«مؤسسة الذاكرة العراقية» تستعين بالتجربة الألمانية في التعامل مع ملفات صدام
كنعان مكية يطالب بإصدار قانون ينظم قواعد أرشفة الوثائق ويعتبرها «نصوصا مقدسة»
جريدة الشرق الاوسط، 24/1/2004
اجرى كنعان مكية رئيس «مؤسسة الذاكرة العراقية» محادثات في برلين اول من امس مع ماريانا برتلر المكلفة من قبل الحكومة الالمانية بالاشراف على
ملفات «ستاسي» للنظر في كيفية الاستفادة من الخبرات التي كسبتها في التعامل مع ملفات جهاز المخابرات الألماني الشرقي السابق. وكانت المخابرات
الألمانية نجحت يوم سقوط جدار برلين في 1989/11/9 بمصادرة أطنان الملفات وملايين الوثائق التي تخص وزارة الأمن (ستاسي) السابقة في ألمانيا
الديمقراطية. وتجمعت منذ ذلك الحين خبرات هائلة في كيفية فرز وأرشفة وتحليل هذه الوثائق لدى مئات موظفي «دائرة الملفات» التي شكلتها حكومة هيلموت
كول خصيصا للتعامل مع هذا الارث الأمني المهم.
ويبدو ان هدف زيارة مكية، هو بالذات نقل خبرة «سلطات برتلر» البرلينية في التعامل مع هذه الملفات إلى العراق بغية الاستفادة من اكثر من 300 مليون
وثيقة تخص نظام بغداد السابق تمت مصادرتها من قبل سلطات التحالف في العراق ومن قبل أحزاب المعارضة المؤيدة لها. وواضح ان التسمية التي تحملها
«دائرة الملفات» يعود إلى السيدة ماريانا برتلر المكلفة من قبل الحكومة بالإشراف على ملفات شتازي. وذكر مكية في لقاء صحافي دعت إليه ماريانا برتلر
«نحن بحاجة إلى الألمان» لاكتساب خبرة التعامل مع هذا الكم الهائل من الوثائق.
وكانت أحزاب المعارضة العراقية قد حصلت على جزء كبير من الأرشيف الأمني العراقي في جنوب العراق وشماله بعد أحداث انتفاضة 1991 التي أعقبت
حرب تحرير الكويت وأسقطت النظام البعثي في 14 محافظة عراقية. وتم نقل نسخ من معظم هذه الوثائق إلى الولايات المتحدة وبريطانية، كما تم الاحتفاظ
بالوثائق الأصلية في أراشيف الأحزاب الكردية. كما أدى السقوط المفاجئ لنظام بغداد في ابريل (نيسان) الماضي إلى وقوع ملايين الوثائق بيد قوات التحالف.
إلا ان ما وصل من هذه الوثائق إلى «مؤسسة الذاكرة العراقية» لا يتعدى الـ1% حسب ما اكد مكية نفسه.
وإذ ضاع الكثير من هذه الوثائق ابان الفوضى العارمة التي عمت العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، فان البعض الآخر منها قد تمزق أو تفرق بشكل يصعب
معه تجميعها مستقبلا. وربما تفيد خبرة الألمان العراق هنا كثيرا لأن «سلطات برتلر» راكمت خبرات طويلة في التعامل مع الملفات الممزقة لـ«ستاسي».
وهي ملفات مزقها ضباط الأمن الشرقيون وجمعوها آنذاك في أكياس كبيرة، لكنهم فشلوا في إحراقها. وانهمك، كما هو معروف، عشرات الموظفين الألمان
طوال سنوات في إعادة لصق الملفات والأوراق الممزقة في أكبر لعبة ( Puzzle) من نوعها في العالم. وفاز هؤلاء الموظفين في نهاية التسعينات بلقب
«أبطال العالم في لعبة البزل» بالنظر للجهد الكبير الذي يبذلونه في حل ألغاز الأوراق الممزقة. واستطاعوا أخيرا تنفس الصعداء بعد ان نجح الخبراء الأمنيون
بتصميم كومبيوتر حديث يتعرف على القطع الممزقة من حافاتها الممزقة، وعلى أساس لون الحبر المستخدم وقدم الورق وغيرها من العوامل، ويعمل على
تجميعها.
واعتبر مكية الأرشيف العراقي هاما جدا في عملية القضاء على بقايا النظام القديم وكشف جرائمه ومجرميه وضحاياه. ووصف أهمية هذه الوثائق بالقول انها
«نصوص مقدسة» بالنسبة لمستقبل العراق.
وفي حين دعا مكية إلى اصدار قانون ينظم عملية الأرشفة والاستفادة من الوثائق، وطالب بدعم ألمانيا المالي والمعرفي في العملية، تحدثت ماريانا برتلر عن
إمكانات واسعة لمساعدة العراق. وذكرت رئيسة «سلطات برتلر» ان الطرفين خططا لمؤتمر في العراق حول موضوع الوثائق وأكدت انها مستعدة لتقديم
التقنية اللازمة في الموضوع. واعتذرت برتلر عن تقديم المساعدات المالية بالقول ان وضع «سلطاتها» المالية لا تسمح بتقديم التبرعات.