عودة البعثيين إلى سلك التعليم تحرم الآخرين من فرص العمل فيه
زيادة الرواتب ترفع حدة المنافسة على 300 ألف وظيفة
بغداد: نيكولاس ريكاردي *
جريدة الشرق الاوسط، 17/5/2004
كانت وظيفة التدريس في العراق محجوزة فقط لمن ينتمي إلى حزب البعث مقابل راتب يبلغ خمسة دولارات في الشهر. لكن بعد سقوط النظام السابق، تم طرد
أكثر من 10 آلاف من أعضاء حزب البعث الذين كانوا يعملون في سلك التعليم. بالمقابل كسب أولئك الذين أقصيوا عن المدارس على يد النظام السابق أفضلية
للعمل في هذا الميدان، وهؤلاء يحصلون الآن على ما يقرب من 300 دولار شهريا.
قال قحطان حسن جواد الذي كان في وزارة التعليم لأخذ استمارات عمل لزوجته، «هذا هو الإجراء العادل. ولو أن العدالة اتبعت فستكون لدينا الأفضلية».
وكانت زوجته قد فصلت قبل 12 سنة ضمن واحدة من حملات التطهير التي قام به نظام صدام حسين لطرد خصومه السياسيين من وظائفهم.
لكن الأفضلية تحولت باتجاه معاكس وأدى ذلك إلى ظهور توترات جديدة. ففي الشهر الماضي بادر بول بريمر رئيس إدارة التحالف المؤقتة في العراق بعكس
اتجاه سياسته التي واجهت نقدا كبيرا والمعروفة باسم اقتلاع جذور البعث من المجتمع، إذ قال إن الكثير من المعلمين البعثيين سيكون لهم الحق بالعودة إلى
وظائفهم من خلال تقديم إجراءات النظر بطلبات الاستئناف. ويعني قرار بريمر أن البعثيين الذين شاركوا في ارتكاب جرائم أو أعمال عنف سيتم إبقاؤهم بعيدا
عن قاعات الدرس.
لكن مع وجود 300 ألف وظيفة تعليم في العراق على المستوى الوطني فإنه ليس هناك عدد كبير من الوظائف الشاغرة في هذا المجال. ومع الزيادة الكبيرة في
الرواتب أصبحت وزارة التربية ذات إمكانيات محدود لقبول أكثر من 5 آلاف طلب بالإعادة إلى سلك التعليم.
وحتى قبل تغيير بريمر سياسته كانت الوزارة تعج بالمتظاهرين المطالبين بعمل كمكافأة لما لاقوه من اضطهاد على يد النظام السابق. وهذا ما يجعل المسؤولين
في قطاع التعليم يخشون من تنفيذ سياسة بريمر الجديدة. قال حسن المولّى وهو مسؤول كبير في الوزارة «إذا قتلوا أبي وأخي ثم وفروا العمل لي ولبعثي آخر،
فإن الأمر سيكون مقبولا، لكن يجب عدم إعطاء العمل لبعثي ثم دفعي كي أتخلى عن عملي».
تكشف هذه المعضلة عن الصعوبات التي تواجه أي مصالحة مع ماضي العراق ومكافحة البطالة في آن واحد. فدكتاتورية صدام حسين كانت تستخدم الوظائف
العمومية والعقود التجارية كفاءة للمخلصين له. وحينما أسقطت الولايات المتحدة النظام بدأت بالتوجه صوب تلك الجماعات التي أقصيت من قبل حكومة صدام.
وتم تعيين الكثير من معارضي صدام حسين الذين كانوا يقيمون في المنفى في مناصب أساسية داخل الحكومة الجديدة. وبدأ منح الوظائف يصب أيضا لصالح
أعضاء ينتمون إلى الأحزاب المتنفذة ولأفراد عائلاتهم، وهذه الأحزاب لها تمثيل في مجلس الحكم المؤقت المتكون من 25 عضوا.
والنتيجة التي ترتبت عن هذا الوضع هو أن الحكام الجدد راحوا يجمعون بين الاستفادة من التعويض عما لحقهم من أذى من النظام السابق والمشاركة في تكريس
وممارسة المحسوبية السياسية. في الوقت الذي راح أولئك الذين أبعدوا على يد سلطة قوات التحالف المؤقتة من أنصار صدام السابقين بالمساعدة على إذكاء
التمرد داخل العراق. لكن الولايات المتحدة بدأت حاليا بإرجاع أنصار صدام السابقين إلى مواقعهم إذ سُمح بعود المعلمين إلى مدارسهم وفي حالة مكشوفة للملأ
تم تعيين جنرال من قوات الحرس الجمهوري السابقة ولفترة قصيرة ليقود الإجراءات الأمنية في مدينة الفلوجة. وسبّبت هذه الخطوات أعمال احتجاج من قبل
أولئك الذين كانوا موضع قمع النظام السابق، وأدت إلى إخراج الجنرال السابق من منصبه. يقول الكثير من المحللين إنه إذا لم يتمكن العراق من تجاوز نظام
المحسوبية فإن العنف سيستمر. وقال جوان كول البروفسور في جامعة ميتشيغان والذي ألّف عدة كتب حول العراق «الكثير من الناس هناك لا يستطيعون
الحصول على ما يريدونه ويفضلون مقابل ذلك أن يقاتلوا». وقال البروفسور كول وآخرون إنه إذا تم تحقيق استقرار في العراق فإنه يجب أن ينمو الدخل
الحكومي وزيادة عدد وظائف التعليم وتجنب الاختيار ما بين البعثيين أو أولئك الذين تعرضوا للقمع أثناء الحكم السابق. وأضف كول «في الوضع الحالي الذي
هو سيئ هناك بعض الأسئلة الجادة التي تتطلب تقديم أجوبة فورية لها. وعلى الحكومة الانتقالية أن تبدأ بالسير على قدميها».
وجاء قرار اجتثاث حزب البعث من المجتمع بعد وصول بريمر إلى بغداد بفترة قصيرة. ويقول المعارضون لهذه السياسة إنها كانت جامحة وظالمة تجاه أفراد
حزب البعث الذين لم يقوموا بأعمال عنف في فترة حكم صدام حسين مثل المعلم البالغ من العمر 52 عاما والذي اكتفى بتسمية نفسه بـ «أبو جاسم».
وقال هذا المعلم الذي فُصل من عمله بفعل قرار بريمر إنه انضم إلى حزب البعث قبل ثلاثة عقود كي يتمكن من البقاء معلما. لكنه قال إنه منع أبناءه الثمانية من
الانضمام إلى الحزب وهو ظل عضوا لأنه كان يريد فقط دعم أسرته.
وأضاف أبو جاسم «نحن عوملنا معاملة ظالمة من قبل وزارة التربية. نحن جميعا كنا مجبورين للانتماء إلى هذا الحزب... لو كانوا في مكاننا فماذا كانوا
سيفعلون؟».
وعلى نقيض «أبو جاسم» يطمح عبد الحسين نقي، 54 سنة، التركماني من كركوك الاستفادة من ظروف «أبو جاسم». ففي وزارة التربية تحدث عن كيفية
فقدانه لعمله في التعلم قبل عشرين عاما لأن ابن عمه ينتمي إلى حزب معارض محظور. وبعد قضائه 5 سنوات في السجن بسبب نشاط ابن عمه السياسي تم
نقل نقي من كركوك إلى الرمادي كي يعمل في مهن رثة.
وقدم نقي على وظيفة معلم في نوفمبر حينما أعلنت الوزارة عن منح الأفضلية لأولئك الذين تعرضوا للقمع أثناء حكم صدام. وتعبيرا عن الرفض الواسع لقرار
اجتثات البعث قال نقي إن أشخاصا مثل «أبو جاسم» لا يستحقون الطرد من وظائفهم لأنهم لم يقوموا بأي جريمة وكانوا يحاولون فقط توفير الطعام لأسرهم.
لكنه في الوقت نفسه يرى نقي أنه يستحق أن تكون له الأسبقية. وأضاف «أنا أحب التعليم. كل أب هو معلم. وبلدنا بحاجة ماسة إلى أناس مثلي... لكنهم بدلا من
أخذي يقومون بأخذ أناس آخرين».
* خدمة «لوس انجليس تايمز» ـ خاص بـ «الشرق الأوسط»