أزمة السكن تتفاقم والعراقيون بحاجة إلى ثلاثة ملايين وحدة سكنية

جريدة الشرق الاوسط، 28/3/2004

بغداد: خالد عيسى طه
تقول آخر احصائية أصدرتها سلطة الاحتلال ان العراق بحاجة الى نحو ثلاثة ملايين وحدة سكنية خلال ثلاث سنوات وان العديد من العوائل تسكن في بيوت غير صحية وغير ملائمة، كما ان المعلومات تؤكد ان غالبية من العوائل العراقية اتخذت من المباني الحكومية كالمدارس والمكتبات العامة وبعض النوادي الرياضية مساكن لها بعد انهيار النظام السابق.
وذكرت الاحصائية ان الظروف التي مر بها العراق مع تنامي عدد سكانه نتيجة رفع مستواه الصحي وقلة الوفيات ارتفع عدد سكانه من أربعة ملايين نسمة الى ستة وعشرين مليونا خلال بضعة عقود، ونتيجة ذلك بدأت ازمة السكن بالتفاقم. وافادت ان مجلس الاعمار في عهد النظام الملكي شيد وحدات سكنية في الكرخ (الجزء الغربي من نهر دجلة) وأشهرها مجمعا حي السلام وحي الاسكان غرب بغداد، ونفذ هذا المشروع شركة «ويمبي» البريطانية التي كانت قد نفذت مشروع حي سكني متكامل بمدارسه ومنشآته الخدمية في مدينة البصرة عرف بحي ويمبي نسبة الى الشركة المنفذة ورسميا سمي بحي الاصمعي. لكن عدد هذه المشاريع والتوقف عن تنفيذ غالبيتها لم يكن ليتلاءم مع ازدياد عدد السكان في العراق. وفي عهد عبد الكريم قاسم تم انجاز مشروع مدينة الثورة في محاولة لاجتثاث جزء من هذه الأزمة العميقة. وتمثل هذا المشروع في بناء مدينة لجميع ساكني الصرائف التي أبدل اسمها صدام حسين فيما بعد لتحمل اسمه قبل ان يتم تغيير الاسم للمرة الثالثة ليكون بعد سقوط النظام باسم «مدينة الصدر».
ونفذ قاسم فكرة متكاملة لتوزيع أصحاب المهن المختلفة على الأماكن السكنية في بغداد، فكانت حصة المحامين حي القضاة وحي العدل والحارثية، ثم حي المهندسين والصيادلة، وهكذا توزعت في بغداد وفي بعض المحافظات احياء تحمل اسماء مهن ساكنيها كحي المعلمين وحي الاقتصاديين وغيرها. وقد رافق قيام هذه المجمعات السكنية بناء المستلزمات الخدمية مثل الاسواق والمدارس وحتى المقاهي، وهكذا توسعت الفكرة لتشمل ارجاء واسعة من أرجاء العراق. وبموجب قانون الاصلاح الزراعي الذي سن وتم تطبيقه في العهد الجمهوري تم توزيع الأراضي على الفلاحين ومكنهم من بناء دورهم ودور من يلوذ بهم في الأراضي المخصصة والموزعة على الجمعيات الفلاحية.
وحسب وزير الاسكان والتعمير العراقي بيان جبر الزبيدي فان نظام صدام توقف عن بناء المجمعات السكنية منذ عام 1982. وتميزت المشاريع السكنية التي قامت في السنوات ما بين 1968 وحتى 1982 بانها غير مجدية لحل ازمة السكن. فمشاريع مثل (حي 28 نيسان) وشارع حيفا الضخمين لم تقم لمساعدة المواطنين بقدر انها استغلت من قبل النظام لارضاء المتعاونين معه ووزعت على افراد الحرس الجمهوري وموظفي الرئاسة وكبار البعثيين والمديرين العامين، بينما وزعت ما نسبته 90% من الشقق السكنية في شارع حيفا للمواطنين السوريين المنشقين عن نظام بلادهم والمؤيدين لنظام صدام، كما تم انشاء حي سكني متكامل على نهر دجلة في جانب الرصافة (الكرادة) بمواجهة القصرر الجمهوري وتم توزيع شققه على العسكريين العاملين في القصور الرئاسية، وكان ثمة مشروع لم يكتمل في حي السيدية بجانب الكرخ، حيث تم بيع شققه على المواطنين بالاقساط وافتقر لأبسط الخدمات البلدية.
وقد استأثر الرئيس المخلوع وعائلته بأجمل مناظر دجلة، وسور ضفاف النهر بأسوار عالية تجعل ملكية هذا النهر لسلطته ولاتباعه، ناهيك من قصوره التي أحاطها بساحات واسعة من دور حمايته التي حلت محل احياء سكنية بكاملها مثل (خضر الياس) و(الحارثية) في الكرخ وجزء كبير من الاعظمية والكرادة في جانب الرصافة، وبذلك فاقمت مشاريع بناء القصور الرئاسية من ازمة السكن بصورة مضاعفة.
وتتطلب الحاجة الماسة المباشرة في بناء اكثر من مليونين ونصف المليون وحدة سكنية وذلك بالاتفاق مع شركات عالمية تقوم ببناء أعداد واسعة وبمواصفات تتلاءم مع البيئة العراقية وتقاليد المجتمع العراقي وطبيعة التجاور في العيش كما حصل في العهد الملكي عندما جرى الاتفاق مع شركة نرويجية لبناء ستة آلاف وحدة سكنية بمواصفات عالية الجودة في حي الدورة ببغداد سميت بحي الآثوريين.
ويعترف وزير الاسكان والتعمير بان ازمة السكن هي من الازمات المستفحلة حقا وتحتاج الى علاجات فورية، مشيرا الى ان وزارته تقوم حاليا بتنفيذ 12 ألف وحدة سكنية في مناطق مختلفة من العراق وانها تسعى لتشجيع الشركات العراقية والعربية والغربية لبناء مجمعات سكنية ذات مواصفات متطورة لحل هذه المشكلة مع ملاحظة ان ما يقرب من ثلاثة ملايين وحدة سكنية لا يمكن بناؤها بين ليلة وضحاها.