ألمانيا تهدد اللاجئين العراقيين بالترحيل من دون تعويضات أو إعادة تأهيل
لاجئو كوسوفو والبوسنة وأفغانستان حصلوا على برامج تأهيل ومعونات وقاية من المجاعة.. ولا شيء للعراقيين
جريدة الشرق الاوسط، 11/3/2004
كولون: ماجد الخطيب
وظفت وزارة الخارجية الألمانية عشرات الملايين في عملية إعادة لاجئي البوسنة والهرسك وكوسوفو وأفغانستان إلى بلدانهم. كما خصصت ملايين أخرى
لمنح العديد من الشركات المختصة عقود «إعادة تأهيل» هؤلاء اللاجئين وفق برامج محددة تعينهم على بدء حياتهم ثانية ولا تجعل عودتهم عبئا على حكوماتهم.
ومعروف أيضا أن الحكومة الألمانية خصصت مبلغ 5000 مارك لكل عائد لتفادي المجاعة إلى حين عثوره على عمل ونجاحه في تطبيع حياته في بلده.
ولكن، لا يبدو أن للحكومة الألمانية أية خطط مماثلة بخصوص اكثر من 60 ألف طالب لجوء عراقي مهددين بالترحيل إلى بلادهم حال تسلم الحكم من
قبل حكومة عراقية مستقلة واستقرار الأوضاع هناك. وكانت وزارة الداخلية الاتحادية قد بدأت عملية إعادة مشردي الحرب الأهلية في البلقان بعد استتاب
الأمور هناك. وبدأت الوزارة حسب خطة معلنة بترحيل المقيمين بصورة غير شرعية منهم، ثم ترحيل العازبين ومن ثم ترحيل العوائل، هذا مع استثناء بعض
الحالات الخاصة مثل النساء المغتصبات والأطفال الذين يعانون من مرض صدمة الحروب بالنظر لحالتهم النفسية الدقيقة. وهذا ما ليس واضحا في حالة
العراقيين حتى الآن، إذ شملت حملة سحب حق اللجوء العزاب وأصحاب العوائل، والحائزين على اللجوء الإنساني والسياسي على حد سواء، بل أن إحدى
الحالات شملت صاحب عائلة تقدم بطلب الحصول على جنسية، بعد أن تخطت إقامته الدائمية فترة 8 سنوات، فتلقى قرار سحب اللجوء عوضا عن الجنسية. هذا
يعني أن الحكومة الألمانية ما زالت في مرحلة الاستعداد لترحيل اللاجئين العراقيين، إلا أنه يعني أيضا انها لا تمتلك خطة موضوعية ومنصفة لإعادتهم كما
حصل مع لاجئي البوسنة وكوسوفو. وتميل منظمة «وادي» التي تقدم المعونات الإنسانية في كردستان العراق (وعملت في بداية التسعينات في جنوب العراق
أيضا) إلى تفسير هذا الموقف على أساس تصنيف العراق كبلد نفطي ثري.
ويشير تقرير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (2003/7/25) إلى اكثر من أربعة ملايين عراقي غادروا البلد بسبب الحروب والاضطهاد السياسي والحصار
الاقتصادي. بينهم نحو 900 ألف يعيشون في مختلف بلدان العالم كلاجئين أو مشردي حروب أو أنهم يعيشون في ظروف تشبه ظروف اللاجئين. ويحتاج
نصف هؤلاء إلى مساعدات مالية وتأهيلية كي يستطيعوا العودة إلى وطنهم وبدء حياة جديدة فيه. وتنطبق ظروف العوز على وجه الخصوص على نحو 400
ألف عراقي يعيشون في ايران و450 ألفاً يعيشون في سورية والأردن في ظروف تشبه ظروف اللجوء ومحرومين من حق العمل والإقامة. وتقدر المفوضية
عودة 165 ألف عراقي يعيشون في ايران ونحو 240 ألفا من «المقيمين» في سورية والأردن. اما عدد طالبي اللجوء المحرومين من الإقامة الدائمية في العالم
الصناعي فيبلغ عددهم 183 ألفا، تقدر المفوضية رغبة 35 ألف منهم فقط في العودة إلى العراق.
وخصصت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مبلغ 154 مليون دولار لإعادة تأهيل ودمج العراقيين العائدين مجددا في مجتمعهم وهو مبلغ ضئيل كما هو
واضح. وإذا كان عدد العائدين يبلغ حوالي المليون، كما تقدر المفوضية، فلا شك أن حصة الفرد لا تتجاوز 150 دولار.
ودخلت إحدى المنظمات الكردية الإنسانية (اواداني ـ برلين) في نقاش مع السلطات الألمانية قبل ثلاث سنوات مع احتدام النقاش حول تحول كردستان العراق
إلى منطقة أمنة وإمكانية ترحيل اللاجئين إليها. وتقدمت المنظمة ببرنامج معقول لإعادة تأهيل اللاجئين وزيادة مشاريع الاستثمار الألماني في المنطقة وتوظيف
العائدين في هذه المشاريع. وطالبت «اواداني» آنذاك بأن يحصل كل لاجئ على مبلغ 5000 مارك يبدأ بها حياته في شمال العراق، إلا أن السلطات الألمانية
وافقت على دفع مبلغ 2000 مارك فقط، وقد توقف النقاش حول الموضوع منذ ذلك الحين. وهناك من يعتقد ان من الضروري على كافة المنظمات السياسية
والمهنية العراقية في ألمانيا طرح موضوع إعادة تأهيل عودة اللاجئين الآن بقوة وقبل فوات الأوان.
وحسب تقدير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فلا بد من توفر العديد من العوامل التي تمهد لإعادة النازحين من بلدانهم بسبب الحروب والاضطهاد، وبعض
هذه الشروط يتعلق بعودة الحياة الديمقراطية في البلد المعني، والتزامه بمبادئ حقوق الإنسان وخصوصا انتهاء مخاطر المطاردة والسجن والتعذيب والإعدام
التي تلاحق اللاجئين، وشروط أخرى تتعلق بتفعيل النظام القانوني وإزالة الألغام والبطالة. كما تشترط المنظمة الدولية عودة المرحلين طوعا وسبق لها أن
حذرت من الترحيل القسري. وتقدر المفوضية وجود نحو 8 ملايين لغم يهدد حياة سكان المناطق الكردية في شمال العراق فقط. ومن الواضح أن معظم هذه
الشروط لم تتوفر بعد في الحالة العراقية ولا بد للحكومة الألمانية من التأني قبل أن تشحن أول طائراتها بالمرحلين. وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين
حذرت البلدان الأوروبية، وخصوصا ألمانيا وبريطانيا والدنمارك، من مغبة الاستهانة بشروط شطب أي بلد من قائمة البلدان التي يحظر إعادة اللاجئين إليها.
وكما هو معلوم فان ألمانيا وضعت العراق في هذه القائمة منذ حرب الكويت ومنحت العراقيين المرفوض لجوؤهم حق اللجوء الإنساني أو السماح بالاقامة فقط
على هذا الأساس. ولم يصدر أي قرار حتى الآن بشطب العراق من هذه القائمة إلا أن انتقال السلطة إلى أيدي العراقيين في نهاية يونيو (حزيران) المقبل قد
يعجل حصول هذه الخطوة.
من ناحيتها أصدرت منظمة «وادي» تقريرا جديدا حذرت فيه من نيات ترحيل العراقيين من ألمانيا من دون برنامج موضوعي لإعادة تأهيلهم ومساعدتهم.
واعتمدت المنظمة على آخر إحصائية لوزارة الداخلية تشي بأن عدد اللاجئين العراقيين في ألمانيا يبلغ 84551 لاجئا. وطبيعي فان هذا العدد لا يمثل كافة
العراقيين.
وتقول المنظمة ان قرارات سحب اللجوء شملت 5000 عراقي في الأشهر الخمس الأخيرة، وهو رقم يعتقد المحامي توماس غرونر، المختص بالحالة العراقية،
أنه قديم. وتلقى 148 عراقيا من حملة الإقامة الدائمية واللجوء السياسي الحقيقي (حسب الفقرة 16) قرارات سحب اللجوء أيضا. في ذات الوقت رفضت دائرة
اللجوء أو علقت اكثر من 4700 طلب لجوء بانتظار ما يتمخض عنه الوضع ببغداد. ولا يتمتع بالإقامة الدائمية، أي باللجوء السياسي، سوى 10305 لاجئين
وهو ما يزيد عن نسبة الاعتراف التي لا تتجاوز 3.7% فقط. وهناك 45 ألف لاجئ عراقي يتمتع باللجوء الإنساني، حسب الفقرة 52 من قانون الأجانب أو
قرار وقف الترحيل، في حين لا يتمتع البقية سوى بسماح مؤقت بالإقامة يجدد كل شهرين أو ستة أشهر. ويبدو أن القسم الأعظم من هؤلاء اللاجئين مهدد
بالترحيل إلى العراق. وقد لا يلعب نوع اللجوء (الإقامة)، أو طول فترة الإقامة، أي دور في عملية الترحيل لأن ترحيل الكوسوفيين شمل بعض من هاجروا إلى
ألمانيا عام 1984.
* لا اهتمام للحكومة الألمانية ببرامج إعادة التأهيل
* ولم تنل «مجموعة التنمية والقوى المتخصصة» دعم الحكومة الألمانية من أجل بدء برامج إعادة تأهيل العراقيين قبل ترحيلهم. وتعتبر هذه المجموعة من أكبر
«المقاولين» في عمليات إعادة تأهيل اللاجئين التي تعمل بالتعاون مع وزارة الخارجية. ورفضت المتحدثة الرسمية باسم المنظمة الإجابة على أسئلة «الشرق
الأوسط» حول أسباب رفض وزارة الخارجية ذلك، إلا ان من يدخل إلى الصفحة الإلكترونية لهذه المجموعة سيلاحظ تفاصيل مشاريع كبيرة تخص لاجئي
البوسنة وكوسوفو وأفغانستان من دون أية إشارة إلى العراق.
ويرى توماس فون دير اوست زاكن من منظمة «وادي»، أن امتناع المنظمة عن الإجابة على الأسئلة طبيعي لشدة اعتمادها على دعم وزارة الخارجية
الألمانية. وذات الشيء ينطبق على الصفحة الإلكترونية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين في ألمانيا وصفحة المنظمة الرئيسية في الأمم المتحدة. وتتخصص
«مجموعة التنمية والقوى المتخصصة» بالعلاقات مع الشركات بهدف تدريب العائدين وتأهيلهم وتحضيرهم للعمل في المنظمات الإنسانية وفي المشاريع
الأجنبية. وتركز المنظمة على إعداد الكفاءات، مثل المهندسين والتقنيين وغيرهم، قبل إرسالهم إلى بلدانهم. ولا شك في أن ألمانيا تزخر بالكفاءات العراقية التي
صارت تجيد الألمانية والتي يمكن لبرامج التأهيل أن تساعدها في توطيد أسس حياتها في العراق، ويبقى أن تخصص الجهات الألمانية الرسمية جزءا من جهدها
لدعم هذه المشاريع.