هل من مستلزمات المعاصرة خلق الأوهام ؟!
محمد عـنوز، ماجستير قانون
موسوعة صوت العراق، 15/10/2003
الأعزاء في مجلة الدستورية الكرام ...
تحية طيبة :
نرسل إليكم تعقيبنا حول موضوع ( قراءتي معاصرة ومن أجل عراق ملكي دستوري ديمقراطي ) للدكتور محمد سعيد العنبكي المنشور في مجلتكم الغراء، العدد 49 / سبتمبر 2000 والذي كان تعقيباً على ملاحظاتنا التي سبق وأن نشرتموها في العدد 47 والخاصة بفقرة الجنسية العراقية التي تضمنتها قراءة الدكتور والمنشورة في العدد 44 بعنوان ( قراءة في الدستور العراقي لعام 1925 ). أملين من مجلتكم نشر المادة التالية تأكيداً لشعاركم في الديمقراطية وحرية التعبير ولكم فائق التقدير.
لقد عاد الدكتور محمد سعيد في الحلقة الثانية من قراءته لدستور عام 1925 ما سبق أن ذكره في الحلقة الأولى حول موضوع الجنسية العراقية بعد إرسال ملاحظاتنا عليها، وهذا أعطانا مؤشر كون القراءة غير منهجية، الأمر الذي دفعنا إلى عدم إرسال ملاحظاتنا حول كل القراءة بعد استكمال حلقاتها، وجعلنا نتوقع بأن الحوار من أجل الحقيقة صعب حتى في مجالات التخصص، وتمنينا أن نكون على خطأ في هذا التقدير، إلا أن نشر ملاحظاتنا مع سقوط أدوات النهي أو النفي إلى جانب إسقاط عدة كلمات أكد لنا ما توقعناه، وتحول التوقع إلى يقين عندما أطلعنا على تعقيب الدكتور الذي عنونه بـ ( قراءتي معاصرة .... )، وهنا لا نعلن استغرابنا أو دهشتنا لما ذكره الدكتور بقدر ما نباركه على هذه القابلية في الربط والتقدير والتحليل التي تسعى لخلق الأوهام بإصرار عجيب.
أن ملاحظاتنا السابقة تركزت على قوله " لقد أختار بعض الناس الموجودين في العراق التابعية الإيرانية بموجب المادة 32 من معاهدة لوزان ..... وكان عليهم أن ينقلوا محل إقامتهم إلى بلاد الدولة التي اختاروا تابعيتها وفقاً للمادة 33 من المعاهدة المذكورة...... " وقلنا أن هذا غير صحيح وأنه تكييف خطير في مغزاه وأوضحنا نصوص المواد المذكورة وطرحنا عدة تساؤلات، كان على الدكتور أن يجيب عليها، ويوضح ما هو غير سليم في ملاحظاتنا غير، خدمةً منه للقراء وللحقيقة التي تهم المخلصين، لا أن يذهب أبعد مما ذهب بقراءته التي يسميها معاصرة ليخلق أوهاماً جديدة أخرى على ملاحظاتنا، حيث يقول ( وقد عقب السيد محمد عنوز ـ ماجستير بالقانون ـ على مقالي ، فكتب تحت عنوان ـ قراءة معاصرة أم قاصرة ـ تفسيره للاتفاقيات والمعاهدات الدولية، مما أثار دهشتي وجعلني أستعيد في ذهني تفسير وقراءة الوقائع الدولية من طرف القيادة العراقية عام 1990، حيث قاد هذا التفسير الخاطئ البلاد إلى التهلكة ). أننا على ثقة بقدرة القراء على التمييز بين ما هو صائب ودقيق وبين ما هو عن الواقع بعيد.
وهنا نسأل الدكتور ، لماذا لم يوضح لنا بعد أن أعلن دهشته ، طبيعة وشكل العلاقة بين ملاحظاتنا حول الجنسية العراقيةالتي وردت في قراءته المعاصرة للدستورالعراقي عام 1925، بقراءة القيادة العراقية للوقائع الدولية عام 1990؟! أليس من المفروض بالقراءات المعاصرة أن توضح الروابط والأسباب؟! فلماذا ترك الدكتور دهشته وأستناجاته تسبح كما تشاء ولم يغلق الباب ؟! أم أن الأمر مجرد تسطير ورمي حجر من يد بصير؟! حيث نجده يذهب إلى سرد موضوعات لا علاقة لها بملاحظاتنا التي أشرت القصور في قراءته، والتي أكدنا غايتنا في حينها والتي لا تتعدى حدود المساهمة في الكشف عن حقيقة هذه المشكلة الشائكة في حياة العراقيين، والتي لا تحتمل المزيد من الإهمال أو القراءات البعيدة عن الواقع ، وكان على الدكتورالعنبكي معالجتها والأخذ بها بروح معرفية خالصة ، لا أن يذكر لنا صيغ لا خلاف عليها ، ويلصق بها مفردات غير معللة كقوله ( وهذا يؤكد وجهة نظري في أهمية معاهدة لوزان في موضوع الشأن العراقي )، وكأننا ننكر هذه الأهمية ، فقد سبق وذكرنا بأن معاهدة لوزان [ تعتبرالأساس لعملية توزيع السكان بين الأراضي المنسلخة عن تركيا بعد انهيار الامبراطورية العثمانية ] وهنا تتضح طبيعة الخلاف، فهو ليس حول أهمية المعاهدة المذكورة، بل حول قراءة الدكتور للمعاهدة وخصوصاً المادة 32 والتي اعتمدنا وثائق الجامعة العربية ـ مجموعة قوانين الجنسية في دول الجامعة العربية ـ وإذا كان هناك إختيار للناس كما ورد في هذه المادة فهو لا يتعلق قطعاً بمن لديه أو حصل لاحقاً أي بعد العشرينات من القرن العشرين على التابعية الإيرانية، والتي يصر الدكتور بدون دليل على أن المعاهدة تتحدث عنهم، إنما لرعايا الدولة العثمانية الذين يجدون أكثرية عنصرهم من سكان دولة انفصلت عن تركيا، والعنصر هو القوم وليس التابعية كما هو معروف بديهياً، أي أن يكون الفرد عربي أو كردي من المناطق التي هي في إطار العراق أو سوريا وقد يكون في تلك الفترة يعمل في أحدى الولايات العثمانية التي هي لا في العراق أو سوريا، له الحق بأن يختار جنسية البلد الذي عنصره هو الغالب، والخيار هذا يتضمن حق البقاء أيضاً، وهذا هو جوهر خلافنا مع هذه القراءة المعاصرة كما يؤكد على تسميتها الدكتور في تعقيبه. كما أنه ذكر موضوعة ( المقالات الاستفزازية ) بين العراق وإيران وموقف الملك فيصل الأول رحمه الله منها، من دون أن يضع الدكتور أمامنا شيء عن خلفيات هذه المشكلة التي طفحت بهذا الشكل وعلاقتها بموضوع الامتيازات الخاصة بالرعايا الأجانب، والاعتراف بحكومة المملكة العراقية آنذاك، وطبيعة الموقف البريطاني من هذه الحالة.
أن ملاحظاتنا تركزت على موضوع الجنسية والتابعية العثمانية والإيرانية قبل الحكم الملكي بعقود عديدة، وانعكاس معاهدة لوزان في نصوص قانون الجنسية العراقي الأول، حيث أشرنا إلى نصوص القانون العراقي والمواد التي انعكست فيها مواد معاهدة لوزان.
فنحن لم نناقش المعاهدات والاتفاقيات وقوتها الإلزامية، ولا معاهدة سيفر، ولا مؤتمر لوزان الثاني، ولا مشكلة الحدود مع تركيا، ولا المعاهدة العراقية الإنكليزية التركية عام 1926، ولا نشاط المجلس التأسيسي العراقي، ولا تأييد بريطانيا لصدور قانون الجنسية العراقية ( استنادا إلى أحكام المواد 30 ـ 34 من معاهدة لوزان )، ولا تطور الخلافات مع إيران التي انعكست في السجال الصحفي الضار في صحافة البلدين ...... أن ما كتبه الدكتور حول هذه الموضوعات يشكل هروب واضح من التساؤلات التي طرحناها، التي تركها بكل بساطة وأقرنها بنعوت جاهزة.
وهنا نضع تساؤلاتنا أمام الدكتور وأمام القراء الكرام مرة أخرى، وننتظر من الدكتور الجواب، ومن القراء الحكم، لأنهم الأقدر على التقييم والإنصاف.
* ما علاقة اتفاقية لوزان التي عقدت في عام 1923، واعتبرت نافذة في 6 / 8 / 1924 بموضوع إختيار التابعية الإيرانية؟! التي بدرجة أساسية لم تكن محض إختيار بالنسبة للكثير من العراقيين، وهنا لا نقصد رعايا الدولة الإيرانية المقيمين في العراق أبان الحكم العثماني الذي بدأ عام 1534، كما أن " اختيار " العراقيين التابعية الإيرانية كان نتاج ظروف لم تعد خافية على من يبتعد عن التخيّل ويريد الحقائق.
* هل إيران طرف في معاهدة لوزان كي يختار الناس التابعية الإيرانية وفقاً للمادة 32 من المعاهدة، وبالتالي يكون ( عليهم أن ينقلوا محل إقامتهم ......) وفق ذلك؟!
* هل نصت معاهدة لوزان على حق نقل الإقامة أو وجوب نقلها إلى الدولة التي هم من تابعيتها، سيما ونحن نعرف أن البلدان التي ظهرت بعد تقسيم الدولة العثمانية لا تابعية لهم سوى العثمانية، وإتفاقية لوزان كان تاريخها قيل صدور قانون الجنسية العراقي؟! إذا نزلنا عند رغبة الدكتور وقلنا إنها تشمل الناس الذين لديهم تابعية إيرانية، فهل تشمل كل حاملي التابعيات الأخرى أم تقنصر على حاملي التابعية الإيرانية؟
هل تضمنت نصوص المعاهدة كلمة إيران أو تابعية إيرانية؟!
أن هذه التساؤلات وردت ضمن ملاحظاتنا، والتي قفز عليها الدكتور في تعقيبه وأخذنا إلى نقاط ومحاور لا علاقة لها بصلب الإشكال الذي ورد في قراءته وأشرنا إليه، وفي الختام نشدد على كوننا لم نسأل عن اتجاه الدكتور السياسي، أكان ملكياً أم جمهورياً، لأنه شأن خاص، ولا نعتد بشكل الاتجاه ولا طبيعته بقدر ما نتمسك بالعراق وطناً وبإرادة شعبنا المتجه نحو تحقيق الخلاص من الدكتاتورية والحصار، وان تكون هذه الإرادة هي الفيصل ولا تعلو عليها أية إرادة، وهذا هو الذي يدفعنا للمساهمة مع كل المخلصين في حماية العقل وعدم زرع الأوهام فيه، مع تأكيدنا على أن حل مشكلة التابعية الإيرانية على الطريقة التي نوه بها الدكتور العنبكي، حيث سيدرس وزير الداخلية في الحكومة المأمولة ملفات ذوي التابعية الإيرانية، أمر غريب على من يعيش في الديمقراطيات الغربية ويؤمن بصوابها، إذ تمنح هذه الدول جنسية كاملة لأي شخص يعيش على أرضيها لسنوات معدودة، دون أن يخدم علمها أو يدفع لميزانيتها الضرائب، فلماذا لا يطرح من يدعو إلى نظام ملكي دستوري ديمقراطي كما أشارالدكتور في رده، منح من عاش في العراق لقرون وخدمه كمواطن وما زال متمسكاً بوطنه هذا، حق الجنسية الأصلية؟!!! علماً إن هذا الحق تكفله الشرائع الدولية والإنسانية، وأننا نجد المشكلة في هؤلاء وليس بمن يتمسكون بالتابعية الإيرانية،الذين لازال العديد منهم بدون جنسية، أو عانوا ويعانون من مسألة إعتبارهم بلا مواطنة حتى في دول الجوء، الأمر الذي أخر ويؤخر حصلوهم على جنسية هذه البلدان. أما الذين لديهم تابعية إيرانية فعلاً فلا حاجة إلى نص خاص يميزهم في مشروع القانون الذي ساهم الدكتور فيه كما ذكر في تعقيبه، لأن القانون الجديد لابد أن ينظم مسألة التجنس بشكل عام ويكفلها لكل أصحاب التبعيات بما فيها الإيرانية كبقية قوانين دول العالم، وما يتعلق بمشكلة الأملاك ومصادرتها من قبل النظام فهذا موضوع أخر، وهو من مسؤولية الحكومة الجديدة التي يتطلع ويعمل من أجلها كل المخلصين. وأخيراً نكتفي بهذا ولا نريد الإطالة في مناقشة الكثير من هذه الآراء وبهذه العجالة. ونتمنى على الدكتور أن يعيد قراءة ملاحظاتنا مرة أخرى، ونترك الحكم للقراءة والمهتمين بهذا الموضوع، خصوصاً من سبق وأن عقب على قراءة الدكتور سابقاً مع الشكر الجزيل.