو اي نوع من التصرف الطبيعي المتولد نتيجة حدث او فكرة ما.

هو عمل اني بالاساس  ولا يتكرر ، لانه في هذه الحالة سوف يتحول الي عادة.

            لهذا السبب لا يمكن لنا من وصف التصرفات الكردية النابعة في عهود الاحتلال بالتصرفات التلقائية وذلك كما نوهنا سابقا ، بسبب الطبيعة المتكررة لهذه التصرفات وبسبب ديمومتها على مدى القرون الماضية.

                مثلا حين قيام الامراطورية الاخمينية في كردستان والهضبة الايرانية، كانت اللغة السائده فيها هي الايلامية والميدية في البداية، غير ان تغلغل العنصر الفارسي في الامبراطورية وانتشار سيطرتهم على مراكز الحكم ، ادى شيئا فشيئا الي اختفاء اللغة الميدية وتقهقهر اللغة الايلامية الي ان اصبحت لغة البلاطات فقط في بداية العصر الميلادي. انتهت اللغة الايلامية في العصر الساساني.

معارضة الاكراد للتغلغل الفارسي كان واضحا من خلال حفاظهم على لغتهم لاكثر من خمسة قرون بعد مجئ هؤلاء الاخمينيين، غير ان هيمنة الفرس اجبر السكان العاديين في الرضوخ لهم والقبول بحكمهم تدريجيا، والتكلم بلغة الفرس  اكراها، الي ان اصبحت هذه الاعمال الاكراهية بمرور الزمن وديمومة التسلط الفارسي عادة اجتماعية ان لم نقل حاجة يومية للعيش بدون تخرصات من السلطات الفارسية.

تم اجبار الاكراد على التسلط الفارسي بشكل تدريجي، بحيث كانت ردود الافعال الكردية في الرضوخ الي مشيئات الحكام الفرس تلقائية، لكي تتحول بمرور الوقت واستمرارية التسلط الي عادات اجتماعية تفرض على الكرد الشعور باتهميش كمواطنين ثانويين.

 

العادة والتقاليد الاجتماعية

العادة

هي اي تصرف مكرر لا يحتاج كثير من التفكير للقيام به، ويعتمد في استمراريبه على عامل التحفيز او الاثارة.

كلما تكررت عادة ما ، كلما ازداد قبول الناس لتلك العادة بشكل تلقائي وقلت حاجتهم  الي بذل مجهود فكري للقيام به.

 

التقاليد الاجتماعية

 هي العادات الفردية المعممة على غالبية ابناء المجتمع. استمرار التقاليد الاجتماعية يحولها بمرور الزمن الي قوانين اجتماعية وحتى رسمية مثل قانون فصل العشائر ومقدمة ومؤخرة الزواج، والوراثة.

عند الاكراد هنالك عاملان يجعلان من تصرفاتهم النابعة من الشعور بالتهميش متغلبة على نمط تفكيرهم وتصوراتهم  وهما:

اولا) استمرار الهيمنة الاجنبية في كردستان والممارسات القمعية التي يستعملها المحتلون في اسكات واخضاع الكرد كلما حاولوا وضع حدا للعادات المفروضة عليهم . مثلا الاكراد تعودوا على قبول حقيقة استعمال لغات المحتل ودينهم وقبول افرادهم كحكام عليهم ويتقبلون هذه الاوضاع الشاذه والظالمة بدون تردد وبدون الشعور بالذنب.

ثانيا) استمرار ممارسة الاكراد لتلك التصرفات والعادات وعلى مدى 26 قرنا بحيث يضطر المرء الي التساؤل في احتمالية تحويل ظاهرة الشعور بالتهمش الي غريزة مبرمجة في جيناتنا !

وعليه يمكن اعتبار التصرفات التهمشية عند الاكراد في العصر الراهن  ليست الا وليدة القرون الماضية وحلقة مكملة لمجمل العادات التي سادت في مجتماعتهم.

                 من جانب اخر، فان حدّة التصرفات التهمشية  تختلف حسب المناطق التي يتواجد فيها الاكراد والمثال المعروض ادناه سيوضح هذه الفكرة.

                   اكراد كردستان او (الوولات) ما زالوا محافظين على الكثير من عاداتهم القديمة وعلاقاتهم الاجتماعية رغم انهم مستمرين في الشعور بالتهمشية تجاه الفرس او العرب او الترك.

 اما اكراد المدن العربية او الكردية او التركية، فانهم قد تعرضوا الي ظروف الانصهار القومي والديني بسبب وجودهم داخل بودقات انصهار الشعوب الاخرى, ولهذا فأنهم يعانون من الاضطهاد القومي المضاعف، وهذا ما يجعلهم يشعرون بالتهمشية بشكل مكثف نسبة الي الاكراد الذين بقوا في كردستان.

ولهذا فأن اكراد المدن العربية والفارسية والتركية يكونون معرضين الي تحويل قومياتهم بسبب التعذيب النفسي المتولد من ظاهرة التهميش الشديدة التركيز والقوة بنسبة اكثر بكثير من اولئك الاكراد الذين ضلوا في كردستان.

                 بالنسبة لنا الكرد الفيليين، هنالك الكثير من عندنا ابناء بغداد والمدن الجنوبية الذين تحولوا تماما الي عربا، واخرون لم يبقى من كرديتهم الا لقبهم او اعترافهم باصولهم, واخرون يتبجحون ويتباهون بتكلمهم العربية واخرون ايضا ممن ذهب الي درجة ادعائهم باصولهم العربية.

 

               التصرفات التهمشية في الوقت الحاضر لا يمكن النظر اليها بشكل مجرد عن المخلفات التي تركتها القرون الماضية على شكل عادات وتقاليد تصب جميعها ضمن اطار الشعور بالنقص وبكونهم مواطنين من الدرجة الثانية، لان العادات الحالية  هي ثمرة تفاعلوصراع بين  العادات القديمة و المؤثرات الحالية والغلبة للاقوى .

بسبب كون العادات الاجتماعية هي وليدة تجارب الاف من السنين وبسبب من ترسخ هذه العادات في نفوس الناس وعقولهم, فأن احتمالية تغييرها تكون عادة ضئيلة ومعتمدة على درجة تقبل الناس للمؤثرات الجديدة ، ولشرح ذلك نستدل بالمثال الاتي:

             نمو الوعي القومي الكردي عند الفيليين ومعارضة ذلك  للافكار والعادات السائدة عندهم حول انتماء الاكراد بشكل عام للمذهب السني الممقوت من قبل الفيليين خلق تناقضا واضحا بين القديم والجديد عند الفيليين. فمن جهة تكون الحركة القومية الكردية في صالح الكرد الفيليين ومن جهة اخرى ان القائمين الرئيسيين لهذه الحركة ينتمون الي مذهب غير مناسب للمذهب الذي يعتنقه الفيليون، وهنا كان الصراع بين التقاليد والحداثة، بين الكهل والشاب، بين المحافظة على النمط التقليدي البالي والخاضع ، وبين الطراز العصري الداعي للتحرر، وكل المؤشرات تشير باتجاه الغلبة للتيار العصري واندحار التقاليد البالية لاول مرة في تاريخ الكرد الفيليين!

تعليل ذلك هوانتشار الوعي القومي والثقافة والتعليم عند الكرد الفيليين واعني بالخصوص سكان المدن الرئيسية في الشرق الاوسط وكذلك تأثير اولئك الذين يعيشون في الدول المتطوره،  لان تأثير هؤلاء على التيار الفيلي العام كبير جدا، وسوف يؤثر مستقبليا على مسار الاتجاه الفيلي العام.

 

           على العموم، فان ديمومة اي عادة اجتماعية مثل الشعور بالتهمش عندنا ، تعتمد على مدى تقبلها من قبل الاكراد من ناحية، وعلى مدى تأثير المؤثرات الحاضرة عليهم. فكلنا نعلم ان الشعور بالتهميش هي نتيجة مباشرة لهيمنة الاجانب على كردستان، لهذا، لا يمكن لنا من اعتباره عادة مرغوبة عندهم، واستمراريته مرهون باستمرارية الهيمنة المفروضة على الاكراد وهذا زائل.

                 من ناحية المؤثرات الخارجية، مثلا الديمقراطية وحقوق المرأة وحرية الرأي والفكر والتسلح بالعلم والتكنولوجيا، كل ذلك ستشكل مؤثرات ايجابية وبنائة وسريعة التقبل من قبل الاكراد، وهذا ما يجعلنا نفكر بأننا سائرون في طريق التخلص من الشعور بالتهميش لان قيود التسلط والهيمنة في طريقها الي الزوال.

 

الغريزة او الذكرة المحمولة في الجينات

           هي القوة الدافعة لبعض من تصرفات  الفرد، سواء كنا واعين بتلك التصرفات او نجهلها ، لان هذه التصرفات تكون مخزونة في ذاكرة الجينات التي يتم نقلها وتوارثها مر الاجيال. ان الغريزة هي مجمل الافكار والمشاعر المخزونة في عقل الانسان والناتجة من مجموع الافكار والمشاعر والاعمال التي اثرت في المجتمع على امتداد وجود  العرق الاثني المكون لذلك المحتمع. الغريزة هي خلاصة لتاريخ الفرد وتاريخ اجداده .

                كل طفل يولد، يحمل في عقله برنامج يتكون من مجمل الافكار والمشاعر والتجارب التي مر بها اجداده منذ البداية. حين يكبر الطفل ويصبح رجلا، يتأثر ويتفاعل بالمحيط، مما يؤدي الي تغيير البرنامج المحمول من قبل جيناته او ال دي ان اي ، غير ان ذلك التفيير غالبا ما يكون طفيفا وغير محسوس بسبب عمق ترسخ البرنامج الاصلي للانسان.

             والان لو تكلمنا بلغة اكثر قربا من مخيلتنا وتصورنا باننا ولدنا في في سنة 550 ق.م. في كردستان،  فأن البرنامج الذي يحمله جيناتنا تكون خالية تماما من عقدة الشعور بالتهميش والنقص لان الاكراد كانوا لغاية تلك السنة اناس احرار يعيشون على تربة وطنهم ويعبنقون دينهم الاصلي (الزرادشتية) ويتكلمون لغتهم الام الكردية، وحكامهم وملوكهم وقضاتهم كلهم كانوا من الاكراد.

ابتداء من ذلك العام، بدأ الكرد في الغوص في اعماق العبودية والتسلط و&#