دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية
( الحلقة الثانية )
ما هي الشخصية؟

تأصيل المصطلح
كي لا نصبح أسرى المفاهيم الضبابية، ولا ننساق مع العبارات الزئبقية التي تكون (حمّالة أوجه)، أرى من الضروري استعراض بعض المعلومات والمفاهيم والمصطلحات ذات الصلة بموضوع (الشخصية).
1 – الجنس البشري: توصل العلماء إلى اتفاق عام على الاعتراف بأن الجنس البشري ينتمي إلى أصل واحد؛ أي أن الناس جميعاً ينتمون إلى النوع ذاته؛ إلى الجنس البشري (الإنسان العاقل Homos Sapien)، ووحدة الجنس البشري هذه أقرها العالم كارلوس ليون (1707 – 1778) مؤسس علم الحياة المنظم، وهو الذي أطلق على الجنس البشري عبارة (Homos Sapiens). (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 27).
وقدّم البروفسور كارلتون إس كون Coon نظرية تقول بأن الإنسان الحديث، الإنسان العاقل Homos Sapien ، نشأ من نوع مفرد هو الإنسان المنتصب، وأنه لم ينشأ مرة واحدة وحسب، بل خمس مرات. (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 46).
غير أن انتماء الناس جميعاً إلى أصل واحد لا يعني أنهم نسخٌ متطابقة، فالكون بمجمله قائم على التنوّع، وثمة تنوّع في عالم الأجرام السماوية، وفي عالم الجمادات، وفي عالم النباتات، وفي عالم الحيوانات، ولا غرابة في أن يكون التنوّع ركناً من أركان عالم البشر أيضاً، ويكفي أن نلقي نظرة عابرة على أنفسنا وعلى الآخرين من حولنا، لنتأكد من أن التنوّع بيننا – نحن البشر- أمر واقع وليس فرضية. والحقيقة أنه بقدر ما نتعمّق في فهم جيراننا (الجمادات، النباتات، الحيوانات) نصبح أقدر على فهم هويتنا، وبقليل من الملاحظة نستنتج أن جيراننا (الكائنات الأخرى) ينتمون إلى فصائل متعدّدة، ففي عالم الجماد ثمة النجوم والكواكب، وفي عالم الحيوان ثمة الزواحف والعشبيات واللواحم، وكذلك الأمر بالنسبة لنا، فنحن أيضاً لنا تنوّعنا الخاص بنا، فثمة الأعراق والسلالات والشعوب والأمم.
2 – العِرق: يقوم تعريف (العِرق) في الدرجة الأولى على الخصائص البيولوجية، ومن الطبيعي أن يتقاطع تعريفه مع تعريف (الجماعة السلالية) كما سنرى، فالبروفسور ثيودوسيوس دوبزانسكي يعرّف (الأعراق) بأنها "جماعات سكانية تختلف فيما بينها من حيث وجود مورّثات معيّنة، لكنها تتبادل عملياً، أو لديها إمكانية أن تتبادل، المورّثات عبر أيّ نوع من الحدود (الجغرافية في العادة) التي تفصل بعضها عن البعض الآخر". (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 45).
وثمة من عرّف (العرق) Race بأنه " مجموعة من الناس يُفترَض أنهم يشتركون بنسب مشتركة، ولهم عموماً أصل جغرافي مشترك متشابه نوعاً ما في المظهر الطبيعي، ولهم عادة تاريخ وثقافة ولغة مشتركة ". (جيوفري روبرتس: القاموس الحديث للتحليل السياسي، ص 379).
ويرى بعض المتخصصين أن الفوارق في المورّثات التي تميّز الجماعات العرقية بعضها عن بعض لا بد أن تكون قليلة نسبياً، لأن جميع الأفراد في جميع الأعراق المختلفة يتشابهون فيما بينهم أكثر مما يختلفون، وليس من المحتَّم أن تتطابق الجماعات العرقية مع الجماعات الوطنية والدينية واللغوية والثقافية. (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 45، 63).
3 – الجماعات السلالية: السلالة هي مجموعة من الأفراد يمكن أن نميِّزها عن غيرها بصفات بيولوجية. (لويجى لوقا كافاللى - سفورزا: الجينات والشعوب واللغات، ص 34)، وعرّف بعض العلماء (الجماعات السلالية) من البشر بأنها مجمَّع أو مجموعة من الجماعات السكانية، تتميّز بشبه نسبي في الصفات الجسدية والخصائص الثقافية، وتساعد تلك الصفات والخصائص مجتمعة في تمييز أعضاء هذه الجماعة السلالية عن أعضاء الجماعات السلالية الأخرى، وإن آليات العزل، كالحواجز الجغرافية، هي التي قامت بالدور الأكبر في تكوين الفوارق الجسدية والثقافية بين الجماعات السلالية (انظر: آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 70 – 75).
واتفق معظم علماء الانثروپولوجيا في الوقت الحاضر على تصنيف الجزء الأكبر من النوع البشري في ثلاثة أقسام رئيسة تندرج ضمنها جميع الأعراق البشرية، هي:
 أ – القسم المنغولي Mongoloids.
 ب – القسم الزنجي Negroids.
 ج – القسم القوقازي Caucasoids.
(أحمد زكي: في سبيل موسوعة علمية، ص 33).
أ - الجماعة السلالية المنغولية:
تتألف هذه الجماعة، بشكل رئيسي، من سكان شمالي آسيا وآسيا الوسطى وجنوب شرقي آسيا، وتضم الفيليبين وماليزيا وأقطار الهند الشرقية والأمريكتين، وأبرز الشعوب التي تمثل هذه السلالة هي: اليابانيون، والصينيون، والكوريون، والشعوب التركية، وأهل التِّيبت وهِمالايا، ويتصف المنغوليون بسَباطة شعر الرأس وسواده، مع كثافة في السنتمتر المربع تقلّ، إلى حد ما، عن كثافة شعر الرأس لدى البيض، وشعر البدن لديهم غير كثيف نسبياً، ولون البَشَرة يميل إلى الصفرة قليلاً، ولدى معظمهم ثَنْية جلدية تغطي زاوية العين الداخلية. (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 75. وأحمد زكي: في سبيل موسوعة علمية، ص 33).
ب - الجماعة السلالية الزنجية:
تتكون هذه الجماعة الرئيسية من ثلاث جماعات فرعية: هي الزنوج الأفارقة. وزنوج المحيط من أهالي غينيا الجديدة، وأهالي المجموعة الكبيرة من الجزر الممتدة إلى الشرق حتى جزر فيجي، وزنوج جنوب شرقي آسيا، بمن فيهم الاندمانيون في خليج البنغال، والسياميون في شبه جزيرة الملايو وشرقي سُومَطْرة، والألينيون في الفيليبين.
ويتصف الزنوج ببَشَرة سمراء، تكون سوداء في أغلب الأحيان، وسمراء مائلة إلى الصفرة أحياناً، ويتنوّع شعر الرأس من الأجعد الكثيف إلى المفروط فالمُفَلْفَل (خصل متناثرة)، وشعر البدن، على العموم، خفيف بشكل واضح، أما الرأس فيميل إلى الاستطالة، ويكون الأنف في العادة عريضاً، ويأتي في كثير من الأحيان مسطَّحاً، بمنخرين واسعين، والشفاه غليظة ومقلوبة في العادة. (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 75 – 76).
ج - الجماعة السلالية القوقازية:
ترجع هذه التسمية إلى شعوب منطقة القوقاز، وهي المنطقة الواقعة بين بحر قَزْوين شرقاً والبحر الأسود غرباً، وصاحب التسمية هو العالم الألماني بلومنباخ Blumenbach (1753 – 1840) مؤسس علم الانثروپولوجيا الطبيعية، وهي تُطلق على البَشَر الذين يُسمَّون (البيض)، ويدخل ضمن هذه السلالة جميع شعوب أوربا، والشعوب القاطنة في أفغانستان وباكستان والهند، وشعوب غربي آسيا (الفرس، الكرد، العرب، العبرانيون، الآشوريون، الكلدان، السريان، الأرمن، الموارنة، وشعوب شمالي إفريقيا (القبط، الأمازيغ)، وتشمل أحياناً عدة شعوب ذات بَشَرة داكنة، مثل كثير من شعوب الهند، ومثل الأوستراليين الأصليين.
وشعر الرأس في هذه الجماعة السلالية يتفاوت من الحريري المسترسَل (السَّبْط) إلى درجات مختلفة من التجعّد، والتجعّد فيه نادر. ويكون شعر الوجه وباقي أجزاء البدن عند الذكور نامياً نمواً جيداً، ويتفاوت لون البَشَرة من البياض حتى السمرة الداكنة، والأنف بارز ودقيق نسبياً، ويرتفع عند بدايته وفي أرنبته، وعظام الخدود غير بارزة على العموم، والشفاه أقرب إلى الرقة. (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 76. وأحمد زكي: في سبيل موسوعة علمية، ص 33).
4 - القومية Nationalism: يبدو أن العلماء الذين عرّفوا (القومية) كانوا ينطلقون من حالات معيّنة، فثمة من يقول: " تعتمد القومية على عوامل من مثل اللغة المشتركة، والتاريخ المشترك، والتجاور الإقليمي، والتشابه العرقي، والثقافة المشتركة ". (جيوفري روبرتس: القاموس الحديث للتحليل السياسي، ص 280). ويرى آخر أن القومية " تأكيد واعٍ للأمة (Nation) بالاستناد إلى عوامل تختلف عن الوطنية (مجرد حب الوطن)". (فرانك بيلي: معجم بلاكويل للعلوم السياسية، ص 433).
في حين وحّد آخرون بين (القومية) و(الوطنية) فقالوا: القومية هي الصفة الحقوقية التي تنشأ عن الاشتراك في الوطن الواحد. والقومية أيضاً صلة اجتماعية عاطفية تتولد من الاشتراك في الأرض، والجنس، واللغة، والثقافة، والتاريخ، والحضارة، والآمال، والمصالح. (كميل الحاج: الموسوعة الميسرة، ص 445). والأقرب إلى الدقة- فيما نرى- أن مفهوم (الوطنية) أوسع من مفهوم (القومية)، وأن الطابع الإثني هو الأكثر فاعلية في تكوين (القومية)، في حين تكون العوامل الأخرى (الأرض، الثقافة، التاريخ، المصالح، الآمال) أكثر فاعلية في تكوين (الوطنية).
5 – الشعب Folk: إن علم الأجناس الحديث يعرّف (الشعب) بأنه " مجموعة من الأشخاص الذين قد يختلفون في الجنس والموطن الأصلي، ولكنهم ممتزجون في وحدة متجانسة، بفضل وحدة المسكن واللغة والتقاليد التاريخية الحضارية ". (سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 49). وجاء في تعريف آخر أن (الشعب) "جماعة من الناس يتميزون بثقافة معيّنة وعادات وتقاليد تفصلهم عن جماعات أو شعوب أخرى". (نخبة من الأساتذة: معجم العلوم الاجتماعية، ص 337). ولتعريف (الشعب) طابع قانوني أحياناً، فقد قيل: " الشعب هو مجموعة من الأفراد ينتمون إلى الدولة بعلاقة قانونية يعرّفها القانون الخاص بالجنسية؛ التي تُعرَف بأنها الرابطة القانونية بين الفرد والدولة". (عامر رشيد مبيّض: موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية الاقتصادية العسكرية، ص 839). وهكذا نرى أن دور (العرق/السلالة الجماعية) في تكوين مفهوم (الشعب) يغيب إلى حد كبير، ويفسح المجال للعناصر الأخرى (الموطن، الثقافة، التاريخ).
6 – الأمـة Nation: الأمة هي الشعب الذي يعيش في وطن واحد، وتحت حكم واحد، وغالباً ما تكون الأمة مؤلفة من عدد من الجماعات العرقية المختلفة؛ ففي الولايات المتحدة مثلاً أمة مكوَّنة من أعضاء ينتمون إلى البيض من أمم أوربا كلها، وإلى الزنوج الأفارقة، وإلى المنغوليين القادمين من اليابان والصين، وإلى الهنود الأمريكيين الشماليين الأصليين، والبورتوريكيين، والفليبينيين، والإسكيمو (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 58 – 59).
وقيل أيضاً: الأمة " مجموعة الناس الذين يشتركون في تقليد تاريخي وثقافي مرتبط عادة بمنطقة جغرافية محددة، تزوِّد المجموعة بهُويّة إزاء مجموعات أخرى". (جيوفري روبرتس: القاموس الحديث للتحليل السياسي، ص 279). وقيل: الأمة "مجموعة من الناس الذين يشعرون بأنهم يشتركون بهُوّية واحدة تميّزهم عن غيرهم من الشعوب". (فرانك بيلي: معجم بلاكويل للعلوم السياسية، ص 433).
وعلى العموم لا نجد أيّ تأثير لعنصر (العرق/السلالة) في تعريف (الأمة)، وإنما تحلّ محلها العناصر الأخرى (الموطن، التاريخ، الثقافة، المصالح)، وهذا يعني أن ثمة تماثلاً كبيراً بين مفهوم (الشعب) ومفهوم (الأمة)، وهذا واضح في قول روبرت أمرسون: " إن الأمم هي كالأفراد نتيجة إرث وبيئة، ولكن في حالة الأمة فإن البحث عن أصلها لا يمكن أن يكون بتتبّع الجينات الوراثية، وإنما بالبحث في الإرث الاجتماعي الذي ينحدر من جيل إلى جيل، معطياً مضموناً قومياً لأذهان الناس". (عامر رشيد مبيّض: موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية الاقتصادية العسكرية، ص 132). وفي بعض الأحيان يتوسّع مفهوم الأمة أكثر، ويأخذ طابعاً دينياً، كمفهوم (الأمة الإسلامية).
وبعد هذه الجولة السريعة مع المفاهيم والمصطلحات الأساسية الدائرة حول الجماعات البشرية (الجنس البشري، العرق، السلالة، القومية، الشعب، الأمة) دعونا نبحث في (الشخصية) ترى ما هي؟

ما هي الشخصية؟
من الضروري أن نميّز بين نوعين من (الشخصية):
 - شخصية الفرد.
 - وشخصية الجماعة (قومية، شعب، أمة).

1 شخصية الفرد:
اهتم معظم المتخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس بتعريف (شخصية الفرد)، وفيما يلي بعض ما ذكروه في هذا الصدد:
1 - تعريف جوردن ألبورت (1937, Allport ): "الشخصية هي التنظيم الدينامي داخل الفرد، لتلك الأجهزة التي تحدّد خصائصه وسلوكه". (بدر محمد الأنصاري: مقدمة لدراسة الشخصية، ص 18). ويرى ألبورت أيضاً أن "الشخصية هي ما يكون عليه الإنسان في حقيقته". (كالڤين هول، جاردنر ليندزي: نظريات الشخصية، ص 22).
2 - تعريف جيلفورد (Guilford, 1959): "شخصية الفرد هي ذلك النموذج الفريد الذي تتكون منه سماته". (بدر محمد الأنصاري: مقدمة لدراسة الشخصية، ص 18).
3 - تعريف أيزنك (Eysenck, 1960): "الشخصية هي ذلك التنظيم الثابت والدائم إلى حدّ ما، لطباع الفرد ومزاجه وعقله وبنية جسمه، والذي حدّد توافقه الفريد لبيئته". (بدر محمد الأنصاري: مقدمة لدراسة الشخصية، ص 19). ويرى أيزنك أيضاً أن الشخصية هي: "المجموع الكلي لأنماط السلوك الفعلية أو الكامنة لدى الكائن". (كالڤين هول، جاردنر ليندزي: نظريات الشخصية، ص 497).
4 - تعريف ريموند كاتل (Cattel, 1965 Raymond): "الشخصية هي ما يمكننا التنبؤ بما سيفعله الشخص عندما يوضع في موقف معيّن"، ويضيف قائلاً: "إن الشخصية تختص بكل سلوك يصدر عن الفرد سواء أكان ظاهراً أم خفيّاً". ( بدر محمد الأنصاري: مقدمة لدراسة الشخصية، ص 19).
ويرى كالڤين هول أن شخصية الفرد تتمثل في أقوى الانطباعات التي يخلقها في الآخرين وأبرزها. (كالڤين هول، جاردنر ليندزي: نظريات الشخصية، ص 21). ولخّص آشيلي مونتاغيو عدداً من التعريفات الخاصة بالشخصية فقال: " يُفهم من الشخصية مُجمل الصفات والخصائص التي تكوّن الفرد، كما أن المقصود بالطبع مُجمل صفات الشخص الذهنية والأخلاقية. والشخصية هي المظهر المتحرك للطبع ". (آشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، ص 102).
وها نحن نرى أن تعريفات (الشخصية) لا تخلو من عبارات تستعصي على الضبط والقياس (تنظيم دينامي، خصائص، سمات، حقيقة، طباع، مزاج، انطباع، إلخ)، ومع ذلك لا عجب؛ إذ إن مسألة (الشخصية) شديدة التعقيد، إلى درجة أن المرء يعجز عن إخضاعها لتعريف دقيق جامع مانع، ولعل القاسم المشترك بين التعريفات السابقة هو ما يلي: (شخصية الفرد هي مجمل خصائصه الفسيولوجية، والسيكولوجية، والثقافية، والذهنية، وطبيعة رؤيته الوجودية، وأنماط سلوكه إزاء المثيرات، وقد يتفق في هذه الخصائص مع الآخرين، وقد يختلف عنهم).
ولنا أن نخرج من هذه التعريفات أيضاً بأن العناصر الأساسية التي تسهم في تكوين (الشخصية) هي: البنية الجسدية، والخصائص السيكولوجية، والبيئة، والثقافة، وطبيعة التحديات التي تعترض وجوده. ومن هنا كان إيريك فروم على حق عندما قال: " إن فهم الإنسان لا بد أن يُبنى على تحليل حاجات الإنسان النابعة من ظروف وجوده". (كالڤين هول، جاردنر ليندزي: نظريات الشخصية، ص 174).
وكان لازاروس أيضاً محقاً عندما قال: " شخصية الإنسان بعامة، والأفراد بخاصة، لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً دون إدراك التفاصيل البيولوجية المناسبة، وهذه التفاصيل تتضمن موضوعات ثلاثة أساسية، ... ونعني بها: التطور البيولوجي والثقافي للإنسان، والتأثيرات التكوينية عليه، والطريقة التي بها يؤثّر البناء الفسيولوجي للإنسان على سلوكه وشخصيته". (لازاروس: الشخصية، ص 137).

2 شخصية الجماعة:
المقصود بشخصية الجماعة شخصية (شعب، قومية، أمة) كما مر، وسنستخدم من الآن فصاعداً عبارة (شخصية شعب)، والحقيقة أننا لم نجد تعريفات كثيرة لشخصية الشعب؛ هذا على الأقل في حدود المصادر التي توافرت لنا، وفيما يلي بعض تلك التعريفات:
1 – لوسيان فيفر: أن يكون شعب ما ذا شخصية يعني ترابط عدد من الصفات الأخلاقية، إلى درجة أنه يشترك فيها آلاف الأفراد من ذلك الشعب، بشرط أن ينفرد هذا الشعب بتلك الصفات دون بقية الشعوب. (لوسيان فيفر: الأرض والتطور البشري، ص 156).
2 - كارل مانهايم فيلسوف سوسيولوجيا المعرفة: " إن الانتماء إلى جماعة يعني، من بين أمور أخرى، أن أبناء هذه الجماعة يرون العالم، ونهج التعامل مع الذات والآخر والطبيعة، بطريقة متماثلة مميِّزة لهذه الجماعة، وعقل الأمّة والإطار الفكري الداعم لهذه الصورة ولهذا النهج في التعامل ". (شوقي جلال: العقل الأمريكي يفكر، ص 10).
وقد لاحظنا أن التعريفات القليلة الخاصة بـ (شخصية الشعب) تزخر أيضاً بعبارات فضفاضة، ويمكن أن نسدّ الفقر الحاصل في تلك التعريفات بما جاء من التعريفات الدائرة حول (شخصية الفرد)، باعتبار أن شخصية الشعب هي في النهاية حصيلة مجموع شخصيات أفراده، ويمكن أن نلخّص تعريف (شخصية الشعب) كما يلي: (شخصية الشعب هي السمات العامة التي يُعرف بها شعب ما من حيث الصفات الجسدية، والمزاج، والذهنية، والثقافة، وأنماط السلوك في المواقف المختلفة).
ومن جانبنا لا نرى ضرورة للأخذ بالشرط الذي وضعه لوسيان فيفر؛ ألا وهو (أن ينفرد هذا الشعب بتلك الصفات دون بقية الشعوب)، فالواقع يؤكد أن شخصيات بعض الشعوب قد تتماثل أو تتشابه في عدد من الخصائص، وقد تختلف في خصائص أخرى، وخاصة إذا كانت تلك الشعوب تعيش في بيئات جغرافية متشابهة، أو تنتمي إلى ثقافات مشتركة، أو تواجه تحدّيات متشابهة؛ مع الأخذ بالحسبان أن نسبة التشابه في هذه العناصر (الجغرافيا، الثقافة، التحديات) هي العامل الأكبر في تحديد السمات الأساسية لشخصية شعب ما دون آخر. وهناك أمر آخر مهم لا بد من أخذه في الاعتبار؛ ألا وهو أن (الاختلاف) في سمات الشخصية شيء و(التناقض) فيها شيء آخر، وأن شخصيات الشعوب كثيراً ما تتشابه، وكثيراً ما تختلف، لكنها قلما تتناقض.

نموذج تحليلي
لو أمضينا ساعات في التنظير لظلّت الأمور ضبابية، فدعونا إذاً نأخذ مثالاً من الواقع، وليكن دائراً حول العرب والكرد، فالمعروف أنهما شعبان مختلفان من حيث عناصر التكوين الأولى؛ أقصد (إثنياً وبيئياً وميثولوجياً)، مع مراعاة أن الميثولوجيا هي القاعدة الأساسية لثقافات الشعوب في عصور التكوين، فالعرب ينتمون إثنياً إلى السلالة السامية، في حين ينتمي الكرد إلى السلالة الآرية. وبيئة التكوين الأولى للعرب هي الصحراء، في حين أن بيئة التكوين الأولى للكرد هي الجبال. وتتمحور الميثولوجيا العربية القديمة- في الغالب- حول القمر، في حين تتمحور الميثولوجيا الكردية القديمة- في الغالب- حول الشمس.
وهكذا لا يبقى شكّ في أن ثمة اختلافاً واضحاً بين العرب والكرد من حيث العناصر الأساسية المساهمة في تكوين شخصية كل من هذين الشعبين، وتبعاً لذلك فلا غرابة مطلقاً في أن يؤدي الاختلاف في هذه العناصر إلى وجود اختلاف في السمات بين الشخصية العربية والشخصية الكردية، وتظهر بعض تجلّيات ذلك الاختلاف في الأشكال والمزاج والذهنية والتراث الشعبي بشكل عام، وخاصة الموسيقا والغناء.
لكن ذلك لا يعني أن ثمة بالضرورة تناقضاً بين الشخصيتين (العربية والكردية)، لا بل إن الاختلاف بينهما لم يمنع من وجود تشابه في الأشكال، وهذا يعود- فيما نرى- إلى أن الشعبين ينتميان- حسب التصنيف الوارد أعلاه- إلى السلالة القوقازية، كما أن هناك تشابهاً بين الشعبين في جوانب من الذهنية وفي بعض الصفات الأخلاقية، وهذا يعود بدوره إلى ما هو مشترك بين جغرافيا (الصحراء) وجغرافيا (الجبال).
إن الصحراء حاجز طبيعي هائل، وهي تفرض العزلة على من يعيش فيها، ولا سيّما سكان الداخل، وهذه العزلة الجغرافية هي بيئة خصبة لتشكّل خصائص سيكولوجية معيّنة، منها الاعتزاز المفرط بالنفس، وإباء الضيم، ورفض الخضوع لأية سلطة خارجية، إذ مع الخضوع لسلطة كهذه تتضاءل فرص الاعتزاز والإباء. والسلطة الوحيدة التي يعترف بها البدوي هي سلطة القبيلة، باعتبارها رابطاً إثنياً في الدرجة الأولى، وقد أورد الجاحظ الخبر الآتي: " قيل لأعرابيٍّ: كيف تصنع في البادية إذا اشتدَّ القيظُ، وانتعل كلُّ شيء ظلَّه؟ قال: وهل العيشُ إلا ذاك؟! يمشي أحُدنا ميلاً، فيَرْفَضُّ [= يتصبّب] عرقاً، ثم يَنصِبُ عصاه، ويُلقي عليها كِساءه، ويجلس في فَيئه يكتال الرِّيح، فكأنَّه في إيوان كِسرى". (الجاحظ: رسائل الجاحظ، ج 2، ص 392 - 393).
إن هذا البدوي سعيد جداً، رغم قسوة البيئة، وشدّة الحر، وشظف العيش، لأنه يعيش عزيز النفس، لا سلطة لأحد عليه؛ وهذا من أهم أسباب عدم قيام سلطة مركزية في قلب شبه الجزيرة العربية طوال عشرات القرون قبل الإسلام، كما أنه السبب الرئيسي في تصدّي معظم العرب بكل ما أوتوا من قوة للعقيدة الإسلامية، لأنها تحمل في طياتها بذور سلطة مركزية، ولولا السيف لما دان العرب بالإسلام، ليس كرهاً منهم للتوحيد، وإنما نفوراً من الخضوع لسلطة مركزية خارجية غير سلطة القبيلة.
وقل الأمر نفسه بالنسبة إلى الكردي، فالجبال حاجز طبيعي هائل، تنمّي في ساكنيها خصائص سيكولوجية معيّنة، منها الروح الفردية والاعتزاز المفرط بالنفس، وإباء الضيم، وتقبّل قسوة البيئة وشظف العيش، في سبيل ذلك. وإن الكردي المتحصّن بشِعاف الجبال، مكتفياً بالعيش في خيمة من الشعر، أو في كهف، أو في بيت متواضع، ومعتمداً في رزقه على الغنم أو الماعز، وعلى بعض الأعشاب والثمار، شبيه من حيث بعض خصائصه السيكولوجية وقيمه الأخلاقية، بذلك البدوي المتحصّن في أعماق البادية، مكتفياً في عيشه ببعض النوق والشياه وبالتمر.
وسنجد في حلقات قادمة أن (سيكولوجيا الجبال) كانت وراء صعوبة قيام دول مركزية في بلاد الكرد، وأن بعض الدول التي قامت فيها قبل الميلاد إنما كانت ذات طابع لا مركزي في الدرجة الأولى، وكانت في صيغة اتحاد قبائل، أي كانت فيديراليات، وأبرز مثال على ذلك هو الدولة الميدية، فقد أسسها الزعماء الميد الأوائل (دِياكو) وابنه (فُراوَرْتيس) في صيغة (اتحاد قبائل)، وبمجرد أن استبدّ آخر ملك ميدي (أستياگ) بالسلطة، وهمّش الزعماء الميد الآخرين- وكانوا ممثلين لقبائلهم- ثاروا عليه، ولم يترددوا في التعاون مع كورش الفارسي للقضاء على سلطة أستياگ، والتسبّب من ثم في سقوط الدولة الميدية.
إن النموذج الذي سقناه بخصوص الشخصية العربية والشخصية الكردية- من حيث أوجه الاختلاف والتشابه- له نظائر كثيرة جداً بين مختلف شعوب العالم. ولعل من المفيد- ونحن بصدد دراسة الشخصية الكردية- أن نسلّط الضوء على (الكرد) ترى من هم؟ وذلك هو موضوع الحلقة القادمة.

المراجع
1. الدكتور أحمد زكي: في سبيل موسوعة علمية، دار الشروق، بيروت، الطبعة السادسة، 1994.
2. أشيلي مونتاغيو: الدحض العلمي لأسطورة التفوق العرقي، تعريب المقدم حسن أحمد بسام، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1981.
3. الدكتور بدر محمد الأنصاري: مقدمة لدراسة الشخصية، منشورات ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الأولى، 1999.
4. الجاحظ: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1979.
5. جيوفري روبرتس، ألستير إدواردس:القاموس الحديث للتحليل السياسي، ترجمة سمير عبد الرحيم الجلبي، الدار العربية للموسوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1999.
6. ريتشارد س. لازاروس: الشخصية، ترجمة الدكتور سيّد محمد غُنَيم، دار الشروق، بيروت، 1984.
7. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمة الدكتور السيد يعقوب بكر، دار الرُّقي، بيروت، 1986.
8. شوقي جلال: العقل الأمريكي يفكر (من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات)، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1997.
9. عامر رشيد مبيّض: موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية الاقتصادية العسكرية، دار المعارف للنشر والتوزيع، حمص، سوريا، الطبعة الأولى، 2000.
10. فرانك بيلي: معجم بلاكويل للعلوم السياسية، ترجمة ونشر مركز الخليج للأبحاث، دبي، الطبعة الأولى، 2004.
11. كالفين هول، ج. لندزي: نظريات الشخصية، ترجمة دكتور فرج احمد فرج، قدري محمود حفني، لطفي محمد فطيم، د.م: د.ن، 1969.
12. الدكتور كميل الحاج: الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2000.
13. لوسيان فيفر: الأرض والتطور البشري: ترجمة الدكتور محمد السيد غلاّب، دار المطبوعات الجديدة، القاهرة، 1973.
14. لويجى لوقا كافاللي- سفورزا: الجينات والشعوب واللغات، ترجمة أحمد مستجير، المجلس الأعلى للثقافة، 2000.
15. نخبة من الأساتذة: معجم العلوم الاجتماعية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1975.
ــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد الخليل في 15 ـ 11 ـ 2009
dralkhalil@hotmail.com